الخميس 16 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • مستشفيات شفاء الأورمان.. نموذج مصري عالمي في إدارة رحلة علاج مرضى الأورام

مستشفيات شفاء الأورمان.. نموذج مصري عالمي في إدارة رحلة علاج مرضى الأورام

على مدار سنوات من العمل في مجال إدارة السياحة العلاجية الدولية، ترسخ لدينا مفهوم واضح: المريض الدولي لا يحتاج إلى طبيب أو مستشفى فقط، بل يحتاج إلى جهة تدير رحلته العلاجية كاملة؛ منذ دراسة ملفه الطبي والتقييم الأولي، مرورًا بوضع الخطة العلاجية والتكلفة التقديرية، وتنظيم السفر والاستقبال والإقامة والتنقلات، وحتى المتابعة اليومية والعودة الآمنة إلى وطنه.

فالسياحة العلاجية الحقيقية لا تقتصر على حجز موعد أو تنسيق دخول المريض إلى المستشفى، وإنما تعني إدارة رحلة شفاء متكاملة من المطار إلى المطار، يُرفع خلالها عن المريض ومرافقيه عبء التفاصيل، ليتمكنوا من التركيز على العلاج واستعادة الصحة.

بهذا المفهوم جاءت زيارتي إلى مستشفيات شفاء الأورمان بمدينة طيبة الجديدة بمحافظة الأقصر، تلبيةً لدعوة كريمة، برفقة الأخ العزيز الدكتور سمير سفيان، مدير مركز الأمل لعلاج الأورام بمحافظة تعز. وقد وصلنا صباح الرابع عشر من يوليو لنبدأ رحلة علمية وإنسانية كشفت لنا عن تجربة مصرية رائدة تستحق أن تُروى وأن تُحتذى.

لم تكن الزيارة بالنسبة لي مجرد جولة تعريفية داخل مستشفى متخصص، بل كانت فرصة لرؤية المفهوم الذي نؤمن به في موندكير مطبقًا على أرض الواقع. وقد وجدت في مستشفيات شفاء الأورمان واحدًا من أكثر النماذج تكاملًا في مصر في إدارة الرحلة العلاجية لمرضى الأورام من الأطفال والكبار.

تبدأ المنظومة منذ التواصل الأول مع المريض ودراسة ملفه الطبي، ثم تقديم الاستشارة والتقييم المبدئي والخطة العلاجية والتكلفة التقديرية. وبعد ذلك تتولى المستشفى تنظيم الرحلة بكل مراحلها: الاستقبال في المطار، والإقامة، والتنقلات، والمواعيد، والمتابعة اليومية الدقيقة، وإجراء التحاليل والأشعة والتقييمات الطبية، والتشخيص، والعلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحي، وصولًا إلى المتابعة والاستعداد للعودة إلى الوطن.

ولا يشعر المريض الدولي خلال هذه الرحلة بأنه غريب جاء إلى بلد لا يعرفه، بل يجد فريقًا يحتضنه ويتولى معالجة كل ما قد يواجهه هو أو مرافقه من احتياجات طبية أو إنسانية أو لوجستية، مع دعم متواصل على مدار الساعة، يشمل التنقل والضيافة، وحتى البرامج السياحية والترفيهية المناسبة. وهنا يتحول المستشفى إلى بيت ووطن مؤقت للمريض، يمنحه الطمأنينة والرعاية، ويترك له همًا واحدًا فقط: أن يتعافى.

منذ اللحظة الأولى لوصولنا، أدركنا أننا لسنا أمام مستشفى بالمعنى التقليدي، بل أمام مدينة طبية متكاملة خُصصت لمواجهة السرطان وتقديم رعاية شاملة وفق أعلى المعايير الطبية والإنسانية.

