الخميس 9 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٢- ٣)

الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٢- ٣)

الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي في كتاب "قصة يتيم في ذكريات أربعين عامًا" (٢- ٣)

صياغة الوعي القيادي والعمالة اليمنية في المملكة

يسرد الحاج، سعيد علي الأصبحي في مذكراته/ قصته تفاصيل رحلته الممتدة من وعثاء السفر ومشاقه، مرورًا بأساليب المعاملة الفظة والسيئة التي تلقاها من بعض صغار المسؤولين في البدايات، وصولًا إلى ذروة المجد من خلال نسج علاقات وثيقة مع كبار رجال المال والأعمال والسياسة (مثل قطب المقاولات بن لادن، ورجل الدولة الأمير فهد الفيصل).

وعند هذه المحطة المفصلية من القراءة، نجد أنفسنا أمام صياغات فكرية جديدة ولغة مغايرة تمامًا تسيطر على الخطاب؛ إذ تتبدل شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتنفصل تمامًا عن صورة ذلك الشاب اليتيم الفقير والمطارد الذي بدأ الرحلة، لتضعه في مصاف كبار رجال المقاولات والبناء، ليس على النطاق اليمني الفردي فحسب، بل على المستوى السعودي والعربي العام.

وفي هذا السياق التاريخي الهام، يكتب الحاج سعيد علي الأصبحي مستذكرًا تلك الأيام: "وأنا هنا لا أنسى أن أتقدم بالشكر الجزيل والثناء العاطر إلى فهد الفيصل الذي كان يشجعني ويقف إلى جانبي لإزالة أي عقبة تقف أمامي ويجب علي أن أذكره بالعرفان والجميل فجزاه الله خير الجزاء، لقد وقف هذان الرجلان أعني بن لادن وفهد الفيصل، وقفا معي وقفة رجلين مع رجل عرف قدرهما فعرفوا قدره، والرجل يحب الرجال مثل هؤلاء. وهنا ملاحظة لا بد من القول عنها بقدر الإمكان وهي أنه قبل أن أحصل على المقاولة كنت أكفل اليمنيين لدى مكتب بن لادن ومكتب بن لادن يكفلهم عند السلطات في حالة الاحتياج للإقامة وغيرها، وفي عام 1372 هجرية أخرجنا أمرًا من جلالة الملك سعود رحمه الله بالسماح لليمنيين بالسفر إلى الرياض وغيرها، وفي عام 1373 هجرية زار السعودية وفد يمني يتكون من القاضي الزهيري والقاضي يحيى العمري، وفي عام 1374 هجرية تأسست القنصلية اليمنية بجدة ثم تلتها السفارة وكان السفير هناك القاضي حسين بن علي مَرفق الذي هو الآن وزيرًا للعدل.

وللحقيقة والتاريخ (...)، بدأت الجالية اليمنية عام 1372 هجرية بثلاثمائة فرد فبلغ تعدادها بين عامي 1374 و1378 هجرية مائتي ألف نسمة في الرياض فقط عدا الحجاز والمنطقة الشرقية، أي بعد أن كان وصول اليمني محرمًا إلى الرياض، ولا سيما العمال العاديون، وأخيرًا أخرجت أمرًا من جلالة الملك بالسماح لليمنيين بالتنقل في المملكة بحيث لا يُسأل اليمني من أين أتى، وعندما أوصلت هذا الأمر إلى إدارة الجوازات بجدة فاجأني مدير الجوازات آنذاك بالسؤال التالي: لماذا لا تستخدمون عمالًا سعوديين؟ فأجبته: يوجد لدينا عمال سعوديون يعملون لكنهم غير ملتزمين، بينما العامل اليمني ملتزم ويخدم بإخلاص، فكان جوابه: "إن الطيور على أشكالها تقع"، هذا ولا لزوم لذكر هذا المسؤول الذي حدث بيني وبينه هذا النقاش، غير أني أكتفي بالقول بأنه من فضلات الحج، ومن عنصر غير عربي، وهو يحقد على اليمنيين أكثر من غيره سامحه الله" (صفحة 29-30).

