الجمعة 10 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • «القيد والمرود» للمخلافي سعيد الصوفي

«القيد والمرود» للمخلافي سعيد الصوفي

«القيد والمرود» للمخلافي سعيد الصوفي

في البدء.. سعيد محمد قائد الصوفي ناشط سياسي، ومناضل من مناضلي الحزب الاشتراكي، وعضو في الجبهة الوطنية الديمقراطية.

مُثَقَّف ومتعدد وعضوي. باحث اجتماعي، وصحفي؛ دَوَّنَ سيرة حياته في الإقبال على التعليم، ومواصلة الدراسة حتى الحصول على الشهادة الجامعية.

انخرط بَاكرًا -كأخيه الكبير- في الانضمام لحزب الطليعة الشعبية، وَخَاضَ النضال في سبيل مقاومة استبداد الحكم، وضد القمع، ومصادرة الحرية، والتآمر ضِدَّ الثورة اليمنية: سبتمبر 1962، وأكتوبر 1963.

حصل على دورة حزبية في المدرسة العليا للعلوم الاشتراكية في مدينة المكلا، ولمدة عام.

أهداني كتابه قبل بضعة أعوام. استمتعت بالقراءة، وَسَجَّلت ملاحظات للكتابة، وفقدت الكتاب.

بحثت عنه، وأعدت القراءة. أدهشتني ذاكرته الحديدية. فهو يتذكر التفاصيل الصغيرة، واليقظة في قراءة كُلِّ ما حوله أو ما يمر به، وَحِسُّه الإنساني الرفيع، وعدائه للجلادين، وأدوات القمع والإرهاب، وحبه للعدالة والمعرفة، واحترام الحقوق.

قليل هم اليمنيون الذين كتبوا عن التعذيب في المعتقلات. «الأقدام الدامية»، للدكتور شاهر مجاهد الصالحي، وما كتبه الصديق محمود فرحان الحبشي، وكتاب «القيد والمرود».

يقع كتاب «القيد والمرود» في 118 صفحة. قطع صغير. والكتاب -كإشارة المؤلف- ذكريات معتقل سياسي في سجون الأمن الوطني بتعز، 1983-1986.

يهدي الكتاب إلى روح أمِّه التي لم تتخلَّ عنه؛ غير آبهة بقسوة الجلادين، وإلى زوجته التي ظلت راعية العهد، وإلى مولودته الأولى التي رأت النور في غيابه، وإلى رفاقه الذين قاسموه غُرَف التَّعذيب، وإلى ذكرى المخفيين قَسرِيًّا، في سجون الطُّغَاة، والُمغَيَّبين في القبور المجهولة.

ربط اليسار بين الثلاثي الشِّرير: أمريكا، والصهيونية العالمية، والرَّجعِيَّات العربية= مُهِمٌّ وصائب. فنكبة 1967؛ النكبة الثانية والأخطر، تشاركت فيها الأطراف الثلاثة، ووقائعها وشواهدها حاضرة في واقعنا اليوم.

تَراجَعَ المَدّ الثَّوري، وترافق صعود التفوق الإسرائيلي، مع صعود نجم الرَّجعِيَّات العربية وَالثَّورَات المضادة.

بعد الـ5 من نوفمبر 1967 في صنعاء جرى تصفية الجيش والأمن من المدافعين عن الثورة والجمهورية، وَقُتِلَ واعتقل المئات والآلاف، وَعَادَ الآلاف إلى قراهم في ذمار، ويريم، ورداع، وإب، وتعز، وتعرضت ثورة أكتوبر للتهديد؛ فَتَدافعَ الشَّباب؛ للدفاع عن مناطقهم؛ ولحماية الثورة في الجنوب، وكانت البداية، ولكن الصِّرَاع المتطاول والممتد بين نظامين في الشمال، والجنوب، وصراع داخل كُلّ شطر منهما، وَوُظِّفَ صراع الجبهة الوطنية في صراعات الداخل هنا وهناك.

وفي وحدة الـ22 من مايو 90 جرى نسيانهم تَمامًا، وكانت الخطيئة الكبرى تغليب الطابع الوظيفي الإداري، مع احتفاظ كُلٍّ منهما بالقوة العسكرية، وجعل الحزبين: المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي واجهة للصراع؛ دون فاعلية حقيقية، وعدم اشتراك الأحزاب والتنظيمات الأخرى، باستثناء التجمع اليمني للإصلاح الذي اتخذ منه علي عبد الله صالح العصا الخبيئة للتفجير. كانت الوحدة سلمية وديمقراطية، لكن الاحتفاظ بالقوة بقي حَاضرًا.

