الدكتور عبدالكريم الإرياني.. مهندس السياسة اليمنية لثلاثة عقود ورجل الدولة الذي قرأ المستقبل

في تاريخ الشعوب رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكن أفكارهم تبقى حاضرة كلما عصفت الأزمات بأوطانهم. ومن هؤلاء يبرز اسم الدكتور عبدالكريم الإرياني، أحد أبرز رجالات الدولة اليمنية في العصر الحديث، الذي لم يكن مجرد مسؤول تقلد أرفع المناصب، بل كان عقلًا سياسيًا استثنائيًا، ورجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الحكمة والحنكة، وبين الرؤية الاستراتيجية والقدرة على إدارة الأزمات، حتى استحق عن جدارة أن يُوصف بأنه مهندس السياسة اليمنية طوال ما يقارب ثلاثة عقود.
كان الإرياني يمثل، في نظر كثيرين، صوت العقل الذي يطفئ الحرائق قبل أن تشتعل، وصاحب المنطق الدبلوماسي القادر على نزع فتيل الأزمات وتفكيك الاحتقانات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. ولذلك تبدو العبارة التي تقول: "عندما يغيب العقلاء تقل فرص النجاة" وكأنها تلخص حال اليمن بعد رحيله؛ فغيابه، وغياب أمثاله من رجال الدولة، ترك فراغًا كبيرًا، لأن السياسة عندما تُدار بعيدًا عن الحكمة تتحول إلى مغامرة، والمغامرة بأوطان الشعوب تكون كلفتها دائمًا باهظة.
لم يكن الدكتور عبدالكريم الإرياني سياسيًا أسير اللحظة، بل كان ينظر إلى المستقبل بعين رجل الدولة الذي يدرك أن القرارات الكبرى تُبنى على حسابات السنوات والعقود، لا على ردود الأفعال والانفعالات العابرة. ولهذا ارتبط اسمه بإدارة عدد من أعقد الملفات الوطنية، بدءًا من معالجة تداعيات حرب صيف 1994، مرورًا بقيادة الملف اليمني في قضية جزر حنيش، حيث انتصر لسيادة اليمن عبر القانون الدولي والتحكيم، في واحدة من أنجح التجارب العربية في الاحتكام إلى القضاء الدولي بدلاً من إطالة أمد الصراع، وصولًا إلى الإسهام في إنجاز معاهدة ترسيم الحدود اليمنية السعودية، التي أنهت واحدًا من أكثر الملفات السياسية والتاريخية تعقيدًا، وفتحت صفحة جديدة من الاستقرار بين البلدين.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في مسيرة الإرياني ليس فقط ما أنجزه من اتفاقيات وتسويات، بل تلك القدرة اللافتة على استشراف المستقبل وقراءة مآلات الأحداث قبل وقوعها. ومن يتأمل اليوم الحوار الذي أجرته معه صحيفة 26 سبتمبر خلال حروب صعدة، قبل سنوات من سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي، يجد نفسه أمام قراءة سياسية عميقة تجاوزت توصيف الأزمة إلى استشراف ما يمكن أن تؤول إليه إذا تُركت دون معالجة وطنية مسؤولة.
في ذلك الحوار، لم يتعامل الإرياني مع ما كان يجري في صعدة بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا بين السلطة ومعارضيها، بل رأى فيه مشروعًا يستهدف الدولة الجمهورية، ومبدأ المواطنة المتساوية، والنظام القائم على القانون، محذرًا من خطورة التقليل من شأنه أو توظيفه في إطار الخصومات السياسية. وكان يعتقد أن الخلاف مع السلطة لا ينبغي أن يدفع أي طرف إلى التغاضي عن الأخطار التي تهدد الدولة نفسها، لأن انهيار الدولة لن يستثني أحدًا، ولن ينجو منه أي طرف سياسي مهما اعتقد أنه سيجني مكاسب آنية.
وحذر كذلك من أن التعامل القاصر مع تلك الأزمة سيفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويحوّل اليمن إلى ساحة صراع تتداخل فيها المشاريع الإقليمية والدولية، وتتراجع فيها سلطة الدولة لصالح قوى الأمر الواقع، وينتهي الأمر بتشظي البلاد وظهور كيانات متنازعة، يكون المواطن اليمني هو الضحية الأولى لكل ذلك.
واليوم، وبعد ما شهدته اليمن منذ عام 2014 من انهيار لمؤسسات الدولة، وسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء، واندلاع الحرب، واتساع رقعة التدخلات الخارجية، وتعدد مراكز النفوذ، يستعيد كثير من السياسيين والباحثين تلك المقابلة باعتبارها واحدة من أكثر القراءات السياسية استشرافًا لما آلت إليه الأوضاع، ليس لأنها تضمنت تنبؤات غيبية، وإنما لأنها صدرت عن رجل خبر الدولة، وأدرك مبكرًا طبيعة المخاطر التي كانت تتشكل أمام اليمن.
