المجدد الأول للأغنية اليمنية..!
تفاجأت بالصدفة بإقدام الصحفي مصطفى راجح أثناء نشره أغنية للفنان الكبير علي بن علي الآنسي، على صفحته، يقول مؤكدًا: "إن الآنسي هو أول المجددين للأغنية اليمنية".

طرحٌ جميل يكشف ظاهره عن شغف كبير بالهوية الفنية لليمن، لكنه للأسف طرحٌ غير دقيق ويفتقر إلى الحفر المعرفي والتوثيق التاريخي، وبحاجة ماسة إلى تصويب جذري يضع الأمور في نصابها العلمي والمنهجي.
لهذا أطارح الصحفي مصطفى راجح في ضوء ما قاله بجانب أغنية الآنسي بما يلي:
أولًا: الآنسي عملاق اللون الصنعاني (الحميني):
لا يمكن لأحد أن ينكر عبقرية الفنان العملاق علي بن علي الآنسي؛ فهو بلا شك عماد من أعمدة الغناء اليمني، لكن ريادته التجديدية تظل محصورة، جغرافيًا وفنيًا، على رأس قائمة مجددي الأغنية الصنعانية (اللون الحميني).
لقد أخذ الآنسي الموشح والتوشيح الصنعاني، وضخ فيهما دماءً تعبيرية جديدة، وطوّع الإيقاع المتباعد ليصبح قريبًا من الوجدان المعاصر، لكنه ظل يدور في فلك هذه المدرسة الفنية العريقة ولم يخرج من عباءتها ليقود تجديدًا وطنيًا شاملًا لجميع الألوان.
ثانيًا: المرشدي هو الأب الشرعي لتجديد الأغنية اليمنية الشاملة:
بناءً على دراسات وأبحاث توثيقية مستفيضة، ومقالات وحوارات نُشرت لكثيرين، من ضمنهم كاتب هذه المقالة في صحيفة "الثقافية"، قبل عقدين من الزمن، واستنادًا إلى قراءة واعية لمسار الأغنية اليمنية، فإن الفنان الذي يتربع منفصلًا على رأس قائمة مجددي الأغنية اليمنية بمفهومها الشامل والجامع، هو الفنان الكبير والباحث والمؤرخ محمد مرشد ناجي (المرشدي).

المرشدي لم يكن مجرد مؤدٍّ عابر، بل كان "مؤسسة وطنية" للغناء اليمني.
وتتجلى ريادة المرشدي في نقطتين حاسمتين:
1. شمولية الألوان:
يعتبر المرشدي أول من تجاوز الحدود الجغرافية للمدارس الغنائية، فغنى واحتوى واستوعب كل الألوان اليمنية بلا استثناء (الصنعاني، الحضرمي، اللحجي، العدني، التهامي، اليافعي، والبدوي).
2. الإضافة والابتكار:
لم يكتفِ المرشدي بترديد الموروث، بل أنجز أعمالًا غنائية جديدة تضاف إلى جميع تلك الألوان الغنائية في اليمن سواء من ناحية القصائد الشعرية المغناة كقصائد أحمد الجابري التي كُتبت بلهجة صنعانية أو بدوية أو حضرمية، وقصائد كل من الشعراء أبو بكر حسين المحضار، وحسين البار، وعبد الله غدوة وغيرهم، أو من ناحية الألحان الجديدة التي صاغها بالدان الحضرمي، والدان اللحجي، والبلبلة الصنعانية، واضعًا بصمته التي غيّرت وجه كل مدرسة فنية اقترب منها.
ثالثًا: ثنائية التجديد بين المرشدي وأيوب:
إذا أردنا الإنصاف الفني وقراءة خارطة الحداثة الموسيقية، فلا نجد في هذا الفضاء الشامل والجامع إلا ثنائية التجديد التي يمثلها المرشدي وفنان الأرض والإنسان أيوب طارش.

ومع ذلك، تظل هذه الثنائية محكومة بـ"فارق السبق والريادة" لصالح المرشدي.
لقد حقق المرشدي قبل غيره من مجايليه السبق الزمني والجرأة في كسر القوالب التقليدية للألوان الغنائية المتعددة باكرًا، مانحًا التجديد بعدًا وطنيًا عابرًا للمناطق.
وحقق الريادة بالاشتراك مع الشاعر الكبير أحمد غالب الجابري (رحمة الله تغشاهما)، ولهما الفضل في تأسيس وهندسة "الأغنية التعزية" الحديثة، وضخ الروح التحديثية فيها لتصبح لونًا تجديديًا قائمًا بذاته ينافس الألوان التاريخية الأخرى.

من كل ما أشرت إليه أعلاه، أدعو الأخ مصطفى راجح إلى تصحيح ما طرحه علانية، والتعامل بجدية ومسؤولية تاريخية، وعدم التغاضي أو التجاهل مع الذي أوردته في هذا المقال، لأن خطورة تمرير مثل هذه الأحكام الانطباعية تؤدي إلى:
-تزييف الوعي الثقافي لدى المتلقي، بخاصة وعي الأجيال الجديدة التي ستبني معارفها على ما يُنشر، وتمنح الريادة الشاملة لغير أهلها، وتؤسس لـ"معارف مزيفة" تشوه التاريخ الفني، والوعي الثقافي.
-تعقيد المشهد الثقافي بإنتاج تناقضات ثقافية خطيرة تضاعف من تعقيدات واقعنا اليمني -المأزوم أساسًا- تعقيدًا يطال حتى بنيته الفكرية والجمالية.
كلمة أخيرة
إن تسجيل الحضور في المشهد الإبداعي، يا مصطفى راجح، لا يتحقق باختطاف الألقاب، أو التسرع في إطلاق الأحكام القطعية قبل التأكد بالبحث، والتقصي، والمراجعة، والعودة إلى أهل الاختصاص.
وإن وهج الحضور السريع المبني على غير هدى سرعان ما ينطفئ ويتلاشى أمام صخرة الحقائق التاريخية الدامغة.
والتاريخ الفني لا يرحم المتسرعين.