في طرف الحزب الاشتراكي كقوة حماية دفاعية، أما في جانب علي عبدالله صالح والتجمع اليمني للإصلاح فقوة هجوم لحرب كان التخطيط والإعداد لها قبل الوحدة؛ فكانت الوحدة بالنسبة لهما بمثابة هدنة مؤقتة، وكانت الأعوام الأربعة من عمر الوحدة مرحلة الإعداد، واستكمال عُدَّة وأداة الحرب، ومَدِّ النُّفوذ.

يُدوِّن الكاتب كُلَّ لحظة؛ كما لو أنه مازال فيها. هذا عنوان مقال كتبه زميله ورفيقه الصحفي صقر الصنيدي، ويتناول فيه أساليب الاعتقالات والقمع التي شهدتها تعز ثمانينيات القرن الماضي.

كان الرفاق يموتون أو يُرسَلون للحرب في العراق، أو يودعون عقولهم. ويتابع ما يكتبه رفيقه.

وشكر وتقدير من المخلافي للزملاء الذين ساعدوه: محمد عبدالوكيل جازم، ونبيل قاسم، وصقر الصنيدي، وعلوي السقاف.

يشير في المقدمة: أمَّا قبل، إلى ترشيح منظمته في تعز له؛ لأخذ دورة حزبية لمدة عام في الجنوب. ويصف رحلته إلى الجنوب، ويصف كُلَّ مشاهداته، ومن التقى بهم وبأسلوب أدبي؛ مستشهدًا بمقولة ماركيز: "ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكره، وكيف يرويه".

ويروي ما قبل الاعتقال، وبداية شعوره بالمراقبة، وبداية تحاور نظام صنعاء مع قيادة الجبهة الوطنية، وانشغاله بوضع أخيه الكبير الرفيق قايد الصوفي المطلوب للاعتقال.

ويسرد سيرة نضال أخيه، ودوره في الدِّفَاع عن الثورة، ودوره في التنوير الثقافي. ويأتي على ذكر حمود محمد المخلافي الحبشي؛ ممثل الجبهة الوطنية في الحوار مع السُّلطَة، واعتقاله، ومطاردة (ناجي)؛ الاسم التنظيمي لأخيه قائد، وإفلاته منهم بذكاء.

ويورد محنة (الطفشال)؛ الاسم الحركي لعبدالله علي حميد الرعيني الفدائي في الثورة الفلسطينية. وعاش مع الفلسطيني في ليبيا والجزائر وتونس ومصر، وَتَعرَّضَ للاعتقال في أكثر من بلد، وله دور مهم في الجبهة الوطنية، واستدرج للاعتقال، وصموده، وتلاعبه بعقول جلاديه.

يؤرخ لاعتقاله في 29 أغسطس 1983، وتقييده. ويشيد بدور المرحوم عبدالوهاب أحمد قائد الكمالي؛ أحد الشخصيات العَامَّة في منطقة شرعب.

ويتناول بجاش عبدالواحد الكمالي (أحمد غلاب)؛ عضو الطليعة، ورفيقه الشَّهيد مهبوب عبده سعيد الكمالي، ودورهما في التَّأسيس؛ لبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية، وتوحيد فصائل اليسار الخمس: الحزب الديمقراطي الثوري، والطليعة الشعبية، ومنظمة المقاومين الثوريين، واتحاد الشعب الديمقراطي، والعمل في حزب الوحدة الشعبية في منطقته.

ويثني عل دور الطبيب الذي كاد يفقد رأسه بسبب معالجته له. ويأتي على ذكر بعض ألوان التعذيب، ويُقَدَّم للتعليق الذي يسمونه فروج كنتاكي؛ وهو تكبيل المعتقل بالسلاسل الحديدية، ونصب أعواد المشنقة ثم يعلق المعتقل؛ فيتخثر الدَّم في الجسم، وتصبح أية لمسة بسيطة، وكأنها ضربة قوية؛ وقد يغمى على المعتقل، وقد يموت إذا كان لديه متاعب معينة، خُصُوصًا في القلب.

إن أخطر أساليب التَّعذيب: الاعتقال، ومصادرة الحرية، ثم الاتهامات المُشَكِّكَة في الوطنية والهوية، وصدق الانتماء، ثم بلادة المحقق، وغباء الأسئلة والتي يعوضها بالإهانات، والضرب وقبل ذلك القيود (القيد والمرود).

