الثلاثاء 14 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٣-٣)

الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٣-٣)

الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٣-٣)

ثورة ٢٦ سبتمبر: التحول الاستراتيجي في مسيرة الأصبحي:

تحت عنوان عريض يربط بين التاريخ الفردي والتاريخ العام، تبرز محطة: "ثورة ٢٦ سبتمبر وسعيد علي الأصبحي"، حيث يسطر الحاج سعيد علي الأصبحي في مذكراته بكلمات تنبض بالثورية والوعي قائلًا: "عندما تفتح ذهني واستنار فكري وقويت عقيدتي أدركنا أن علينا واجبًا مقدسًا نحو أرضنا ووطننا اليمن ليعيش كما تعيش الأمم التي خلقها الله على ظهر البسيطة، فعملنا ما أمكن عمله من رعاية الجالية وتوجيهها إلى ما يجب عليها نحو وطنها وأمتها آخذين بعين الاعتبار ما يجب عليها نحو الشعب المضياف الذي نعيش في كنفه من مراعاة للأنظمة والقوانين واحترامها وتقديرها. وبفضل الله سرنا في الطريق الأمثل والأفضل وبالتوجيه الأقوم، مرت سنين تارة بتارة إلى أن بزغ فجر السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 ميلادية الموافق 1382 هجرية، كان حدثًا رائعًا تغير به الوضع في اليمن وتحول اسمها إلى اسم جديد محبوب هو الجمهورية العربية اليمنية. كان ذلك وأنا أعمل بالرياض والمنطقة الشرقية، وعندما سمعنا صوت الثورة كنت أنا بالذات أراقب الموضوع باهتمام بالغ لدرجة أنني احتجبت في منزلي أربعة أيام وأحضرت مذياعًا كبيرًا لأستمع إلى الحدث الأكبر (لاحظوا قوله، تعبير "الحدث الأكبر") بصورة واضحة حتى تشكلت أول حكومة وبرز رجالها وظهرت وجوه وغابت وجوه ممن كنا نعرف ونتوقع ظهورها لكني آمنت إيمانًا حقيقيًا بالجمهورية، والوجوه عادة يظهر بعضها ويختفي آخرون في كل حركة وطنية. وعلى الفور بعثت رسلي إلى صنعاء" (صفحة ٣٥).

إن هذا الفكر المتقدم والصياغة الذهنية والمعرفية الرفيعة التي تفيض بها السطور السابقة -سواء أكان هو من خطها بيده مباشرة أو أملاها على وراق وصاغها- هي صياغة ورؤية سياسية ناضجة تؤكد بشكل قاطع أننا لسنا أمام تاجر أو رجل أعمال (مقاول) عادٍ، بل أمام شخصية تمتلك مشروعًا ورؤية وطنية شديدة الوضوح. إنه رجل يمتلك تقييمًا خاصًا به للثورة وقادتها بالاسم، ويدل على ذلك انحيازه السياسي الصريح لاسم القاضي عبدالرحمن الإرياني، ولرؤيته السياسية القائمة على تحقيق السلام اليمني والمصالحة الوطنية التي أُنجزت في عهده وتحت قيادته، وهو ما تم تدوينه في الصفحة رقم ٣٧.

هذا التوازي المعرفي والفكري والسياسي، يثبت أن الحاج والمناضل سعيد علي الأصبحي كان يتطور وينمو في مدارج المال والمقاولات بذات الوتيرة الصاعدة التي يتقدم بها في فضاء الفكر السياسي والوعي الوطني. ونستطيع تتبع هذا المنحى التصاعدي كلما تقدمت به سنوات العمر، ومن هنا نفهم مغزى حديثه الوجداني عن "تفتح ذهنه، واستنار فكره، وتقوية عقيدته ومبادئه، وإدراكه العميق بأن التزامه تجاه وطنه وأرض اليمن إنما هو واجب مقدس لا يمكن الفكاك منه"، كما جاء في الصفحة رقم ٣٥.

التمرد على إغراء المال وقرار العودة الجسور:

تمثل هذه المرحلة لحظة الانعطاف الكبرى والنهائية في حياة سعيد علي الأصبحي؛ حيث تحول من رجل أعمال ومستثمر يبحث عن الأرباح، إلى رجل دولة ومفكر معني بالشأن السياسي والسيادي على المستويين اليمني والعربي، ولعل موقفه العروبي الإيجابي والمؤيد لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م خير دليل على ذلك.