شملت جولتنا عيادات وجراحات الأورام، ومستشفى سرطان الأطفال، ووحدات زراعة نخاع العظم، ومراكز الأشعة والتشخيص المتقدم، ومعامل الباثولوجي والسايتوجينتكس والدراسات الجينية والأحياء الدقيقة، إلى جانب المعامل المركزية، والصيدلية الإكلينيكية، وأجنحة العلاج الكيميائي والإشعاعي، والعناية المركزة، وأقسام الإقامة، وتقنية المعلومات.

وفي كل محطة استمعنا إلى شرح وافٍ حول آليات العمل، والتجهيزات، والإنجازات التي حققتها المستشفى. ولم أكن أنظر إلى الأقسام باعتباري زائرًا فقط، بل بعين من يعمل في إدارة الحالات الدولية؛ أتابع رحلة المريض، وكيف تنتقل حالته بين التخصصات، وكيف يتم التنسيق بين الفريق الطبي والإداري. وكلما تقدمنا في الزيارة، ازدادت قناعتي بأننا أمام مؤسسة لا تقدم العلاج فحسب، بل تدير رحلة علاجية متكاملة بكل تفاصيلها.

لكن أكثر ما لفت انتباهنا لم يكن المباني الحديثة أو الأجهزة المتطورة فقط، بل الإنسان الذي يقف خلف هذا الإنجاز. رأينا كوادر تعمل بروح الفريق الواحد، بابتسامة صادقة، وشغف حقيقي، وإيمان عميق برسالتها. لم نشعر أننا في زيارة رسمية، بل بين أسرة يجمعها هدف نبيل: منح كل مريض أفضل فرصة للعلاج والشفاء.

وكان من دواعي اعتزازنا أن تحظى الزيارة باهتمام ومتابعة مباشرة من الأستاذ الدكتور هاني حسين، الرئيس التنفيذي لمستشفيات شفاء الأورمان، وأحد كبار المتخصصين في علاج الأورام في مصر، والذي أشرف على تأسيس هذا الصرح وبناء منظومته بكل تفاصيلها.

وقد لمسنا أن معرفته لا تقتصر على الإدارة، بل تمتد إلى التفاصيل الطبية والفنية والهندسية والتشغيلية. كما انعكست خبرته السابقة في إدارة مستشفى 57357 لعلاج سرطان الأطفال بالقاهرة على جودة التخطيط، وتسلسل رحلة المريض، وتكامل الخدمات. وكان حضوره بين العاملين ومتابعته لكل تفاصيل الزيارة دليلًا على أن القيادة الحقيقية تبدأ من الميدان.

وأتقدم بخالص الشكر إلى الأستاذ الدكتور محمود الزمبيلي، مدير مستشفى شفاء الأورمان لسرطان الأطفال، وأستاذ أورام الأطفال وزراعة نخاع العظم بجامعة أسيوط، لما قدمه من شرح علمي ثري عكس حجم الخبرة والرؤية التي تقود هذا القطاع الحيوي.

كما أخص بالشكر الدكتور عبد الرحمن، استشاري جراحة الأورام، الذي وجدنا فيه نموذجًا للطبيب العالم والإنسان في آنٍ واحد. فقد رافقنا بروحه الودودة وشخصيته اللطيفة، ولم يبخل علينا بمعلومة، وقدم لنا صورة مشرفة عن قطاع جراحة الأورام الذي يضم نخبة من خيرة جراحي مصر، جامعًا بين العلم والتواضع وحسن التنظيم.

أما الدكتورة أسماء مبارك، نائب المدير العام التنفيذي لمستشفيات شفاء الأورمان لشؤون التمريض والتدريب للأطفال والكبار، فقد كانت من أكثر الشخصيات حضورًا وتأثيرًا خلال الزيارة. رافقتنا في كل محطة، وتابعت أدق التفاصيل، وحرصت على تقديم صورة كاملة عن منظومة التمريض والتدريب.