ولعل من أكثر ما يلفت الانتباه أيضًا تحذيره المبكر من الانزلاق إلى الصراع المذهبي والطائفي، فقد أكد بوضوح أن المجتمع اليمني، عبر تاريخه الطويل، لم يعرف الانقسام على أساس الهوية المذهبية أو السلالية، وأن تحويل الاختلافات الفكرية إلى مشاريع سياسية سيؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الذي تميزت به اليمن عبر قرون.
ورفض الإرياني في ذلك الحوار تعميم الاتهامات على الهاشميين أو تصويرهم باعتبارهم جزءًا من مشروع الحوثيين، مؤكدًا أن الهاشميين كانوا شركاء في الدفاع عن الجمهورية، وأن كثيرًا منهم قاتلوا واستشهدوا من أجلها، وأن تحميل جماعة اجتماعية كاملة مسؤولية مشروع سياسي يمثل ظلمًا للوطن قبل أن يكون ظلمًا لتلك الفئة. كما شدد على أن المذهب الزيدي في اليمن له خصوصيته التاريخية والفكرية، وأن الخلط بينه وبين المشروع السياسي للحوثيين أو إسقاط صراعات مذهبية مستوردة على الواقع اليمني لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام والاقتتال.
وكان شديد الانتقاد لخطاب الكراهية والتحريض الإعلامي، محذرًا من أن الكلمات التي تبث الأحقاد بين أبناء المجتمع قد تكون أخطر من الرصاص، لأنها تزرع بذور الفتنة التي يصعب اقتلاعها لاحقًا. وكان يرى أن مسؤولية النخب السياسية والإعلامية تكمن في حماية المجتمع من الانقسام، لا في تأجيج الخلافات وتغذية العصبيات.
ولم يكن موقفه من الدولة موقفًا سياسيًا عابرًا، بل كان جزءًا من فلسفته التي آمن بها طوال حياته. فعندما وقع الانقلاب على الدولة، أعلن موقفه الرافض له، ووقف إلى جانب الشرعية الدستورية، وقال عبارته التي أصبحت واحدة من أشهر العبارات في تاريخ السياسة اليمنية المعاصرة: "أنا مع الشرعية ولو كان مع الشرعية عصا." لم تكن تلك العبارة مجرد موقف سياسي، بل كانت تعبيرًا عن إيمان راسخ بأن الدولة، مهما اعتراها من ضعف أو قصور، تظل الإطار الذي يحمي المجتمع، وأن البديل عن الدولة ليس الدولة الأفضل، بل الفوضى وانهيار المؤسسات وسيادة منطق القوة.
لقد عُرف الدكتور عبدالكريم الإرياني أيضًا بكونه أحد أبرز رواد الدبلوماسية الوقائية في اليمن، مؤمنًا بأن نجاح رجل الدولة لا يُقاس بعدد الحروب التي يخوضها، وإنما بعدد الحروب التي ينجح في منع وقوعها، ولذلك ظل الحوار والقانون والعقل أدواته المفضلة في معالجة النزاعات، وكان يرى أن بناء الدولة أصعب بكثير من هدمها، وأن الحفاظ عليها مسؤولية تتقدم على كل الحسابات الحزبية والشخصية.
قد يختلف المؤرخون والسياسيون في تقييم بعض السياسات التي شارك فيها الدكتور عبدالكريم الإرياني، فذلك أمر طبيعي عند الحديث عن أي شخصية عامة لعبت دورًا مؤثرًا في تاريخ بلدها، لكن ما يكاد يجمع عليه المنصفون هو أنه كان واحدًا من أكثر رجال الدولة اليمنية امتلاكًا للرؤية والخبرة والقدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية، وأنه كان ينظر إلى السياسة باعتبارها فنًا لحماية الدولة لا وسيلة لتصفية الحسابات.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، يعود اسم عبدالكريم الإرياني إلى الواجهة كلما استعاد اليمنيون سيرة رجال الدولة الذين كانت بوصلتهم اليمن أولًا، وكلما قارنوا بين تحذيراته المبكرة وبين ما انتهت إليه البلاد. وليس في ذلك استدعاء للماضي بقدر ما هو تذكير بأن الأوطان لا يحفظها الضجيج، ولا تبنيها الشعارات، وإنما يحفظها رجال يمتلكون شجاعة الحكمة بقدر ما يمتلكون شجاعة القرار.
رحم الله الدكتور عبدالكريم الإرياني، فقد كان أحد أبرز العقول السياسية التي أنجبتها اليمن الحديثة، ورجل دولة أدرك أن قيمة السياسي لا تكمن في قدرته على الانتصار في معركة، بل في قدرته على تجنيب وطنه المعارك التي كان يمكن تجنبها. ورحل، واليمن في أشد الحاجة إلى أمثال ذلك العقل الذي كان يرى أبعد من حدود اللحظة، ويؤمن بأن الدولة هي أعظم مكاسب الشعوب، وأن الحفاظ عليها هو أعظم الواجبات الوطنية.