ومن هذا المنطلق الحماسي، يكتب في مذكراته معتذرًا للقارئ: "قلت إن هذه القصة ستتناول حياتي الخاصة وسأحاول أن أكون بعيدًا عن السياسة لكن حدث 26 سبتمبر عندما جاء على لساني وخطه قلمي سيطر الحماس الوطني على لساني وقلمي فمعذرة أيها القارئ الكريم. وإذا كان لي دور وطني فليس من الحق أن أتحدث عنه وسيتحدث عنه غيري من رجال القافلة، فمن العيب أن يمدح الإنسان نفسه أو يتحدث عن عمله وإنما على الرجل أن يعمل وعلى غيره أن يتحدث" (صفحة ٣٧).

وها أنا أيها الحاج الجليل أتحدث ليس انطلاقًا مما كتبته في "قصة يتيم" بل وكذلك من خلال ما سمعته وعرفته عنك، كرجل خير وقيم ومبادئ.

هناك العديد من المواقف السياسية، والاجتماعية والوطنية والإنسانية، للحاج الجليل، سعيد علي الأصبحي، لم يتعرض لها في قصته/ مذكراته، تدل على صلته السياسية والعملية، برجال حركة الأحرار، وهو من باب التواضع ونكران الذات، والمطلوب اليوم أن يُعاد توثيقها من مصادرها ونشرها، في سياق الكتابة التاريخية عن هذه المرحلة.

لقد تشرّب المناضل والمقاول الحاج الشهيد سعيد علي الأصبحي القيم الوطنية والسياسية الحقة في أتون كفاحه العملي لبناء عصاميته وصناعة مجد اسمه التجاري؛ فوجد نفسه يسير في خطوط تتقاطع مع الفعل السياسي التحرري في أكثر من موضع ومشهد، ولا سيما دوره الوطني المناهض للحكم الإمامي السلالي خلال فترة اغترابه في المملكة. ولذلك، شكلت ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م بالنسبة له تتويجًا منطقيًا لمرحلة انتقالية نوعية في عقلية وتفكيره.

فبعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورة وتثبيت أركان النظام الجمهوري، اتخذ قراره الحاسم والجريء بالعودة النهائية إلى أرض الوطن، ووضع حد لتاريخ طويل من الهجرة والاغتراب المرير.

بالنسبة للحاج سعيد علي الأصبحي، لم يعد هناك أي مبرر سياسي أو أخلاقي يبرر بقاءه في المهجر بعد أن تحررت بلاده، بالرغم من حجم النعيم المالي الشاسع، والجاه الاجتماعي العريض، والنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في السعودية؛ إذ كان بمقدوره البقاء وتلقف الجنسية السعودية بيسر وسهولة، ومراكمة الثروات بمليارات الريالات بلا حدود. ولكنه آثر التضحية بكل ذلك وقرر العودة ليسهم بماله وخبرته المعمارية في تشييد لبنات اليمن الجمهوري الجديد.

ومما حفزه وعجل بقرار الخروج، قناعته العميقة بأن قيام الثورة وإعلان الجمهورية في اليمن هما أمران لا ينسجمان سوسيولوجيًا وسياسيًا مع طبيعة نظام الحكم الملكي القائم في البلاد التي يقيم ويعمل فيها، وبأن النظرة الطيبة والرعاية التي كان يحظى بها اليمني قبل الثورة قد تتغير إلى النقيض، وسيكون هو شخصيًا -بصفته "سعيد علي اليماني" رئيس الجالية وقطب المقاولات المعماري الوازن- المستهدف الأول في هذا التحول.

والأمر الثاني الذي راعاه هو حرصه الشديد على عدم جرح أو الإساءة إلى الوضع السياسي القائم في البلد المضيف (المملكة) الذي عمل فيه لعقود، وبحيث لا يجد نفسه في موقع المضطر للتعاون مع حكم يختلف جوهريًا مع مبادئه الجمهورية الناشئة. وبالرغم من أنه كان يتمتع في المملكة بكافة الحقوق والميزات التي يتمتع بها المواطن السعودي تمامًا، بفضل الرعاية الملكية الخاصة والتوصيات الكريمة التي شمله بها جلالة الملك سعود، رحمه الله، إلا أنه كان يتضرع إلى الله أن يهيئ له مخرجًا مشرفًا؛ فقد كان يردد بأن "قلبه وروحه مع وطنه الجمهوري يتفاعلان مع أحداثه الساخنة، بينما جسده وأولاده يقبعون في مقر عمله بالمنطقة الشرقية والرياض".