وأؤمن دائمًا بأن التمريض هو صمام الأمان لأي منظومة صحية ناجحة؛ فهو الضامن لجودة الرعاية وسلامة المريض ورضاه. وقد وجدنا في الدكتورة أسماء نموذجًا يجمع بين القيادة والإدارة والعلم والتدريب والانضباط. كما أنها عضو في فريق وضع معايير التميز للتمريض في منظومة القطاع الصحي على مستوى الجمهورية، وهو ما يعكس خبرتها والثقة التي تحظى بها، ويؤكد أن الاحترافية التي لمسناها لدى فرق التمريض ثمرة قيادة واعية تؤمن بالاستثمار في الإنسان.

كما أتقدم بالشكر إلى الدكتورة شيماء الجوهري، استشاري الباثولوجي، التي أبرزت أهمية معامل الباثولوجي وبقية المعامل ومراكز الأشعة في الوصول إلى التشخيص الدقيق الذي تُبنى عليه الخطة العلاجية.

وأشكر الأستاذ محمد حسين، المدير الإداري بالمستشفى، الذي حرص رغم مسؤولياته على مرافقتنا في زيارة دار الضيافة المجهزة لاستقبال المرضى ومرافقيهم أثناء فترات العلاج. وقد أعجبنا مستوى التنظيم والنظافة وجودة التجهيزات والإدارة المنضبطة، بما يخفف عن المرضى وأسرهم أعباء الرحلة ويحفظ كرامتهم.

ولا يفوتني شكر الإخوة أحمد وعبود وفتاح من فريق الاستقبال والضيافة، الذين رافقونا منذ وصولنا إلى المطار وحتى العودة، وكانوا مثالًا في حسن التنظيم وكرم الضيافة. كما أتقدم بخالص الشكر إلى الدكتورة سلوى إمام، مسؤولة السياحة العلاجية الدولية بالمستشفى، التي نسقت الزيارة باحترافية عالية وحرصت منذ بداية التواصل على تقديم المستشفى بأفضل صورة.

ومن أكثر المشاهد تأثيرًا أن هذا الصرح الكبير قام ويواصل رسالته بفضل تبرعات ومساهمات أهل الخير. وقد لفت انتباهنا لوح شرف تتزين بأسماء المتبرعين، إلى جانب من اختاروا الاكتفاء بعبارة «فاعل خير»، في صورة تجسد أسمى معاني العطاء والمسؤولية المجتمعية.

كما امتد التميز إلى التجهيزات الطبية، مع الحرص على اقتناء الأجهزة والمعدات من كبرى الشركات العالمية، بما يضمن الجودة والدقة في التشخيص والعلاج.

غادرنا مستشفيات شفاء الأورمان ونحن نحمل احترامًا عميقًا لكل ما شاهدناه، وقناعة راسخة بأنها ليست مجرد مستشفى لعلاج السرطان، بل منظومة متكاملة لإدارة رحلة علاج المريض الدولي، تجمع بين الطب الحديث، والإدارة الاحترافية، والرعاية الإنسانية، والعمل الخيري.

وهذا، في تقديري، هو المعنى الحقيقي للسياحة العلاجية: أن تبدأ رحلة المريض قبل وصوله، ولا تنتهي عند خروجه من المستشفى، بل تستمر حتى يعود إلى وطنه مطمئنًا، حاملًا تجربة إنسانية متكاملة، لا مجرد خدمة طبية.

شكرًا لمستشفيات شفاء الأورمان، ولكل من أسهم في بناء هذا الصرح الوطني والإنساني. ونسأل الله أن تكون هذه الزيارة بداية لشراكات مثمرة تفتح آفاقًا جديدة أمام المرضى الباحثين عن أفضل فرص العلاج والشفاء.

لم نزُر مستشفى لعلاج السرطان فحسب، بل زرنا مؤسسة تدير رحلة شفاء كاملة، وتثبت أن الخير حين يقترن بالعلم والإدارة الحكيمة والإخلاص، يستطيع أن يصنع الأمل... ويمنح الحياة من جديد.

استاذ علم الدك ونقل الدم

خبير السياحة العلاجية ورئيس مجلس الإدارة والمدير الطبي لشركة موندكير لإدارة الرحلات العلاجية الدولية