لقد تعمدت إيراد هذا الاقتباس المطول والمفصل من الصفحتين 29 و30 كما خطه الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي؛ لأن سطوره تحمل مؤشرات غاية في الأهمية والدلالة. نحن هنا لم نعد ننساق خلف سيرة يرويها "يتيم فقير" يبحث بانكسار عن لقمة عيش تسد رمقه، أو يقص مأساة زواجه القسري، بل إننا نقف وجهاً لوجه أمام شخصية قيادية ذات وزن اجتماعي، وسياسي، واقتصادي ثقيل.

وتتجلى في لغته وصيغ تعبيراته ملامح الزعامة القادرة على انتزاع القرارات الملكية لصالح جاليته وشعبه، لتتعملق هنا صورة القائد الاقتصادي والاجتماعي المحنك.

كفاح عصامي بعيد عن الحزبية المباشرة

إن الحاج الجليل سعيد علي الأصبحي لم يمارس العمل السياسي بمفهومه الحزبي الضيق أو الاحترافي المباشر، ولم يرتبط في بواكير حياته بالتنظيمات السياسية والحركية كمؤسسي حركة الأحرار اليمنيين. لقد كان رجل ميدان وعمل بامتياز، يسعى وراء رزقه وتطوير ذاته في مجاله الهندسي والمعماري (البناء والمقاولات).

وقد أثبت كفاءة منقطعة النظير في هذه الرحلة الكفاحية الشاقة التي قادته إلى المملكة العربية السعودية، لتتوج مسيرته بفرصة تاريخية ذهبية فتحت له الأبواب على مصراعيها ليصبح واحدًا من كبار المقاولين، بفضل الدعم والتقدير والمحبة التي أولاها إياه الشيخ محمد بن لادن، الذي ذلل له الصعاب ومهد له طريق الارتقاء.

ولا يمكننا هنا إغفال أو تجاهل الروابط الوطنية/ التاريخية؛ فالشيخ محمد بن لادن ينحدر من أصول يمنية حضرمية، ويبدو أن ذلك الحنين التاريخي المشترك والهوية الواحدة قد أسهما في تقريب الحاج سعيد علي الأصبحي منه بشكل أكبر، بخاصة بعد أن لمس بن لادن في الأصبحي شخصية نزيهة، عصامية، متعففة، ومترفعة عن السلوكيات الرخيصة والانتهازية.

ويتجلى هذا التعفف حين طلب الأصبحي من بن لادن مجرد رخصة أو إجازة لزيارة أهله وعائلته في اليمن دون أن يقرن هذا الطلب بأي مطامع أو طلبات مادية مسبقة. وحين عاد من إجازته بعد شهرين أو أكثر، كان بن لادن في انتظاره ليدير معه حديثًا ذا شجون حول طبيعة البشر وعطائه لمن يعملون معه، وكيف أنه يمنح الأموال لبعضهم لأنه يدرك حجم جشعهم وطمعهم الرخيص في المادة، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لا يكن لهم أي احترام أو تقدير داخلي.

لقد كان هذا الحديث الذي بثه بن لادن في مسامع الحاج سعيد علي الأصبحي بمثابة إعلان صريح يقول: "أنت هو الشخص الذي كنت أنتظره، أنت الشريك الحقيقي والنزيه الذي أرغب في التعامل معه، وأنت من يستحق الدعم والمساندة لأنه أهل للأمانة". وكان هذا الموقف النبيل هو المفتاح السحري الذي فتح الأبواب على اتساعها أمام مسيرة هذا الإنسان الكبير الحاج سعيد علي الأصبحي، وهو الباب الذي وظفه واستخدمه الحاج سعيد علي الأصبحي في خدمة جميع اليمنيين في المهجر السعودي، وليس من أجل تنمية ثروته الشخصية، فقد توحد الشخصي بالوطني اليمني ليس في وعي وتفكير الحاج سعيد علي الأصبحي فحسب، بل وفي سلوكه العملي.

