الأحد 28 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ القَضَاءِ..!

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ القَضَاءِ..!

«وإذا حكمتم بين الناس، أن تحكموا بالعدل» (من الآية ٥٨ سورة النساء)
القضاء، وما أدراكم ما القضاء وما يعنيه.. إنه مهنة من أخطر وأهم المهن، في كل زمان ومكان! فالقاضي العادل قوام كل مائل، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ومأوى كل ملهوف.. والقاضي أيًا كانت قوته وأمانته أو العكس، يظل بين أمرين أحلاهما مُر: إما إحقاق الحق أو العكس!

ولذا، لا غرابة أن يظل بين راضٍ عنه وساخط منه! مهما كان عادلًا، متحرِّيًا للصواب، عالِمًا بالشريعة بوجهٍ عام، وبكل ماله صِلة بالقضاء بِوجهٍ خاص..

ولا غرابة أن يقول «ابن الوردي» قبل عدة قرون، في لاميته المعروفة:

«إن بعض الناس أعداءٌ لمن

وَلِيَ الأحكام، هذا إن عَدَل!»

​أجل، هذا إن عدل..!

​لذلك، يَجْدُرُ بالقاضي الذي يخاف الله، ويحترم مهنته، ويثق بكل خطواته العملية بالله ثم بنفسه، فبجانب علمه وفهمه للجوانب القضائية، وورعه وزُهده، يجدر به أيضًا أن يكون صَبُورًا، واثقًا من كل حكم يصدره، مهما كانت تَبِعَاتُ ذلك! وما ذلك إلا لأن إصدار أي حكم من الأحكام بأيّة قضيّة، قد يكون ذلك الحكم سببًا بعد الله في إحياء نفس بشرية أو العكس! وقد يبني أُسرة أو أُسرًا أو يكون سببًا في هدمها وتشريدها! وقد يجعل الغنيَّ فقيرًا أو العكس! أو زيادة الغني غِنى بقدر زيادة الفقير فقرًا! وكل ذلك وغيره مما لا يجهله القارئ لهذه الأحرف، وما هو معروف في بعض الأحكام التي قد يصدرها أي قاضٍ، قد تحدث بجرة قلم!

وحينما ساد القضاء الدولة الإسلامية الأُولى تحقق بناء حضارة وإمبراطورية إسلامية معروفة، وساد العدل في ربوع الدولة الإسلامية. وما ينقله لنا التاريخ عن قضاء الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم إلى ما قبل (الانحطاط)، معروف ومشهود لدى معظم العامة!

وظلت ولاتزال الأوطان والشعوب التي تحترم وتُقدّر مهنة ومكان ومكانة القضاء والقاضي، وتعتبرهما الملجأ الوحيد من تجاوزات البعض ولمخالفتهم لقوانينهم ودساتيرهم التي يتحاكم إليه العامة، حتى ولو كان المُتجاوزون في أعلى السلطة التنفيذية! فهذه الأوطان التي هي كذلك، لا غرابة أن ينتشر بها العدل والمساواة والأمن والأمان والاستقرار.. بل إن القضاء العادل وعدم التدخل الرسمي في شؤونه، كون القضاء العادل (سلطانه لا سلطان عليه!)، والذي يصبح هو الفيصل والحَكَم، يكون سببًا رئيسيًا من عوامل التقدم والتطور والرخاء.. والعكس صحيح أيضًا.

إن «ترامب» الضاحك المُضحك، والذي يعزّ على أمثالي أن يكون بما يمتاز به من تناقضات وبهلوانية، رئيسًا لأكبر وأهم دولة في العالم! فرغم جُرأته وشطحاته مُستغلًا الأغلبية لحزبه في "الكونغرس"، إلا أنه يستحيل عليه تجاوز المحاكم القضائية، بل يظل يخشى صدور أي حكم ضده! وهو ما ينطبق على مختلف الدول الغربية (الأُوروبية) اليوم.

​ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فحينما انتهت الحرب العالمية الثانية، وكانت "بريطانيا" العظمى حينها! من أهم الدول المنتصرة ضد "النازية"، رفع مجلس العموم البريطاني تقريرًا شاملًا عن أوضاع "المملكة المتحدة" بعد الحرب، تضمن حجم الخراب والدمار في البنية التحتية، بجانب خسارتها لأُسطولها البحري أو لمعظمه، والذي ظلت بريطانيا تتباهى به! بل كان من بعض أهم أسباب قيامها في القرون الثلاثة الماضية باستعمار نصف الكرة الأرضية إلخ.. كما تضمن التقرير، حجم الخسائر الاقتصادية والخدمية وارتفاع البطالة وانتشار الفقر وغير ذلك من الأُمور المُحزنة التي آل إليه الوضع بعد الحرب.. هذا التقرير رفعه مجلس العموم البريطاني إلى رئيس الوزراء يومها "ونستون تشرشل".. وكان اليأس مخيمًا على اللجنة المكلفة بتقديم ذلك التقرير، طالبة في نفس التقرير، الموافقة على خطة عاجلة، أرفقتها بالتقرير لإعادة بناء أهم الجوانب الخدمية والضرورية! بخاصة وأن ممثلي المجتمع البريطاني بمجلس العموم، أفاقوا بعد الحرب على حدوث خراب ودمار غير مسبوق، ودون أن يعرفوا كيف ومتى وبِمن يتم البدء بإعادة البناء؟