ولتأمين هذا الخروج التاريخي الصعب، بعث برسالة عاجلة إلى ابنه الأكبر المتواجد في القاهرة ليحضر فورًا ويتولى نقل بقية إخوته الصغار، وفعلًا وصلت العائلة وغادرت الديار السعودية صوب عدن عبر مياه الخليج العربي، كما فُصِّل في الصفحتين ٣٨ و٣٩. ويذكر التاريخ أن طريقة خروج الحاج سعيد علي الأصبحي من السعودية كانت في غاية التعقيد والخطورة؛ عودة فيها الكثير من المخاطرة بالحياة إذ تمت في سياق عملية سرية تامة ومحفوفة بالمخاطر، غادر على إثرها البلاد مستخدمًا اسمًا مستعارًا وجواز سفر مزورًا في رحلة شاقة وبوليسية من الرياض إلى الكويت، وهي مغامرة تصلح بحد ذاتها لتكون تيمة لرواية تشويق سياسي وبوليسي فريدة.

تحدي الإمامة وبناء فندق الحديدة:

كان الحاج سعيد علي الأصبحي قد بدأ مسبقًا بنقل وتوظيف جزء من رساميله وأمواله الطائلة إلى الداخل اليمني، حيث شرع في بناء عمارات سكنية ضخمة وشراء مساحات شاسعة من المزارع والأراضي في مدينة الحديدة الساحلية. ومن المفارقات التاريخية العجيبة في هذا الصدد، قصة بناء عمارته الشهيرة التي أصبحت تُعرف بـ"فندق الحديدة"؛ فبسبب موقع المبنى الاستراتيجي والارتفاع الشاهق للعمارة، أدرك الطاغية الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين بوعيه العسكري الخبيث أن هذه العمارة تطل مباشرة على قصره الإمامي، وتمثل مركزًا حربيًا كاشفًا للمقام الشريف وللمستشفى العسكري، فحاول الإمام بكل الوسائل والترهيب الاستيلاء عليها ومصادرتها من الأصبحي.

غير أن الحاج سعيد واجه هذا الصلف الإمامي بشجاعة أسطورية وثقة بالغة، ورد على الطاغية بعبارة تهكمية وتكهن تاريخي عجيب قائلًا: "إن شاء الله ستنتهي العمارة بعد أن ينتهي الإمام وحكمه من اليمن". ولقد صدقت نبوءته وتكهنه التاريخي؛ إذ غيب الموت الإمام أحمد قبل إنجاز اللمسات الأخيرة من البناء، واندلعت ثورة سبتمبر ليتكامل تشييد العمارة وتوضع بكامل سعتها ومرافقها في خدمة المجهود الحربي ودعم رجال الثورة والدفاع عن الجمهورية لمدة أربع سنوات كاملة، كما هو مدون في الصفحة رقم ٥٤.

التعفف عن مناصب السلطة:

عقب استقراره في العاصمة صنعاء، والتقائه برجالات الدولة والمسؤولين في الصف الأول للجمهورية، يعرض لنا الحاج سعيد علي الأصبحي موقفًا نادرًا من مواقف الزهد في السلطة والجاه؛ حيث يكتب في مذكراته موثقًا تلك اللحظة: "عرض المسؤولون في الدولة علينا ذات مرة منصب وزير الأشغال لكنني قلت لهم إنه لا يمكن أن أعمل عملًا في أرضي غير عملي الذي كنت أمارسه في المهجر لأني سأخدم بلدي كثيرًا في هذا المضمار أكثر مما لو كنت موظفًا، ولأن العمل الذي سبق وأن أتقنته وأخذت التجارب عليه سأخلص فيه وأدقق بإذن الله، أما الوزارة أو الوظيفة فقد تأتي أكبر مني وتضغط علي، وبالتالي سوف أخسر نفسي وأضر وطني لعدم وجود كفاءة لدي، والحديث يقول: رحم الله امرًا عرف قدر نفسه".