لقد أشرت سلفًا إلى أن مؤلَّف "قصة يتيم" لا يتمحور في ظاهره المباشر حول الشغل والهم السياسي بمعناه الحزبي التكتيكي، غير أن القارئ الحصيف الذي يمتلك أدوات القراءة العميقة، يستطيع بكل سهولة أن يستشف الفكرة السياسية ويقبض عليها هنا وهناك؛ إذ تأتي مغلفة بحالة تجمع بين الذكاء والعفوية في سياق حديث كاتب القصة/ المذكرات، في حديثه عن بعض المسؤولين السعوديين ومواقفهم من أبناء الجالية اليمنية في المملكة العربية السعودية. تلك الجالية التي عاشت في كنف عهد جلالة الملك سعود -رحمه الله- وهي تشعر كأنها تنعم بالعيش فوق أرضها وداخل وطنها الأصلي، فقد كان جلالته _كما يصفه سعيد علي الأصبحي- رجلًا حنونًا، عطوفًا، وأبًا رحيمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حتى إن بعض الجهات والسلطات التنفيذية كانت تصدر في بعض الأحيان قرارات وإجراءات مشددة وضيقّة ضد المغتربين اليمنيين، ولكن بمجرد أن يصل العلم إلى جلالة الملك، كان يصدر توجيهاته الملكية الصارمة بإلغائها وإبطال مفعولها على الفور وبسرعة فائقة.

البنية الاجتماعية والصراع الثقافي في المهجر

لقد استمر مقام الجالية اليمنية في تلك الديار الشقيقة ما شاء الله لها أن تمكث، في أجواء من الإخاء والمحبة المتبادلة مع أبناء الشعب السعودي الشقيق، وتحديدًا -كما يعين الأصبحي بدقة- مع رجال منطقة نجد والمنطقة الشرقية، معللاً ذلك بأنهم عرب خلص ومن أصل عربي أصيل. والحق يُقال، والشهادة التاريخية تقتضي التأكيد على أن الشعب في المملكة العربية السعودية، لا سيما في نجد والمنطقة الشرقية (لاحظوا هنا تأكيده على نجد، والمنطقة الشرقية) كانوا يقدرون الإنسان اليمني ويعزون مكانته كثيرًا. وإذا ما حدثت هفوة، أو ظهرت جفوة أو معاملة سيئة من بعض الدوائر الحكومية، فإنها لم تكن تصدر من أولئك العرب الأصلاء، بل كانت تأتي حصرًا من أولئك الذين ينحدرون من أصول غير عربية، ممن وفدوا واستقروا في البلاد عبر ما سماه "فضلات الحجاج"، وهو تعبير ثقافي/ اجتماعي سوسيولوجي غاية في القسوة والدلالة استخدمه المؤلف، الحاج سعيد علي الأصبحي، في نقد هذه الجماعة أو الفئة.

ولم يقتصر هذا الهجوم والنقد عند الأصبحي على بعض موظفي الدوائر، بل امتد ليشمل بعض رجالات الحقل الصحفي والإعلامي الذين لا ينحدرون بدورهم من أرومة عربية. ويخص بالذكر منهم هنا شخصية "حسين قزاز"، إبان توليه رئاسة تحرير جريدة "البلاد" في عام ألف وثلاثمئة وثمانية وسبعين هجرية (1378هـ)؛ ففي ذلك العام، عندما أصدرت السلطات السعودية أمرًا يقضي بتسفير وتصويب وضع جميع اليمنيين، انبرت جريدة "البلاد" دون غيرها لتكتب مقالًا ترحب فيه صراحة بهذا القرار المجحف، بينما وقفت بقية الصحف والمطبوعات الأخرى -والتي كان يحررها ويقودها صحفيون عرب أقحاح- موقفًا محايدًا تمامًا، وعزفت عن ذكر القرار أو الترويج له.

ونتيجة لموقف جريدة "البلاد" النتوئي والمستفز، ضج المجتمع السعودي بكافة مكوناته؛ من أمراء، وأهالٍ، وتجار، ومسؤولين كبار، ورفضوا هذا التوجه رفضًا قاطعًا، والسبب المنطقي وراء هذه الهبة الاجتماعية هو أنه لم يكن يخلو بيت واحد في المملكة آنذاك من وجود خادم -يقصد عاملًا منزليًا- أو موظف، أو عامل يمني مخلص يؤدي دوره بأمانة، وهو ما تم توثيقه في الصفحة رقم 31 من قصته/ مذكراته.