​الشاهد من سرد هذه القصة هو أن رئيس الوزراء "ونستون تشرشل"، بعد أن قرأ التقرير كاملًا، لم يُلاحظ فيه ذكر ما حدث في "القضاء البريطاني" أُسوة بغيره، فسأل اللجنة المكلفة بإعداد ورفع التقرير إليه عن عدم ذكر المحاكم والقضاء بوجه عام! مضيفًا في سؤاله عما آل إليه القضاء والقضاة وما له صلة بهما بعد الحرب؟!

وكان رد اللجنة (لتشرشل) أن القضاء بكل ما ومن فيه هو الوحيد الذي سَلِم من الحرب، فقد ظل ولايزال القُضاة على مبادئهم رغم المُغريات "النازية"، ولو بصورة غير مباشرة! كما أن القضاء وَمَحَاكِمِه لايزال على أُسسه وقواعده!

حينها كان رد "تشرشل"، رغم كل ما تضمن التقرير: "لا خوف على بريطانيا، فكل شيء سَيُعاد بناؤه أفضل مما كان عليه، طالما والقضاء بكل ما يُمَثِل، لايزال واقفًا على قدميه"! وهو ما حدث عمليًا.. هكذا قرأت ذلك في عدة كتب تاريخية ذات علاقة!

​وهذا لا يعني إغفال القضاء في الشريعة الإسلامية، كما قد أشرتُ لذلك آنفًا، فذلك معروف للخاص والعام، وإنما أردتُ التذكير ببعض عوامل التطور والبناء في معظم الدول الغربية اليوم، والتي ترجع إلى أسباب، أهمها وجود قضاء عادل ومستقل!

​والسؤال هنا، وهو من الدوافع لكتابة هذه (الدردشة)، كيف يا ترى هو القضاء اليمني اليوم، بخاصة في ظل الأوضاع الحالية، سواء في المحافظات والمدن المحررة أو في بقية المدن والمحافظات التي لاتزال تحت الاحتلال الحوثي؟

لقد بات القاضي هنا وهناك، وهو يمارس مهنته، يتعايش مع ظروف صعبة ومؤلمة من كل الجوانب في كل الأحوال، مع الفارق! ​ففي المحافظات والمدن المحتلة، بات القضاء والقضاة يقومون بتنفيذ رغبات عُليا تأتي للقاضي عبر التليفون ليحكم ما يريده (سيدهم) لا ما يريده الشرع! ليتحول القضاء مجرد أداة من أدوات الضغط والإكراه ضد خصوم (السيد) و(شلته)! ​بجانب كونه بات عاملًا من عوامل الابتزاز وهدم الأُسر وتقويل الخصم المسجون عبر التهديد بقول ما لا يعرفه وإظهار ذلك عبر (الشاشة)، وبصورة مقززة! فلقد تساقطت همم قضاة (الحوثة)، وانحرفت معظم أحكام الشريعة والقانون، وتبديل معظم أو بعض أهم أحكامها وقوانينها واستبدالها بخطابات (السيد) المبتذلة وبملازم شقيقه المقبور! فبات وضع القضاء والقضاة، لم يَعُد فيه إلا هوى يتحكم ورغبات عليا هي التي تفرض على القاضي شبه النزيه، وقليل ما هم، ما تراه هي بما يخص إصدار الأحكام لا ما قد يراه هو... إلخ.. وما أقوله هنا إنما هو مجرد جزء من كل وغيض من فيض مما آل إليه القضاء والقُضاة بالمناطق والمدن والمحافظات المحتلة، وهو ما بات معروف للخاص والعام.

​بينما القضاء في المحافظات والمدن المحررة قد نجد فيه ولو الحد الأدنى من العدل، وبعيدًا عن الإملاءات والرغبات -بخاصة من السلطة العليا التنفيذية- وإن لم يخلُ من ذلك! فالقضاء شبه مقبول، بخاصة في ظل الظروف والأوضاع الراهنة.. كما أن معظم المحامين يؤدون مهامهم في الترافع دون إكراه أو تهديد أو مخاوف إلا نادرًا! لكنه -أعني القضاء في المدن والمحافظات المحررة- لا يخلو من السلبيات والتجاوزات وغيرها، بجانب رغبات وتطلعات مادية وغير مادية لبعض القضاة ممن يحرصون على تحقيقها من خلال أدائهم لمهامهم الوظيفية القضائية، وقليلٌ ما هم؟! وقد أستثني الرجل الأول في استئناف القضاء بمحافظة تعز، وكذلك المعني الأول برئاسة استئناف نيابة المحافظة أيضًا، بحكم معرفتي بهما عن قرب، وسمعتهما لدى معظم الناس.. ولا أزكي أحدًا على الله..