إن هذا الموقف النبيل يبرهن على أن بريق السلطة وهيلمان الوظيفة الرسمية وسطوتها لم تكن لتغري عقل هذا الرجل العصامي؛ إذ وجد بوعي إداري متقدم أن خدمته الحقيقية والفعالة لوطنه الأم لن تتأتى من خلف المكاتب الوزارية الفارهة، وإنما من خلال النزول إلى الميدان وممارسة ذات العمل الهندسي والمعماري الذي أتقنه في مغتربه، مفضلًا التمسك بحدود كفاءته العملية بدلًا من قبول منصب قد يضغط عليه ويجعله يخسر نقاء نفسه ويضر بمصالح وطنه، ممتثلًا للحكمة النبوية الشريفة في معرفة المرء لقدر ذاته ومكانتها.

ولم تسلم هذه الروح الوطنية النقية من مؤامرات السياسة ودسائس الخصوم؛ فعقب انفجار أحداث أغسطس الدامية والشهيرة (٢٢-٢٣ أغسطس ١٩٦٨م) في العاصمة صنعاء، حاولت بعض مراكز القوى والجهات الحاقدة أن تشي بالحاج سعيد علي الأصبحي وتلفق له تهمًا باطلة بأنه كان المحرك المالي والمدبر الخفي الكامن وراء تلك الأحداث العاصفة، من منطلق طائفي. ولولا التدخل الحاسم والمنصف من رئيس المجلس الجمهوري، القاضي عبدالرحمن الإرياني -الذي ذاد عنه ودفع التهم عن ساحته لنقائه- لكان الأصبحي في عداد المعتقلين؛ وهي ذات الأحداث العنيفة والمؤسفة التي اعُتقل وسُجن على خلفيتها نخبة من كبار التجار والمناضلين العصاميين من أمثال المقاول سلام علي ثابت، وأحمد شمسان، وعبدالغني مطهر، وغيرهم من رموز تلك المرحلة.

فلسفة التدوين والرحيل التراجيدي للرأسمال الوطني:

وفي الفصول الختامية من هذه السيرة والمذكرات الشجية، يكشف لنا المؤلف عن الدوافع الحقيقية والمباشرة التي ألجأته واضطرته لتفريغ قصة حياته على الورق؛ إذ يذكر أن التدوين جاء استجابة وضغطًا من أسئلة وإلحاح الكثير من المعارف والناس الذين كانوا يلتقونه ويسألونه بفضول مستمر: كيف استطاع جمع هذه الثروة الطائلة والهائلة؟ وهل كان قد ورثها كابرًا عن كابر عن والده؟ فضلًا عن تكرار أسئلتهم حول الكيفية الإعجازية والسرية التي تمكن بها من الفرار والخروج من الأراضي السعودية عقب قيام النظام الجمهوري في اليمن.

وأمام هذا التكرار المضني واليومي للشرح، وجد نفسه مدفوعًا بمسؤولية شخصية وتاريخية لكتابة تفاصيل هذه القصة لتكون كتابًا مفتوحًا يجيب عن تساؤلات الجميع، ويوثق مسيرة كفاحه وثروته.

وكنت أتمنى لو استكمل كتابة قصته/ مذكراته، وصولًا للعام ١٩٧٨م، ففي هذا التاريخ (١٩٧٤-١٩٧٨م)، هناك تاريخ ممتلئ بالكثير من الحكايات والقضايا الهامة في تاريخ اليمن السياسي والاجتماعي والوطني، وحتى تستكمل قصته حكايتها، وكنت أتوقع منه ذلك، بيد أن يد الغدر والقتل قطعت الطريق أمام تلك الكتابة.

إن كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" يمثل بحق الخلاصة المكثفة والموجزة والمفيدة لحياة حافلة لإنسان يمني أصيل، صعد من قاع المجتمع ومن بين صفوف الشعب الكادح، ليشيد بجهده وعرقه صرحًا تجاريًا ومعماريًا هائلًا وضعه في مصاف كبار رموز المقاولات والبناء والتعمير. إن تفاصيل هذه المسيرة والسيرة في أطوارها الأولى ومراحلها الحياتية المبكرة، تحاكي وتطابق صورة حياة ومكابدة مئات الآلاف من أبناء الشعب اليمني الذين تجرعوا مرارات اليتم والفقر والشتات؛ غير أن التميز والخصوصية -في هجرة سعيد علي الأصبحي- يتجليان بوضوح في النصف الثاني من عمره، الذي انتقل به من مربع الرجل العادي الكادح إلى فضاء الرجل الاستثنائي ذي الهمة الشاهقة، والمثابرة الفولاذية، والعزم الذي لا يلين، ليصل بجهده الذاتي الخارق إلى أعلى المراتب الطبقية والاجتماعية، متوجًا مسيرته بصورة "الرأسمالي الوطني الشريف"، والنظيف، وفاعل الخير البرور.

