الثلاثاء 30 يونيو 2026

العابرون بين وطنين

أنا ابن نافذتين

واحدة تطل على البحر

وأخرى

على دبابة

تتثاءب عند الفجر

وكلما لوحت لطفولتي

سقط علم

من يدي

كأن البلاد

أضيق

من أصابع الأطفال

وكأن الجنود

يحرسون الحدود

من أغنية

لا من جيش

أمي تقول

الوطن ليس صورة في الكتاب

لكنه الخوف

حين يتأخر أبي

عند الحاجز

وأنا

كلما كبرت عامًا

صار عليَّ

أن أختار

بين نافذة

ونافذة

وأمي تقول

لا تثق كثيرًا

بالإعلام

فالريح

تغير أسماءها

كل حرب

لكن الخبز

يعرف أصحابه

والقهوة لا تخون

وكان أبي

يعود من الحاجز

ناقص الصوت

كأن الجنود

صادروا

شيئًا من حنجرته

وكان يعلق معطفه

قرب الباب

فتسقط منه

رائحة الطرقات

والأسئلة

وأنا

أراقب وجهه

كمن يقرأ

بيانًا عسكريًا

مكتوبًا بالحزن

في الليل

كانت أمي

تخبئ أسماء القرى

تحت الوسادة

خوفًا

من أن يسرقها النسيان

وكانت تقول لي

البلاد يا ولدي

ليست حقيبة

لكنهم

كلما ضاقت بهم الأرض

وضعونا في حقيبة

وكبرنا سريعًا

أسرع من مواسم القمح

حتى صار الحزن

جزءًا من ملامحنا

وصارت صور الشهداء

ألبوم العائلة

في المدرسة

كانوا يعلموننا

كيف نرسم وطنًا

وكان المعلم

يعلق خريطة

فوق السبورة

فنحدق فيها

كأنها

جثة مؤجلة

وأنا

كلما رسمت البحر

ظهرت دبابة

في الزاوية

وكلما رسمت دبابة

فتح البحر

نافذة للهروب

لهذا

صرت أمشي

بنصف قلب

نصف يركض خلف المرافئ

ونصف

يبقى تحت الأنقاض

أيها العابرون

بين وطنين

تمهلوا قليلًا

فالطرق الطويلة

لا تؤدي دائمًا

إلى النجاة

وبعض البلاد تسكننا

أكثر

مما نسكنها

ونحن الذين نحمل مفاتيح البيوت

منذ أربعين منفى

لا نبحث عن باب

بقدر ما نبحث

عن معنى

ألا نموت

غرباء

أيها العابرون بين وطنين

خذوا معكم أسماءكم

واتركوا لنا الليل

فنحن لا نريد من الأرض

سوى أن تمشي معنا

بلا حواجز

نحن أبناء هذا الالتباس العظيم

لنا نصف أم

ونصف أغنية

ونصف قبر

لكننا كاملون

كلما ضاقت البلاد

أيها العابرين بين وطنين

تمهلوا قليلًا

فالريح أبطأ من قلوبكم

وأنتم تركضون

من خيمة

إلى خريطة

ومن أم

إلى نشيد وطني

لا يعرف أسماءكم

تمهلوا

فالأرض ليست حقيبة

والسماء لا تمنح اللجوء

لأحد

نحن الذين نسينا

مفاتيح البيوت

في أبوابها

كي تتذكرنا الجدران

إذا عدنا

نحن الذين كبروا سريعًا

تحت أعين الجنود

حتى صار الحزن

بطاقة هويتنا الوحيدة

لكننا

رغم كل هذا الخراب الكامل

مازلنا

نخبئ قمحًا صغيرًا

في جيب القصيدة

على الحاجز

كان الوقت

أبطأ من دمنا

الجنود

يشربون قهوتهم

بطمأنينة آلهة صغيرة

ونحن نقف في الطابور

كآيات ناقصة

في كتاب مقدس

رجل أمامي

يحمل كيس خبز

وامرأة

تخبئ رضيعًا

تحت خوفها

وعامل

يحدق في ساعته

كأن الراتب

آخر ما تبقى

من الوطن

أما الجندي

فكان يفتش أسماءنا

كأنه يبحث

عن خطأ نحوي

في الجغرافيا

سألني

من أين أنت؟

قلت بين نافذتين

فلم يفهم

لأن الجنود

يتقنون العد

لكنهم

لا يفهمون المجاز

أخذ بطاقتي

قلب وجهي

بين أصابعه

كأنه يشك

بأن الحنين

مادة ممنوعة

خلف الحاجز

كانت البلاد

تبدو قريبة جدًا

كحلم

ينام

خلف زجاج

لكن الأسلاك الشائكة

كانت تعرف

كيف تحول المسافة

إلى قدر

رأيت طفلًا

يلوح لعصفور

فصرخ جندي

ممنوع العبور

حتى الطيور

صارت تحتاج

إلى تصريح

وفي الزاوية

كانت أمي

تجمع صبرها

حبة حبة

مثل امرأة

ترتب خراب البيت

بعد الغارة

قالت لي

لا تكره أحدًا يا ولدي