​مكررًا أن تعز (المدينة) بالذات تعاني من تجاوزات بعض القضاة وعدم اهتمامهم بمهامهم القضائية كما يجب. وأقل ما يمكن الاستشهاد به، هو حجم وكثرة المراجعين والمرتادين على مختلف المحاكم! مع ما يمثل ذلك من زحمة وتداخل في بعض الجوانب وغير ذلك من التجاوزات، إضافة إلى صدور بعض أحكام تدع الحليم حيرانًا..

وربما حسب فهمي أن من بعض أهم مشاكل القضاء والقضاة -بخاصة في تعز (المدينة)، إضافة إلى بقية المحافظات والمدن المحررة- هو (التطويل) في حسم المشاكل والتي بعضها تظل تراوح مكانها لأشهر بل ولسنوات، ودونما مبالغة في هذا الشأن! وكان الأجدر بالمعنيين بذلك، وضع حد لذلك، أو على الأقل التوضيح للعامة عن أهم سبب أو أسباب (التطويل)..

​هل يعلم القضاة في المدن والمحافظات المحررة أن التقاضي والترافع وكل ما له صِلة بهما، أصبح يتم في الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية عبر "الجوال"؟! مع الأخذ في الاعتبار جوانب الإمكانات المتاحة هناك، و«ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».

إن الدافع لتسطير هذه (الأحرف) عن القضاء، قبل الأسباب والدوافع الآنفة الذكر، هو قضية "قرية الميهال" بعزلة بني بكاري -مديرية جبل حبشي- يوم 8 فبراير الماضي، حينما قام أحد الجناة برمي قنبلة على مقيل الشهيد ياسين حسن المنصوب، مما أدى إلى وفاته ووفاة الشهيد توفيق أحمد علي هائل، بجانب عشرات الجرحى، بعضهم جروحهم خطيرة، ولايزالون يتلقون العلاج في بعض مستشفيات تعز، وربما بعضهم من حجم الجروح قد يصاب بإعاقات دائمة..

هذه القضية التي تُعتبر أول ظاهرة من نوعها في العزلة، والتي حدثت قبل قرابة خمسة أشهر، لايزال الحسم فيها يُراوح مكانه، رغم أن المتهم الأول، والذي استطاع بعض أبناء العزلة إلقاء القبض عليه يومها، تم تسليمه للقضاء في تعز، بجانب بعض المعنيين ممن كان لهم دور مباشر وغير مباشر في القضية، الذين هم موجودون أيضًا لدى المعنيين بالقضاء والنيابات في تعز (المدينة)، حسب علمي، مع أن مثل هذه القضية الجَلية، والتي بدت واضحة لدى الخاصة والعامة، كان لا بد من الحسم بها وبصورة عاجلة! ورغم عدم معرفة أمثالي لأهم أسباب تمييع هذه القضية، فإن المعنيين بها من قضاة ومحامين وغيرهم كان ولايزال الأجدر بهم توضيح كامل لذكر تلك الأسباب، وعدم التزام الصمت غير المُبرر!

والغريب أننا في الاجتماع الذي تم يوم 12 فبراير الماضي، بخصوص هذه القضية نفسها، والذي حضره وكيل أول محافظة تعز الدكتور عبدالقوي المخلافي، وعدد من القضاة والمشايخ والوجاهات وغيرهم، طرحتُ على ما أذكر اقتراحًا بأهمية وجود مركز شرطة رسمي بالعزلة، لكن بعض مشايخها كانوا ضد الاقتراح، دون معرفة السبب لذلك الرفض! وأيًا كان السبب أو الأسباب وراء تأخير حسم القضية، فإن ما يود أمثالي الرغبة فيه هو معرفة ذلك من المعنيين بها، بخاصة من النيابة الجزائية في تعز، باعتبارها المعينة الأُولى بالقضية.

فإلى المعني الأول باستئناف القضاء بمحافظة تعز، وكذلك المعني الأول باستئناف نيابة المحافظة أيضًا، أذكرهما مع التقدير بهذه القضية، ولي وطيد الأمل بالله ثم بهما في سرعة حسمها، وبحسب ما يظهر لهما من الوثائق والشواهد ذات العلاقة..!

إلى العزيز الأخ أمين حسن المنصوب، ومن خلاله إلى أُسر الشهيدين والجرحى؛ أرفع لهم هذه الأحرف سلاح أمثالي الوحيد، وأحثهم جميعًا على الصبر مع المتابعة الجادة للقضية، دون الاعتماد على زيد أو عمرو... الخ.

أخيرًا، كنتُ كتبتُ مقالة بحلقتين يومي (21 و22 يونيو الجاري) في موقع صحيفة "النداء"، عن بعض أهم محاسن عزلة بني بكاري.. ولأن الكمال لله وحده، فقد فاتنا ذكر بعض أهم قضايا ومشاكل العزلة، متمثلة بالانفلات الأمني، وبعض الآفات التي باتت العزلة تتعايش معها خلال السنوات القليلة الماضية! ودون العودة عن ذكري لتلك المحاسن التي تمتاز بها العزلة المذكورة بالمقالة تلك، والتي ستظل كذلك دومًا بعون الله.. والله غالب على أمره.

عدن، في 28/6/2026م