يوميات(10)
القدر..

وتمضي الأشهر وراء الأشهر كقافلة جمال عرجاء تحمل الفقر فوق الفقر..نعيش من أنفاس التكتك المحتضر.. دخل هزيل بالكاد يسد رمق يوم، ليجوع اليوم الذي بعده.. كل مشوار براكب هو لقمة، وكل يوم بلا ركاب هو موت صغير.
وصاحب البيت القذر.. إيجاره مرتفع كالجبال يجثم على صدري مع أول كل شهر.. يطرق الباب كعزرائيل ويأخذ اكثر من نصف عمر التكتك ويرحل..
وزوجتي.. يا وجع زوجتي.. لم تعد تطيق العيش هكذا.. صارت عيناها بئرين من الملح، وصمتها أثقل من صراخ..
في ليالي الأرق حين يصمت هدير المدينة ولا يبقى إلا هدير الجوع في بطوننا، تمر على بالي أطياف قديمة.. طيف مقبولة.. حبيبتي السابقة التي تركتها على قارعة الطريق تمضغ الخيبة..
وطيف عبده خواجه.. زميلي السابق الذي اختار المنفى وقال لي كلمته الأخيرة: اليمني غريب حتى في بلده.. كان أذكى مني.. هرب بجلده وترك لي هذه المدينة أتعفن فيها.
أتذكر بداية عملي على التكتك.. كنت أظنني سأغزو المدينة فإذا بالمدينة تغزوني.. مواقف لا تحصى.. وكلها طعنات..
مرة كادت أطقم تحمل مسلحين مسرعة أن تدهسني.. وقفوا.. وفتح أحدهم النافذة وصرخ في وجهي ووجهه يقطر قاتا وغضبا
: تشتي أنا أنيك أمك؟ ابعد من الطريق يا حيوان!
ابتلعت الإهانة كما أبتلع اللقمة اليابسة.. ابتعدت.. فالتكتك لا يرد على الرصاص، والفقير لا كرامة له في الشارع.
ومرة - من بين ركام الذل الذي يملأ شوارعنا، تلمع حكاية واحدة كنجمة يتيمة في ليل أسود لا قمر فيه -
كنت جالسا في تكتكي الصدئ أعد أنفاسي منتظرا أي زبون حين لمحته.. وقف شاب نحيل كعود قصب على الرصيف قرب كافتيريا صغيرة متآكلة. كان يترقب كمن ينتظر حكما بالإعدام أو بالحياة.. عيناه تلتهمان الشارع، ويداه تعتصران بعضهما من الخجل.
لحظات.. وجاءت شابة. خفيفة كنسمة تائهة، وعيناها تبرقان بحب خائف. يبدو أنها حبيبته. تحادثا بصوت لم أسمعه، لكني قرأت شفاههما.. كانت تبتسم وتطلب منه شيئا.. رأيت شفتيها تنطقان
: ليمون.. عصير ليمون.
ارتبك الشاب.. تلعثم كمن ابتلع جمرة.. نظر في جيبه الفارغ، ثم نظر إلى الأرض كأنها ستفتح وتبلعه.. يا الله.. أعرف هذا الارتكاب.. أعرف هذا العار الذي يكسو وجه الرجل حين لا يملك ثمن كأس لحبيبته.. هذا هو الموت الصغير الذي عشته ألف مرة.
من فوري قمت.. اتجهت إليه وكأنني أعرفه منذ ألف عام. صحت به وأنا أضحك ضحكة مفتعلة:
:أهلا يا رجال.. كيف الحال ..ثم اقتربت منه وقلت له بصوت لا يمكن لحبيبته ان تسمعه وأنا أغمزه بعيني.. حسابك واصل ..ودخلت الكافتيريا ودفعت ثمن كأسين من الليمون عنه، وعن قلبه الذي كان سيتوقف من الخجل.
خرجت وأنا أحمل الكأسين.. نظر إلي باستغراب ودهشة، كأني نزلت عليه من السماء. غمزت له مرة أخرى وقلت هامسا:
:خذ عصير الليمون.. همست له ..هكذا يتعاون المحبون. اليوم لك، وغدا عليك.
جلسا يشربان.. كانت عيناه تشكرني في كل رشفة.. وحالما انتهيا.. وودعها، جاء إلي يمشي على استحياء.. قال لي وصوته يرتجف من الامتنان
:أنت رجل عظيم حقا.. جئت في لحظة صعبة علي.. لكن كيف عرفت بحاجتي تلك؟
ابتسمت له ابتسامة متعبة وقلت:
عرفت من عينيك أنها حبيبتك.. ومن رعشة يدك أنك لا تملك غير قلبك.. وأنا كنت أنت قبل ثلاثين سنة.
ما هي إلا دقائق وعادت حبيبته... لم تجد باصا يقلها الى حيث جاءت ..كانت مرتبكة.. طلبت منه أن يوفر لها وسيلة مواصلات فلم تجد وسيلة في هذا الحر.. همس لي وهو يكاد يبكي من القهر
: ما معي حق التكتك..
نظرت إليه، إلى القهر المتراكم في عينيه إلى الرجولة التي تذبح على عتبة الفقر، فتذكرت نفسي وأنا صغير أقول لمقبولة "أحبك" وأنا لا أملك ثمن حبة النعنع.
قلت له: اطلعوا.
أوصلتهما وهو صامت من الخجل والامتنان وهي تبتسم له كأنها تقول
: لا بأس..معك أنا ملكة.. لم يكن معه مال ليدفعه لي.. كان معه حب فقط.. حب خالص كالماء.
وحين نزلوا، سألت نفسي والدمع يحرق جفني:
: في هذه البلاد.. لماذا يحرمون الحب على الفقراء؟ لماذا يجب أن يكون الحب ببطاقة صراف؟ لماذا يجب أن تدفع ثمن الضحكة وثمن النظرة ..هل الفقير خلق ليعمل ويموت فقط، ولا يحق له أن يحب؟
عدت إلى بيتي المائل، والتكتك يسعل من خلفي كأنه يحتضر.. الحياة تزداد صعوبة كل يوم.. التكتك يطلب قطع غيار كأنها أعضاء بشرية، والبيت يطلب إيجارا كأنه فدية، والمدرسة تطلب رسوما كأنها جزية، والمرض يطرق الباب كضيف ثقيل لا يستأذن..فتشكو زوجتي ويشكو ابني ويهدد صاحب البيت بطردي إن تأخرت عن دفع الإيجار يوما واحدا، كأننا لسنا بشرا.
: إن كان الفقر قدرنا، فلماذا خلقت لنا قلوبا تحب؟
للبقية تتمة..
