الأحد 19 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالله غالب عمران.. نبيل المنبت.. رصين الأكاديميا

عبدالله غالب عمران.. نبيل المنبت.. رصين الأكاديميا

عبدالله غالب عمران.. نبيل المنبت.. رصين الأكاديميا

قلما عرفت إنسانًا اجتمع له من نبل الخلق، وسمو النفس، ورقي السلوك، ما اجتمع للدكتور عبدالله غالب عمران. فهو ممن لا تحتاج إلى طول صحبة لتدرك صفاء معدنه، ولا إلى كثير اختبار لتكتشف أصالة منبته. يكفي أن تجالسه قليلًا لتلمس أدبًا جمًّا، وتواضعًا رفيعًا، وعزة نفس لا تعرف تكلفًا ولا استعلاء.

إنه خلاصة الأدب والنزاهة والتقوى، ونتاج بيت طهر، وأسرة مجد، وعائلة عُرفت بالنبالة والصلاح. وكيف لا، وقد صاغت شخصيته تربية والده الطاهر، وتعهدها بالرعاية والتقويم الحاج غالب، شريف الأسرة، وأزهدها، وأصلحها، حتى بزغ ذلك النبيل في صورة الأستاذ الدكتور عبدالله غالب عمران، أستاذ أمراض اللثة والفم والأسنان بجامعة ذمار، واحدًا من أبرز أكاديمييها علمًا، وخلقًا، وتخصصًا.

ولد في قرية الحصين بيت عمران، ونشأ في كنف أسرته الكريمة، ولم يكن طريقه إلى العلم مفروشًا باليسر، بل بدأ منذ سنواته الأولى رحلة كفاح مبكرة. ففي قريته تملكه -كما يصفها- نوع من الغيرة المعرفية تجاه بعض أقرانه من أبناء الأسرة الذين سنحت لهم الظروف لمواصلة دراستهم في مدينة ذمار، وكان يتمنى مزاملتهم، غير أن والده رأى أن ظروف الأسرة لا تسمح بذلك لعدم وجود قريب يتولى رعايتهم هناك، فوجهه إلى الدراسة في منطقة كومان القريبة من القرية. ولم يكن أمامه إلا الامتثال لقرار والده، فكان يقطع يوميًا ما يقارب ثلاثة كيلومترات سيرًا على الأقدام، في رحلة امتزج فيها عناء الطريق بشغف المعرفة.

وفي تلك المرحلة ظهرت أولى ملامح نبوغه، حين استطاع أن يجمع بين دراسة الصفين الثالث والرابع الأساسي في عام دراسي واحد، محققًا المركز الأول في الصف الثالث، والمركز الخامس في الصف الرابع، في إنجاز تعليمي نادر يعكس ذكاءه المبكر وإصراره على تجاوز المألوف.

وتكررت هذه الروح المتحدية للظروف في أولى محطات ابتعاثه إلى جمهورية العراق. فقد رُشح للدراسة في كلية طب الأسنان بجامعة بغداد، غير أن خطأً فنيًا من إدارة البعثات في وزارة التربية والتعليم أدى إلى إدراج اسمه ضمن المبتعثين إلى كلية الآداب بجامعة القادسية. ورغم أن ذلك لم يكن التخصص الذي طمح إليه، فإنه تعامل مع الأمر بعقلية المتفوق، فالتحق بكلية الآداب، وتمكن من إحراز المركز الأول على دفعته في السنة الأولى، في دليل واضح على أن التميز كان سمة أصيلة في شخصيته، لا تحده طبيعة التخصص ولا تعوقه الظروف.

وبعد تصحيح ذلك الخطأ، انتقل إلى كلية طب الأسنان بجامعة بغداد، ليبدأ رحلته مع التخصص الذي اختاره عن قناعة، ويواصل تفوقه حتى تخرج عام 1998م، ثم عاد إلى الوطن ليعين معيدًا بكلية طب الأسنان بجامعة ذمار.

ولأن الطموح لا يعرف محطة أخيرة، عاد مرة أخرى إلى أرض الرافدين للالتحاق ببرنامج الماجستير في التخصص ذاته. وهناك عاش سنوات الحرب والحصار التي عصفت بالعراق، لكنه واجهها بصبر العلماء وصلابة المكافحين، حتى نال درجة الماجستير بامتياز. ثم انتقل إلى الجمهورية العربية السورية، حيث واصل رحلته العلمية في جامعة دمشق، ونال درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف، ليعود إلى وطنه مزودًا بعلم رصين وخبرة أكاديمية رفيعة.

وترجم هذا الرصيد العلمي إلى واقع عملي حين تولى عمادة كلية طب الأسنان بجامعة ذمار، فأدارها بحكمة ومسؤولية، وجعل همه الأول والأخير الارتقاء بالعملية التعليمية والبحث العلمي، محافظًا على استقلالية المؤسسة الأكاديمية، ورافضًا إخضاعها للاستقطابات السياسية التي برزت أثناء أحداث عام 2011م وما بعدها. وحين وجد أن تلك القناعة لم تعد قابلة للتطبيق، آثر أن يقدم استقالته من عمادة الكلية، متفرغًا للبحث العلمي، والتدريس، وممارسة مهنته في عيادته الخاصة، مؤمنًا بأن رسالة الأكاديمي أسمى من أي منصب إداري.