والمرود هو العمود الحديدي الذي يفصل القدمين، ويمنعهما من التواصل، ويقيد الحركة. وقد ناضل الأحرار كثيرًا ضد القيود والسلاسل والأغلال، ومنعت ثورة سبتمبر القيود، ولكنها عادت في «العهود الجملكية»؛ كما يسميها الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وقد عادت الآن كسابق عهدها في المتوكلية اليمنية.

أمَّا الزنازين، وغياب النظافة، والحرمان من الزيارات، وابتزاز الأسر، وإخافتها، وتجويعها، وحرمانها من عائلها، وإقلاق المجتمع ككل؛ فهي وظيفة الحكم المستبد والفاسد؛ وقد عرضها المخلافي بقدر من التتبع والمهارة والصدق.

يتناول وجبة غداء؛ يتشارك المعتقلون في توفيرها.. كيف تتحول إلى عقاب جماعي. ويسخر من المحقق المقراني الذي خرج وزوجته إلى شرعب؛ ليبتز أُسَرَ المعتقلين؛ فيقع في شَرِّ عمله.

والغريبة محاولة بعض المحققين قراءة المادية التاريخية، والتثاقف مع المتعقلين. ويشير إلى نهم المتعقل للمعرفة والثقافة، وطرائق الحصول على الصحيفة، أو الكتاب، أو الوثيقة. فالكتاب محظور، ويصادر حتى القرآن الكريم. وكيف احتفى بنشرة الحزب الشيوعي السعودي، عندما حصل عليها. ويفيد من تجربة زعيم الحزب الشيوعي العراقي.

في التعامل مع التحقيق: «اعترف، أو لا تعترف»، ويورد قصيدة محمود درويش «يا دامي العينين»، مع بعض الأخطاء.

ويورد مدى اهتمام المعتقلين بالوافدين الجدد، وتخوفهم من المندسين. ويشير إلى الاعتقالات في صفوف الناصريين؛ ومنهم عبدالملك المخلافي، والمرحوم عبده عبدالله قاسم الفهيدي، وطارق سعيد، وعبدالله محمد صالح المقطري؛ نائب الأمين العام للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وعضو البرلمان اليمني، ومهيوب قائد العديني، وآخرون.

وقد أبلغهم المخلافي بكتابة تعهدات؛ لإطلاق سراحهم، ولكن القيادي الناصري طارق سعيد رفض تقديم التعهد، ورفض مقابلة المخلافي، كما رفض كتابة تعهد بعدم ممارسة العمل الحزبي والسياسي؛ لذا لم يطلق سراحه إلا بعد ستة أشهر من إطلاق سراح رفاقه (ص59).

ويؤكد على تحمله ثقل المسئولية، وعدم الاعتراف بخطوط السير بين مناطق الجبهة، بين شرعب، وماوية، والسبرة، والحشا، والقصية، والجندية.

ويؤكد على مسح الخطوط، ووجود شفرات اتصال تغير باستمرار. ويذكر الرفيق ناجي أحمد ناشر؛ وقد تعرض لتعذيب قاسٍ جِدًّا؛ لإجباره على الاعتراف بالقيادات العسكرية، ولكن أظهر صلابة غير معهودة، ويثني على دور المحقق حسن الريمي.

ويتناول دور رفيقه دحوة الوزير الذي التقاه في السجن، وتعارفا في الجامعة، ويصفه بالحذر.

والواقع أنَّ «القيد والمرود» تدوين دقيق وأمين، ورصد لوضع وأمكنة الاعتقال، والإتيان على كُلِّ المعتقلين؛ سواء من رفاقه أو الاتجاهات الأخرى، وَكَانَ مَوضوعيًّا، وَبَعيدًا عن التَّعصُّب في التقييم.

ويذكر أنَّ الاعتقالات كانت عشوائية؛ تضم بعض المختلين عَقليًّا، ويشكلون معاناة إضافية على المعتقلين.

ويسخر من طلب ضمانات منهم؛ لإطلاق سراح بعضهم. ويذكر أنَّ الجلادين يسمُّون التعليق (طريقة الكنتاكي) بالقاوق (العمامة)، في صنعاء.

ويسرد فضيحة الجلاد محمد المقراني، ووقوعه في المصيدة، وضربه، وفصله من الجهاز.