التقاطع البنيوي والوعي السياسي الوطني

إن تأملنا في الفقرة والنصوص السالفة التي نقلناها من كتيب الشهيد الحاج والمناضل سعيد علي الأصبحي، يضعنا مباشرة أمام نص يتقاطع فيه البُعد الاجتماعي بالبُعد الاقتصادي، والسياسي، في توليفة بديعة.

هذا التقاطع يمثل قمة التعبير عن الوعي السياسي الوطني لليمني الغيور في دفاعه المستميت والواضح عن الحقوق المشروعة لأبناء جلدته في الاغتراب السعودي بوصفهم قوى عاملة، منتجة، ومسهمة في البناء المعماري والنهضوي.

هنا نرى الحاج سعيد علي الأصبحي يلج إلى صلب الخطاب السياسي المفكر، ليس عبر التنظير الأيديولوجي، وإنما من بوابات حيوية هي الأبواب الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والقانونية، وهو موقف يترجم انحيازه المطلق للوطنية اليمنية، وتغليفه للفكرة القومية العربية الشاملة في مقومات البناء الإداري والسياسي، ويتضح ذلك جليًا في ثنائه المتكرر على أهالي نجد، والمنطقة الشرقية، وتمييزهم عن الوجوه الوافدة من بقايا "فضلات الحجاج".

إن استخدام هذا التعبير القاسي في نقد الشخوص المعادية للوجود اليمني، وإيراد أسمائهم الصريحة وتسمية منابرهم الإعلامية (الصحيفة)، يكشف لنا عن طبيعة صراع سياسي واجتماعي كامن ومستتر في عمق البنية الثقافية والتاريخية السعودية؛ وهو صراع قد يمتد بجذوره وأبعاد التاريخية ليعيد إلى الأذهان الثنائيات العربية/ اليمنية القديمة مثل (القيسية واليمنية)، أو ثنائيات صدر الإسلام مثل (المهاجرين والأنصار).

الدور القيادي وتفكيك القرار الملكي

لم يقف الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي موقف المتفرج أمام أزمة قرار التسفير، بل لعب دورًا محوريًا وبادرًا في كواليس السياسة لإلغاء قرار تسفير الجالية اليمنية، الذي كان أعلن رسميًا عبر الصحيفة وبثته موجات الإذاعة. وتم هذا الإنجاز التاريخي من خلال تنسيقه وتعاونه مع من وصفهم بـ"شخصين عربيين نجديين مسلمين، حياهما الله"، حيث قاما بشرح أبعاد ومخاطر هذا القرار وجهًا لوجه للملك سعود وهما يجلسان معه على مائدة العشاء، مستعرضين التبعات الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة لتطبيقه، وهو ما يمكن مراجعته بالتفصيل في الصفحة رقم 32.

وعند هذه الحادثة، يجب على القارئ والباحث الاجتماعي والتاريخي أن يتوقف مليًا؛ إن أي شخص يمتلك القدرة والنفوذ الاجتماعي والعلاقاتي التي تمكنه من إسقاط وإلغاء قرار حكومي سيادي بوزن "مرسوم ملكي" نُشر في الصحف وأذيع على الملأ، لا يمكن بأية حال من الأحوال أن نصنفه كمجرد شخص "طالب الله" أو عامل عادي يبحث عن قوت يومه، أو تنمية تجارته الخاصة.

إن من يتحدث بهذه الغة القوية، ويتحرك بهذا الخطاب المؤثر، هو رجل سياسي وطني من الطراز الرفيع، ومدافع صلب عن حقوق أبناء شعبه فوق أرض الاغتراب، ومستثمر ذكي لعلاقاته الشخصية الشديدة النفوذ في سبيل خدمة قضايا أبناء بلاده. وبهذا المفهوم الشامل، فإن الحاج ورجل الأعمال المقاول سعيد علي الأصبحي هو رمز سياسي ووطني يمني بامتياز، وجدير بأن يتبوأ مكانته في تاريخنا الحديث بلقب "السياسي والرأسمالي الوطني اليمني".