وخلال مسيرته العلمية، أنجز العديد من البحوث المحكمة في مجال تخصصه، وشارك في مؤتمرات علمية داخل اليمن وخارجها، وظل اسمه حاضرًا في طليعة المكرمين من جامعة ذمار، تقديرًا لتفوقه العلمي وإسهاماته الأكاديمية، حتى نال درجة الأستاذية، ومايزال يواصل عطائه العلمي بالجدية نفسها والرؤية ذاتها، فلم تُضعف عزيمته الظروف، ولم تبدل مسيرته تقلبات الأحوال، كما يحدث لكثيرين.

إنه الدكتور عبدالله غالب عمران؛ المتميز دائمًا، والرصين أبدًا، والناضج عقلًا، والمشبع معرفة، الذي بقي وفيًا لمبادئه، ثابتًا على قيمه، لم تغيره المكانة، ولم تغره الشهرة، ولم تنل منه متغيرات الحياة.

فكل من عرفه لمس نبل أخلاقه، وأدرك صفاء معدنه. نبل بلا ادعاء، وصفاء بلا تكلف؛ طبع أصيل يجسده سلوكًا يوميًا، وثقافة راسخة يترجمها قولًا وعملًا.

أما معرفتي به، فتعود إلى المرحلة الثانوية، حين جمعتنا زمالة معسكر صيفي، وكان فراشي إلى جوار فراشه في تلك الخيمة البسيطة التي كانت تغمرها مياه الأمطار كلما هطل المطر. ومازلت أذكر كرمه العفوي، إذ كان يجود عليّ ببعض قطع الكعك حين يدركني الجوع، وكانت بالنسبة إليّ آنذاك أثمن هدية وأغلى عطاء.

ومنذ ذلك الوقت كان متميزًا بين أقرانه؛ سعة اطلاع، وموهبة شعرية، ورجاحة عقل، وأدب جم. ثم عززت تلك المعرفة زمالة قصيرة في ثانوية عقبة بن نافع، لتترسخ لديّ قناعة مبكرة بأنني أمام رجل كبير في أخلاقه قبل علمه، ووفي في علاقاته قبل نجاحه.

وعلى الرغم مما بلغه من مكانة علمية، وما حققه من نجاح أكاديمي، وما فرضته المسافات وانشغالات الحياة من انقطاع، ظل كما عهدته؛ لا ينسى زملاءه، ولا يتغير على أصدقائه. وكلما جمعني به لقاء، شعرت بأن الود القديم مازال حيًا، وأن حرارة الصداقة لم يخفت وهجها.

يمتلك قدرة نادرة على إشعار من يحدثه بأنه محل اهتمام صادق، بعيد عن المجاملة والتكلف، فيغمر جلساءه بألفة طبيعية، وود عفوي، حتى ليخيل إليك أنك من أقرب الناس إليه.

ولعل طبيعة عمله الأكاديمي والطبي تجعله دائم الانشغال، فلا تسعفه الأيام بكثرة اللقاءات، غير أنه يظل حاضرًا في متابعة أحوال زملائه وأصدقائه، ومواكبًا لما يجري في الوطن من أحداث، وهو ما يفاجئك به كلما التقيته، سواء في لقاء عابر، أو في عيادته، أو في مناسبة خاطفة.

يناقش الشأن العام بعقلية الباحث، وهدوء الأكاديمي، وموضوعية المراقب، متابعًا للأحداث المحلية والإقليمية والدولية، منحازًا لقضايا العدل والحرية، ورافضًا للظلم والاستبداد أيًا كان مصدره. ويرى أن الحزبية كانت تجربة كان يمكن أن تؤسس لثقافة مدنية حديثة، لولا أن المجتمع لم يستوعب بعد متطلبات الدولة الحديثة ومؤسساتها. كما يؤمن بأن التاريخ حركة متواصلة نحو النضج والتطور، وأن مستقبل اليمن يظل رهينًا بأحد ثلاثة سيناريوهات: استمرار الحرب، أو التوافق الوطني وبناء دولة المواطنة، أو بقاء حالة اللا حرب واللا سلم مع استمرار التدخلات الخارجية، بما يبقي كل الاحتمالات مفتوحة.

هكذا عرفت البروفيسور عبدالله غالب عمران؛ رجلًا تجتمع فيه الأخلاق الرفيعة مع العلم الرصين، والقيم الأصيلة مع الكفاءة المهنية، فيغدو نموذجًا أكاديميًا وإنسانيًا جديرًا بالاحترام. نفخر بزمالته، ونعتز بمعرفته، ونرى فيه مثالًا للمثقف الذي ظل وفيًا لقيمه، والطبيب الذي لم تحجبه مكانته عن إنسانيته، والإنسان الذي بقي، رغم كل ما حققه، كما عرفناه أول مرة: نبيلًا في أخلاقه، رفيعًا في تواضعه، وأصيلًا في معدنه.