الخميس 16 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • اقتحام مقر الحزب الاشتراكي اليمني بالمكلا... استهداف للتعددية السياسية ومساس بسيادة القانون

اقتحام مقر الحزب الاشتراكي اليمني بالمكلا... استهداف للتعددية السياسية ومساس بسيادة القانون

ليست مقرات الأحزاب السياسية مجرد مبانٍ إدارية أو أماكن لعقد الاجتماعات، بل هي مؤسسات مدنية تمثل جزءاً أصيلاً من المجال العام، وتمارس من خلالها القوى السياسية حقها المشروع في التنظيم والتعبير والمشاركة في الشأن العام. وتُعد التعددية السياسية المدماك الأساس للحياة السياسية، وأحد أهم مرتكزات أي مشروع وطني يتطلع إلى بناء دولة قائمة على سيادة القانون والمؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء على مقر حزبي لا يقتصر أثره على حزب بعينه، بل يمتد ليطال جوهر التعددية السياسية، ويبعث برسائل سلبية تمس مستقبل العمل السياسي السلمي، وتضعف الثقة بإمكانية إدارة الاختلاف عبر الوسائل السياسية والقانونية.

وفي هذا السياق، يثير اقتحام مقر الحزب الاشتراكي اليمني بمدينة المكلا في محافظة حضرموت قلقاً بالغاً، ليس فقط لما يمثله من انتهاك لحرمة مقر سياسي مدني، وإنما لما يحمله من دلالات تمس مناخ العمل السياسي والحريات العامة. فحماية مقرات الأحزاب السياسية، وضمان سلامة العاملين والمتواجدين فيها، مسؤولية تقع على عاتق الجهات المختصة، باعتبارها الجهة المنوط بها حماية المواطنين والمؤسسات المدنية وإنفاذ القانون، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو موازين قوة، لأن سيادة القانون لا تتجزأ، ولا يجوز أن تكون انتقائية في تطبيقه.
ولا تقف تداعيات الحادثة عند حدود المساس بالمقر الحزبي، بل تمتد – بحسب ما أُعلن – إلى ترويع المتواجدين داخله، وفي مقدمتهم النساء والناشطات، وهو ما يضفي على الواقعة بعداً إنسانياً وحقوقياً بالغ الخطورة. فتعريض المدنيين للخوف أو الترهيب داخل مقر سياسي مدني لا يمس حقهم في الأمن الشخصي فحسب، بل ينعكس سلباً على مناخ الحريات العامة، ويبعث برسائل مقلقة بشأن سلامة العمل السياسي والمدني. ويزداد الأمر خطورة عندما يمتد أثر ذلك إلى ترويع النساء والناشطات داخل مقر مدني يفترض أن يكون فضاءً آمناً للعمل السياسي. وهو ما يستوجب إجراء تحقيق شفاف ومستقل يكشف ملابسات الحادثة، ويحدد المسؤوليات، ويضمن مساءلة كل من يثبت تورطه وفقاً للقانون.
إن استقرار البلدان لا يتحقق بإضعاف التعددية السياسية أو التضييق على النشاط الحزبي، وإنما بتوفير بيئة آمنة تكفل لجميع القوى السياسية ممارسة نشاطها المشروع بحرية وفي إطار القانون. فالتنافس السياسي السلمي هو السبيل الحضاري لإدارة الاختلاف، بينما يؤدي الاعتداء على الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني إلى تعميق الانقسام، وإضعاف الثقة بالحياة السياسية، وتقليص فرص التوافق الوطني، وهو ما ينعكس سلباً على أي مشروع وطني يتطلع إلى بناء الدولة.
ولا تكمن خطورة هذه الحوادث في الأضرار المادية التي قد تلحق بالمقرات فحسب، بل في ما تخلقه من مناخ خوف قد يدفع إلى إضعاف المشاركة السياسية، والانكفاء عن العمل العام، وإحجام المواطنين عن ممارسة حقهم في التنظيم والانخراط في الشأن العام. كما قد تُفسَّر مثل هذه الوقائع باعتبارها رسالة تضييق على العمل السياسي المنظم، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها مشروع بناء الدولة الحديثة في اليمن.
إن حماية التعددية السياسية ليست دفاعاً عن حزب دون آخر، وإنما هي حماية لحق المجتمع في التنوع السياسي والفكري، وصون لحق المواطنين في الانتماء والمشاركة في الحياة العامة. فكلما ضاقت مساحة العمل الحزبي، تراجعت فرص الحوار والتوافق، واتسعت دائرة الاحتقان والاستقطاب، وهو ما لا يخدم بلداً يتطلع إلى بناء دولة حديثة تتسع لجميع أبنائه على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ومن هنا، فإن التعامل مع مثل هذه الوقائع ينبغي أن يتم عبر تحقيق مهني وشفاف يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويضمن مساءلة كل من يثبت تورطه وفقاً للقانون، بما يعزز الثقة بالعدالة، ويؤكد أن حماية الحقوق والحريات مسؤولية لا تقبل الانتقائية.
إن اليمن، في ظل ما يواجهه من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة الحوار، واحترام التعددية السياسية، وصون الحريات العامة، وتجنيب العمل الحزبي كل أشكال العنف أو الترهيب، لأن استقرار الحياة السياسية لا يتحقق إلا في بيئة آمنة تحترم حق الجميع في الاختلاف والتنافس السلمي.
إن استهداف أي مقر حزبي، أياً كان انتماؤه، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه حادثة تخص حزباً بعينه، بل باعتباره مساساً بحق المجتمع في التعددية السياسية، وحق المواطنين في ممارسة العمل السياسي السلمي بحرية وأمان. فحماية التعددية السياسية ليست حماية للأحزاب وحدها، بل هي حماية للحياة السياسية نفسها، ولإمكانية بناء مستقبل تُدار فيه الخلافات بالحوار والوسائل الديمقراطية وسيادة القانون، لا بالقوة أو الترهيب. فبناء الدولة لا يتحقق بتقييد العمل السياسي أو إقصاء القوى الوطنية، وإنما بإعلاء سلطة القانون، وصون الحقوق والحريات، وضمان أمن المواطنين والمؤسسات المدنية، وترسيخ الثقة بأن التنافس السياسي السلمي هو الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار وبناء الدولة الحديثة.