الخرافة والمجتمع.. من البذور إلى الثمر(١)
ليست الخرافة مجرد حكاية يتناقلها الناس على سبيل التسلية، ولا رواية عابرة ولدت في لحظة من لحظات الجهل ثم اندثرت بانقضاء زمنها، بل هي ظاهرة إنسانية صاحبت الإنسان منذ بدايات وعيه الأولى، وشكلت أحد أبرز مكونات مخيلته الجمعية، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تفسير الكون والوجود، وصياغة رؤيته للحياة، قبل أن ينجح العقل العلمي في إخضاع كثير من الظواهر للتفسير والتجريب.
وتعرف الخرافة بأنها حديث يستملح من الكذب، أو رواية متخيلة تنسب إلى وقائع أو قوى خارقة للطبيعة دون أن تستند إلى دليل موضوعي، غير أن هذا التعريف، على وجازته، لا يحيط بوظيفتها الاجتماعية والثقافية؛ إذ لا تقتصر الخرافة على كونها قصة غير حقيقية، وإنما تمثل أحياناً أداة لإنتاج الوعي، أو لإعادة تشكيله، وقد تتحول إلى وسيلة لتبرير الواقع، أو تفسيره، أو الهروب منه، أو حتى تغييره في المخيال الشعبي.
ولذلك لم تعد الخرافة، في الدراسات الحديثة، مجرد نتاج للخيال، بل غدت موضوعاً للدراسة الفلسفية والأنثروبولوجية والاجتماعية، باعتبارها إحدى الظواهر الملازمة لتاريخ الإنسان، بل إن كثيراً من الباحثين يعدونها الجذر الأول الذي تفرعت عنه المعتقدات الدينية الأولى، والإرهاصات الفلسفية البدائية، والبدايات الأولى لكتابة التاريخ، حين كان الإنسان يعجز عن تفسير الظواهر الطبيعية أو فهم ما يحيط به من أحداث، فيلجأ إلى الخيال ليملأ الفراغ الذي تركه غياب المعرفة.
ومن هنا ارتبطت الميثولوجيا بتاريخ المجتمعات القديمة ارتباطاً وثيقاً، حتى أصبحت جزءاً من بنيتها الثقافية، ومرآة تعكس طبيعة وعيها، ومستوى إدراكها للعالم، وطريقتها في تفسير الوجود. ولم تكن تلك الميثولوجيا مجرد سرديات خيالية، بل أدت أدواراً اجتماعية وسياسية ودينية، أسهمت في بناء الهوية الجماعية، وترسيخ القيم، وتبرير السلطة، وإضفاء القداسة على الأشخاص والأحداث.
وقد رأى عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي إدوارد تايلور أن الميثولوجيا تمثل نتاجاً طبيعياً لمرحلة بدائية من الفكر الإنساني، وأنها تعكس طفولة العقل البشري في سعيه إلى تفسير الظواهر التي استعصى عليه فهمها. فالأسطورة، في نظره، ليست إلا محاولة عقلية أولية لتفسير الكون، قبل أن يحل العلم محل الخيال، والمعرفة محل الوهم. ولهذا دعا إلى ضرورة الفصل بين الرواية المؤسطرة والحدث التاريخي، محذراً المؤرخ من الوقوع في أسر المخيال الشعبي، أو التسليم بالروايات التي أضفتها الذاكرة الجمعية على الوقائع التاريخية.
غير أن هذا التصور، على أهميته، لا يحظى بإجماع الباحثين؛ إذ يرى فريق آخر أن الخرافة، وإن كانت وليدة الخيال، فإنها ليست عديمة القيمة، لأنها تعكس جانباً من التجربة الإنسانية، وتكشف عن طبيعة المخاوف والآمال والهواجس التي صاحبت المجتمعات في مراحل مختلفة من تاريخها. ومن هذا المنطلق، نظر الشاعر والمفكر اليمني عبد الله البردوني إلى الخرافة بوصفها لوناً من ألوان أدب الشعوب، يحمل في ثناياه أسراراً إنسانية، ويعبر عن حاجات نفسية واجتماعية عميقة، مهما بدت رواياته بسيطة أو ساذجة في ظاهرها.
كما اختلف الباحثون في التفريق بين الخرافة والأسطورة؛ فذهب بعضهم إلى أن الأسطورة ترتبط بعالم الآلهة والمقدس، بينما تتصل الخرافة بعالم البشر والجن والحيوان. غير أن هذا التفريق لا يبدو فاصلاً؛ إذ إن كليهما في نهاية المطاف نتاج للمخيلة الإنسانية، ومحاولة لتفسير العالم أو تجاوزه عندما يعجز العقل عن إدراك أسبابه، أو حين يبحث الإنسان عن الطمأنينة في مواجهة الخوف والمجهول. ولعل الفارق الأهم بينهما لا يكمن في المصدر، وإنما في طريقة التداول؛ فالأسطورة غالباً ما دونت وارتبطت بالمقدس أو بالمدونات الكبرى، في حين بقيت الخرافة حبيسة الرواية الشفوية، تنتقل من جيل إلى آخر، وتتبدل بتبدل البيئات والثقافات.
ومن هنا، فإن الخرافة لا ينبغي أن تدرس بوصفها نقيضاً للحقيقة فحسب، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية، تعكس طبيعة المجتمع الذي أنتجها، وتكشف عن مستوى وعيه، ومقدار ما يختزنه من مخاوف وآمال، بقدر ما تعبر عن حاجته الدائمة إلى تفسير المجهول، أو تعويض ما يعجز الواقع عن تحقيقه.
يتبع..