لقد ولج الأصبحي عالم السياسة من أوسع أبوابه الإنسانية؛ لم يدخلها عبر الانتماء الحزبي الضيق أو الأطر التنظيمية المغلقة، بل من بوابة الحق الاجتماعي والاقتصادي والقانوني للإنسان اليمني في العيش بكرامة وشرف داخل البلد الذي يقدم له عرق جبينه ويسهم في تنمية مجتمعه وتشييد بنيته التحتية: العمرانية والحضارية.

وقد غدا العامل والموظف اليمني -بفضل هذا التوجيه والروح- نموذجًا حيًا ومثالًا يحتذى به في الإنتاج، والنزاهة، والاستقامة التي طالما اشتهرت بها العمالة اليمنية في شتى منافي ومهاجر العالم الفسيح.

التكريم والارتباط غير المباشر بحركة الأحرار

ونتيجة لهذه التحركات، نجح الحاج سعيد علي الأصبحي في تنبيه الملك سعود عبر أولئك المسؤولين الكبار بخطورة ذلك التوجه، "وهو ما تم العدول عنه فوراً، واعتباره قرارًا مغلوطًا، ولاغيًا، ولا اعتبار عليه ولا أثر له"، كما ورد في الصفحة رقم 32.

وحول هذا السياق، يعود سعيد علي الأصبحي ليؤكد بمرجعية أخلاقية عالية في كتابه "قصة يتيم..." قائلًا: "وأنا هنا في سرد هذه القصة حريص على ألا أشرح إلا قصة حياتي الاجتماعية والعملية، متحاشيًا ذكر أي حديث سياسي مر بي في هذه الحياة حرصًا مني على ألا أجرح أولئك الإخوة الذين استضافونا وأكرموا وفادتنا"(صفحة32).

وبسبب هذا الدور الريادي والنشاط الاجتماعي المتفاني في رعاية أبناء اليمن، حظي بتشريف تاريخي كبير من قِبل المغتربين الذين اختاروه وزكوه رئيسًا للهيئة الإدارية للجالية اليمنية في المملكة. وعقب قيام الثورة السبتمبرية المباركة، نال تقديرًا عربيًا وقوميًا رفيعًا؛ إذ منحه الزعيم العربي الخالد الرئيس جمال عبدالناصر وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة، كما قلده على المستوى الوطني اليمني رئيس الجمهورية العربية اليمنية المشير عبدالله السلال وسام مأرب رفيع الشأن.

إن من يصوغ مذكرات "قصة يتيم..." بهذه اللغة البسيطة الجزلة والفكر الثاقب، وبهذا الإحساس الوطني البالغ الارتفاع، لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يكون بمنأى عن الهم السياسي والوطني العام، وهو الأمر الذي استشففته بوضوح وأنا أطالع صفحات قصته/ مذكراته في موضع حديثه عن شخصية القاضي عبدالرحمن الإرياني.

إذ يرى الحاج سعيد علي الأصبحي أن القاضي الإرياني هو القائد الاستثنائي الذي آثر البقاء في أتون الداخل ولم يغادر التراب اليمني صوب المهاجر، ولذلك كان الأصبحي يتوقع ويثق بأن الإرياني سيكون هو قائد الثورة الفعلي بعد انفجارها، نظرًا لكونه من كان يقود قوافل النخبة والأحرار في عتمة الداخل المعتم، معرّضًا حياته وعنقه لخطر سيف الطاغية وجلاديه في كل لحظة، في حين كان بقية الأحرار في الخارج يعيشون في مهاجرهم آمنين على أنفسهم ورؤوسهم من بطش الإمام. ويؤكد كاتب "قصة يتيم" هنا أن أحرار الخارج كانوا مرتبطين به وبتوجيهاته ارتباطًا وثيقًا، "ومنهم كاتب هذه القصة وصاحبها"، وفقًا لما جاء في الصفحة رقم 36.

وهو موقف ورأي خاص بالحاج سعيد علي الأصبحي، لا أجدني كباحث، ومهتم بالشأن السياسي والتاريخي، متفقًا معه، رأي غلبت فيه العاطفة على الفكر العقلاني الموضوعي النقدي، لتكون هذه هي الإشارة الفعلية والأولى التي تثبت صلاته التنظيمية الشخصية غير المباشرة بحركة الأحرار اليمنيين عبر قطبها القاضي عبدالرحمن الإرياني.

إلى الحلقة الثالثة والأخيرة.