كما يتناول التفتيشات الدورية؛ لنهب ما وقع مع المعتقل من فلوس، والتعذيب، والترويع الدائم للمعتقل. وإذا التعذيب دائم ومتواصل، ويشمل منع المعتقلين من أيِّ نشاط أو لقاء أو حتى تفاهم، وحرمانهم من الأكل النظيف، والماء النقي، ومنعهم من التواصل مع أسرهم، ومع المجتمع، ومع وسائل العصر، وجعلهم تحت التهديد المستمر؛ فَإنَّ الأخطر هو الحرمان من النوم، ومواصلة التحقيقات ليلًا ونهارًا، وتتخللها ساعة التعذيب بالضرب والتعليق؛ وهذا ما تعرض له مع العديد من رفاقه، وانتزاع الاعترافات بالتعذيب. وعندما يسمح لهم بلعب الورق أو الشطرنج؛ فالفرحة غامرة.

كما يتناول الاختفاء القسري وضحاياه. وعندما يطالب بعض الوجهاء من مدير الجهاز إطلاق سراحه يرد عليهم بأنَّ الصوفي هو الوجه الآخر لعبدالفتاح إسماعيل، وأنه يمثل خطورة على الشعب والعقيدة، ويدين الاختراقات، وشراء الذِّمَم.

وكتحية وفاء يقوم المعتقلون من أعضاء الجبهة الوطنية الديمقراطية، وحزب الوحدة بزيارة القيادي الناصري عبده عبدالله قاسم الفهيدي الذي اعتقل مع قيادات من رفاقه في الوحدوي الشَّعبي الناصري، ويشيد بصمود أعضاء الجبهة والحزب. ويقسمهم إلى ثلاث فئات.

ويتناول تجنيد المعتقلين للقتال في العراق بدون تدريب أو تأهيل؛ وبطريقة تشبه السُّخرَة.

بعد الخروج من السجن أسرع للدراسة الثانوية؛ صف ثاني، وواصل المشوار، وأدى خدمة الدفاع الوطني بعد النجاح والتفوق، وظلت الرقابة تلاحقه.

ويورد قصة طريفة تحت عنوان «اغتيال خميس»، وشفرة ليلة الدخلة في علبة باندورا. وخلاصة القضية أنَّ أحد الرفاق مولع بتدوين كل صغيرة وكبيرة، ويحتفظ بالتدوين مع الوثائق الحزبية في علبة نيدو. وقد عثر عليها الأمنيون.

ورغم أنَّ علبة النيدو تخفي معلومات مهمة، وكشوفات بأسماء رفاق في مناطق عدة، إلا أن قصة ليلة زواج الرفيق، وخبر اغتيال خميس جعل منها المحقق قصة القصص، وبدت علبة الحليب كأنها باندورا التي حوت شرور العالم؛ كوصف الصوفي.

ويأتي على تدوين لحظة الخروج من المعتقل، وما أسعدها. والبحث عن التاجر الضمين. ويتناول في الكتاب قصة ربط الحصول على منحة دراسية أو وظيفة أو الخروج من المعتقل، بضمانة التاجر. لكأنَّ المواطنة يكفلها التاجر؛ وهو ابتزاز للتجار، واعتداء على حقوق المواطنة.

ويشير إلى أنَّ طلب الضمان يضعف شرعية الحكم، ويشكك في عدم قدرة الأمن في الوصول إلى المطلوب.

ومسك الختام عن صاحب الذكريات: سعيد محمد قائد الصوفي؛ المعروف بسعيد المخلافي= كاتب، وباحث اجتماعي. صحفي مدرب في حل النزاعات، وبناء السلام.

التحق في سن مبكرة بالتعليم القديم، كما التحق بالتعليم الحديث عام 1970 من القرن الماضي، وانضم للطليعة الشعبية عام 1975.

ويدون الكتب التي قرأها؛ وفي الرواية، ودوره في حزب الوحدة الشعبية والجبهة الوطنية الديمقراطية، وقصة الاعتقال، والأدوار التي اضطلع بها، واستكمال تعليمه الجامعي.

والأهم تدوينه القضايا بالتاريخ، وبدقة، وتدوين أمين لأساليب القمع والتعذيب في سجون لا صلة لها بالقانون، ولا علاقة بالنظام، ولا بالحرية، ولا الديمقراطية، والعدل، وحقوق الإنسان.

والكتاب في الوقت نفسه سيرة عطرة لمناضل من شباب الحزب الاشتراكي.