عدن بين مشروع الدولة ومشاريع الوصاية
لم تعد الأزمة التي تعيشها عدن والجنوب مجرد أزمة خدمات أو إدارة، بل أصبحت أزمة مشروع سياسي كامل. فبعد سنوات من الوعود والشعارات، بات من حق الناس أن يتساءلوا: ماذا تحقق؟ وهل كان الهدف بناء دولة، أم صناعة كيان يرتبط بمراكز نفوذ خارجية أكثر من ارتباطه بإرادة المواطنين؟
لقد كان الخلاف منذ البداية حول مفهوم الدولة. فهناك من يرى الدولة سلطة يحتكرها طرف واحد، ويقصي بها مخالفيه، ويحدد من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن يستحق العيش ومن يجب أن يُهمش. وفي المقابل، هناك من يؤمن بدولة المؤسسات، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، واحترام التنوع الذي عُرفت به عدن عبر تاريخها.
إن ما شهدته عدن خلال السنوات الماضية من انفلات أمني، واغتيالات، وتراجع للخدمات، وانقسام للمجتمع، لم يكن مجرد أخطاء عابرة، بل نتيجة طبيعية لسياسات أضعفت مؤسسات الدولة وفتحت الباب أمام التدخلات الخارجية. وقد ظهرت على مدى السنوات اتهامات وتقارير وتحقيقات تربط بعض أحداث العنف والاغتيالات بشبكات وتنظيمات تتجاوز الحدود، وهو ما يستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة تكشف الحقيقة كاملة، وتحدد المسؤوليات وفق القانون.
لقد كانت عدن، تاريخياً، مدينة الانفتاح والوعي الوطني، ورفضت أن تتحول إلى أداة في يد أي مشروع استعماري أو وصائي. ولهذا فإن استهداف هويتها المدنية وإثارة الانقسامات والكراهية بين أبنائها لم يكن يخدم إلا القوى التي تستفيد من إضعاف الدولة وتمزيق المجتمع.
إن معركة اليوم ليست بين شمالي وجنوبي، ولا بين منطقة وأخرى، وإنما بين مشروع الدولة الوطنية المستقلة، ومشاريع التبعية التي تجعل القرار الوطني مرهونًا بالإرادة الخارجية. وكلما طال غياب الدولة، ازدادت معاناة المواطنين واتسعت دائرة الفوضى.
لقد آن الأوان لأن تكون الأولوية لاستعادة الدولة بمؤسساتها، واستقلال القضاء، وكشف كل الجرائم، ومحاسبة كل من تورط في الاغتيالات والانتهاكات والفساد، أياً كان موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها. فلا يمكن أن تُبنى الأوطان على الإفلات من العقاب، ولا أن يتحقق الاستقرار في ظل السلاح المنفلت والولاءات المتعددة.
إن المستقبل الذي يستحقه اليمن وعدن هو مستقبل الدولة، لا مستقبل الكيانات الوظيفية، ولا مستقبل الصراعات التي تستنزف الإنسان والمكان. وسيبقى الرهان الحقيقي على وعي المواطنين وإرادتهم الحرة في الدفاع عن وطن يتسع للجميع، لا عن مشاريع لا تخدم إلا أصحابها.