وهي السمة الأخلاقية البارزة والصفة الإنسانية النبيلة التي ظلت ملازمة له ولقبت بها مسيرته حتى لقي ربه مستشهدًا في تلك الحادثة الدموية الغادرة التي التهمته رفقة كوكبة من خيرة أبطال وقادة رجال تعز والحجرية الأشاوس، في ما يمثل تاريخيًا "الجريمة السياسية الجماعية المنظمة الأولى" التي استهدفت تصفية الرموز والوجاهات الوطنية الكبيرة في اليمن، وفي تعز/ الحجرية، تمهيدًا لدخول اليمن مرحلة سياسية عاصفة وجارحة، أوصلتنا مقدماتها الدموية، وتفاصيلها البائسة -مع الأسف- إلى ما نحن عليه اليوم من انقسام وخراب وتفكك ودمار.

إنها جريمة تحمل في طياتها وبواعثها وتخطيطها طابعًا سياسيًا سلطويًا محضًا، ولا صلة لها بأبعاد جنائية عابرة، بمثل ما لا صلة لها بالقائد العسكري الوطني، عضو مجلس القيادة، عبدالله عبدالعالم، الذي كما أعرف أنه كان يكن عظيم المحبة والتقدير للحاج سعيد علي الأصبحي.

وكقراءة تاريخية منصفة، نؤكد بكل يقين أنه لا صلة إطلاقًا لتلك التهم التي حاول النظام الحاكم آنذاك إلصاقها عبر الوسائل الإعلامية، بقائد قوات المظلات وعضو مجلس القيادة، القائد السياسي والوطني الكبير ذي السيرة العطرة والاسم النظيف، الرائد عبدالله عبدالعالم؛ أحد أبطال حصار السبعين يومًا، إذ أثبتت الوقائع الدقيقة والتحقيقات التي تتبعت خيوطها مع العديد من القادة السياسيين والعسكريين المعاصرين للحدث -بمن فيهم رجالات مقربون جدًا ومنخرطون في الدائرة الضيقة لعلي عبدالله صالح ونظامه- أن المستفيد الأوحد والأعظم من ارتكاب تلك المذبحة الشنيعة هو رأس النظام نفسه؛ ذلك الذي تجرأ قبلها وتلطخت يداه بدم ولي نعمته، الرئيس الشهيد الخالد إبراهيم الحمدي، وأخيه عبدالله الحمدي، وعلي قناف زهرة.

وبعدها بسنة واحدة، اغتياله، الشهيد، الدكتور، عبدالسلام الدميني، وإخوته، وهو كذلك أحد أبطال حصار السبعين يومًا، وممثل المعارضة في الحوار الوطني، وكلها جرائم قتل كان القاتل يتصور أنها تزيح عقبات من أمام استكماله طريقه للحكم الفردي.

وكما قضت السنن الكونية والتاريخية، فإن الدم لا يجر إلا الدم، وتلك هي حكمة الله العدل في أرضه وخلقه.

رحم الله الحاج سعيد علي الأصبحي، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا، ولا نامت أعين الجبناء.. ولا عزاء للقتلة.

الحاج سعيد علي الأصبحي في سطور:

من مواليد ١٣٤١ هجرية الموافق ١٩٢٢ ميلادية في قرية العَفَا أو العفة، أصابح.

بدأ طفولته يتيمًا في السادسة من عمره ورعته والدته الكريمة.

دخل الكُتَّاب للتعليم لثلاث سنوات، تلقى خلالها أوليات وأبجديات القراءة والكتابة، حتى ختم قراءة القرآن، وحفظ العديد من سوره.

سافر إلى عدن في عام ١٩٣٦م ليعمل في البناء والعمران حتى أجاد فن البناء والعمران.

هاجر إلى السعودية يوم الاثنين ٢٧ جمادى الآخرة من عام ١٣٦٧ هجرية الموافق ١٩٤٨ ميلادية.

عرفته في لحظات عابرة لفترة قصيرة حين عملتُ في مكتبه في العطلة الدراسية لعام ١٩٧١/١٩٧٢م ككاتب لتحضير العمال في مواقع العمل، وكان للفقيد، الصديق الأستاذ هاشم سليمان دور في ذلك.

سيرته بين الناس عطرة، بهي الطلعة، كريم الخلق.