فالذين يزرعون الكراهية

يموتون بلا ظلال

لكن

لا تنسَ شيئًا

لأن الذاكرة

آخر ما يدافع

عنا

وفي الليل

كنت أسمع البحر

من بعيد

كأنه ينادينا

تعالوا هنا

لا حدود للماء

لكن أبي

كأن يخاف البحر

لأن الذين لا يجدون أرضًا

يبالغون

في الحلم بالموج

وكان يقول

المنفى

ليس أن تبتعد

عن البلاد

المنفى

أن تخاف من العودة

أيها العابرون بين وطنين

ماذا فعلت بكم

هذه الخرائط؟

كيف صار القلب

أصغر

من رصاصة؟

وكيف صرنا نحتاج

إلى وثيقة

لنثبت

أن أمهاتنا

أنجبننا فعلًا

على هذه الأرض؟

كانت أمي

كلما سمعت صفارة إسعاف

تضع يدها

على قلبها

كأن البلاد

تسقط مرة أخرى

وكانت تعرف

أسماء الشهداء

أكثر

مما تعرف أسماء الزهور

لأن الحروب الطويلة

تسرق من النساء

حتى حق التأمل

في الصباح

كانت تفتح النافذة المطلة على البحر

ثم تقول

البحر كريم

لكنه لا يعيد أحدًا

وأفهم متأخرًا

أن الأمهات

لا يثقن بالماء

لأنه أخذ أبناء كثيرين

ولم يرجع

سوى الملح

جارتنا

كانت تخيط العلم

كل مساء

كأنها

ترقع قلب البلاد

وابنها

نام منذ عشر سنوات

في صورة

ولم يستيقظ

وكانت كلما مرت جنازة

تعدل منديلها الأسود

كأن الحزن

بروتوكول رسمي

في هذه البلاد

النساء هنا

لا يبكين بسرعة

لأن الدموع

يجب أن تكفي

لعمر كامل

وكانت أمي

تخبئ الطحين

والشموع

وأوراق العائلة

كأن الحرب

موعد يومي

بينما كنت

أخبئ قصائدي

خوفًا من الجنود

فالقصائد أيضًا

صارت متهمة

في الليل

كانت أمي

تناديني بصوت منخفض

كأن الجدران

تتجسس علينا

وتقول

لا تكتب كثيرًا

عن الوطن

فالبلاد المتعبة

تغار

من الشعراء

لكنني

كنت أرى الكلمات

تمشي في دمي

كلاجئين صغار

يبحثون

عن صفحة آمنة

وكنت أعرف

أنني إن لم أكتب

سأختنق

من ازدحام البلاد

في داخلي

أيها العابرون بين وطنين

لا تسخروا

من الأمهات

فهن آخر من بقي

ليحرس المعنى

حين ينام الجميع

تحت تعب الحروب

الأمهات

لا يحملن البنادق

لكنهن

يحملن البلاد

كلها

في دعاء الفجر

كأن لنا

أكثر من اسم

وأقل

من وطن

ففي المطارات

تصبح الأسماء

ثقيلة

كأنها حقائب إضافية

ويصير الوجه

مشروع شبهة

كلما اقترب

من نافذة الجوازات

الموظف

خلف الزجاج السميك

لا ينظر في عيوننا

بل في الدول

المختبئة

داخل الحبر

وكان يسألني

ما سبب السفر؟

فأكذب قليلًا

لأن الحقيقة

لا تكتب

في الاستمارات

كيف أقول له

كي أبحث

عن نسخة أقل حزنًا

من نفسي؟

كيف أقول

إن البلاد

تضيق أحيانًا

بأبنائها

كأنها قلب متعب؟

في صالة الانتظار

رأيت رجلًا

ينام فوق حقيبته

كأنه يحرس وطنه الأخير

وامرأة

تعلم طفلها

اسم المدينة الجديدة

كما تعلم الصلاة

وشيخًا

يحدق في جواز سفره

كأنه يقرأ

تعبه الشخصي

المطارات

يا صديقي

ليست أماكن للسفر

بل ممرات

بين خوفين

هناك

يتساوى الجميع

الوزير

والمنفي

أمام سؤال واحد

من أنت؟

لكن بعض الأجوبة

تحتاج عمرًا كاملًا

بينما الموظف

لا يملك

سوى دقيقة

ختم جوازي

ثم أعاد إليَّ اسمي

ناقصًا

كأن الحدود

تأخذ حصتها

من أرواحنا

وفي الطائرة

كنت أجلس

قرب النافذة

أراقب المدن

وهي تصغر

تحت الغيم

وفهمت فجأة

أن الأوطان

تشبه الطفولة

كلما ابتعدنا عنها

بدت أجمل

لكن العودة إليها

مستحيلة

كما العودة

إلى الأمس

أيها العابرون بين وطنين

كم مرة

فقدتم أسماءكم

عند الحدود؟

وكم مرة

وقفتم

في الطوابير الطويلة

فقط لتثبتوا

أنكم بشر؟

نحن أبناء هذا العصر

نحمل أوطاننا

في الجيوب

وننام

تحت أعلام

لا تعرفنا

لكننا

رغم كل شيء

مازلنا

نكتب أسماءنا

بخط واضح

على الهواء

نحن الذين

نصل متأخرين دائمًا

إلى الحروب

وإلى الحب

وإلى البلاد

لأن الطريق

بين وطنين

أطول من العمر

نحن الذين نحمل مفاتيح البيوت

دون أن نتأكد

أن البيوت

مازالت هناك

العامل

الذي يغسل صحون المطاعم

في مدن باردة

كان ذات يوم

يزرع القمح

والمرأة

التي تبيع الورد

قرب الإشارة

كانت تحفظ

أسماء القرى

عن ظهر خوف

والطالب

الذي يتلعثم

في لغة جديدة

كان في بلاده

شاعرًا صغيرًا

لكن المنافي

لا تحب القصائد

كثيرًا

نحن العابرين

بين وطنين

لا ننتمي كاملين

إلى أحد

لنا نصف ذاكرة

ونصف لهجة

ونصف نجاة

لكن جرحنا

كامل دائمًا

في الليل

نجلس

حول هواتفنا

كقبائل حديثة

نستمع إلى الأخبار

كما كان الأجداد

يستمعون

إلى العرافين

مدينة تسقط

طفل يختفي

أم تنتظر

والبحر

يبتلع أسماء جديدة

كل مساء

ومع ذلك

نستيقظ صباحًا

نذهب إلى أعمالنا

نشتري الخبز

ونضحك أحيانًا

كأن الحياة

تعتذر لنا

قليلًا

في المنفى

تبنى المدن

من حقائب

كل غرفة

تحمل رائحة بلد

وكل نافذة

تطل

على حنين

هنا

رجل يعلق صورة قريته

فوق الثلاجة

كأنه يخاف

أن تنسى الجدران

اسمه

وهناك امرأة

تزرع النعناع

على الشرفة

لتقنع قلبها

أن البلاد

ليست بعيدة

جدًا

الأطفال

يكبرون بلغتين

لغة للحياة

وأخرى

للبكاء

وفي المساء

تخرج المطاعم العربية

من تعبها

وتمتلئ بالرجال

الذين يناقشون الخرائط

كأنهم

سيعيدون ترتيب العالم

قبل منتصف الليل

لكنهم

يعودون دائمًا

إلى بيوت صغيرة

فيها

وطن كامل

يبكي بصمت

أيها الجندي

ماذا ستفعل

بكل هذا الخوف

حين تنتصر؟

لمن ستترك

الشوارع الفارغة؟

وماذا ستقول لأطفالك

حين يسألونك

لماذا كان البيت

يهرب منكم

كلما دخلتموه؟

أيها الجندي

أنا لا أكرهك

لكنني

أخاف من البرودة

التي تسكن أصابعك

وأنت تضغط على الزناد

كأنك

تطفئ سيجارة

لا قلبًا

صدقني

لن تنتصر دائمًا

فالبلاد

التي تبنى بالخوف

تبقى خائفة

إلى الأبد

أحببت امرأة

كانت تحمل وطنًا آخر

في صوتها

وحين كنا

نمشي تحت المطر

كانت المدن

تبدو أقل قسوة

سألتني يومًا

أين وطنك؟

فأشرت

إلى صدري

ثم صمتّ طويلًا

لأن العابرين

بين وطنين

لا يملكون جوابًا

بسيطًا

للحب

حين ضاقت

بنا البلاد

فتحنا القصائد

كمن يفتح نافذة

في حريق

اللغة

كانت آخر ما تبقى لنا

لا دبابة

تستطيع احتلال قصيدة

ولا جندي

يوقف استعارة

عند الحاجز

لهذا كتبنا كثيرًا

خوفًا

من أن نموت

صامتين

بعض الموتى

لا يجدون قبورًا

فقط

أسماء عالقة

في نشرات الأخبار

البحر يعرفهم

واحدًا

واحدًا

ويحتفظ بصورهم

في أعماقه

أما الأمهات

فبقين

على الشرفات

يراقبن الغياب

كأنه طريق

قد يعيد أبناءهن

يومًا

نحن لا ننتصر دائمًا

لكننا لا نختفي

كلما سقط بيت

نهضت أغنية

وكلما مات شاعر

ترك نافذة

مفتوحة

في اللغة

لهذا بقينا

رغم الخرائط

والحروب

والمنفى

بقينا

لأن الذاكرة

أقوى

من النسيان الرسمي

وفي آخر الطريق

فهمنا

أن الوطن

ليس مكانًا فقط

بل القدرة

على ألا تفقد روحك

وسط هذا الخراب

فهمنا

أن البلاد

قد تسقط

لكن الإنسان

يستطيع أن يحملها

في قصيدة

أيها العابرون

بين وطنين

لا تبحثوا كثيرًا

عن حدود نهائية

فالأرض تتغير

والخرائط تشيخ

أما الكلمات

إذا خرجت

من قلب حقيقي

فتبقى

أطول من الأوطان