يوميات (9)
إمبراطورية من الحديد الخردة

بدأنا نرتق ثقوب الحياة بإبرة صدئة.. اشترينا بعض العفش المستعمل بمائة وخمسين ألفا.. طاولة عرجاء، وفراشان يئنان، وخزانة بلا باب.. صار للفقر شكل.. وصار له عنوان في المدينة.
وبخمسين ألفا أخرى، دفعت رسوم المدرسة الحكومية القريبة واغراض الدراسة وزيه.. سجلت ابننا هناك.. على الأقل سيواصل تعليمه.. كيف يقرأ فواتير الخيبة في المستقبل.
تبقى ستمائة ألف.. خنقت قلبي، وذهبت إلى سوق الخردة المتحركة، واشتريت بخمسمائة ألف تكتكا مستعملا.. كان يلهث كشيخ في التسعين، هيكله مصاب بالصدأ، ومحركه يسعل دخانا أسود.. لكنه كان ملكي.. إمبراطوريتي الصدئة...ما ان حركت التكتك حتى اوقفني شخص يعمل في كتابة العبارات على السيارات بمبلغ رمزي..قلت له اكتب لي عبارة على الزجاج الامامي
فكتب( حماري ولاحصان الناس) راقتني العبارة!
في البيت قالت زوجتي وهي تحصي ما تبقى بأصابع ترتجف خوفا: لم يتبق معنا سوى مائة ألف فقط..
لم تخف قلقها.. كانت تنظر إلى التكتك الواقف تحت النافذة كأنه وحش سيبتلع آخر ما نملك.. خائفة علي من الشارع..العمل بتكتك في شوارع بلادنا مغامرة حقيقية.. خائفة على الخمسمائة ألف أن تضيع في حادث أو عطل أو مصادرة.
في اليوم الأول للشغل.. خرجت الفجر وأنا لا أعرف من الشغل كسائق إلا اسمه.. وقفت بالتكتك على مسافة من الشارع الرئيسي، أنتظر رزقي.. أنتظر أي زبون تائه يحمل همه في كيس وأوصله إلى هم آخر..
التكتك رحيم بالفقراء.. لا يصرف الكثير من البترول لذلك تكلفة التوصيل قليلة ومقدور عليها حتى من جيوب المعدمين.
فجأة.. قفز إلى داخل التكتك جسد أعرفه.. رفعت عيني.. فإذا به هو.. عبده خواجه.. زميلي السابق.. بائع اللحوح الذي بعته قرصا قبل أيام..
استغربت من ظهوره المفاجئ كالموت.. كان حليق الذقن.. يرتدي قميصا نظيفا ويحمل حقيبة سفر صغيرة.. واحدة فقط.. كأنه يهرب من كل شيء.
تسالمنا ..صدفة خير من الف معياد..عرف بحالي وانتقالي للمدينة وعملي كسائق تكتك..لم يأسف علي..ولم يبدي حتى رأيه..
قال لي: ما دمت فضلت هذا العمل فقم بتوصيلي إلى النقل العام.. ساحة الحافلات الدولية اللي تسافر للخارج..
هززت رأسي وانطلقت.. كان الصمت بيننا أثقل من محرك التكتك..
نظر إلي من المرآة الجانبية وقال لي جملته التي صارت نبوءة، مكررا كلامه السابق كأنه يلقنني درسا أخيرا قبل الرحيل: اليمن .. نحن نموت غرباء فيها.. حتى لو كان معنا مال قارون وقصور الملوك.. اليمني بطبيعته غريب.. غريب في المنفى وغريب في وطنه.. ومادام الأمر كذلك.. خلينا نعيش غرباء هناك على الأقل، حيث يكون للغربة ثمن..
أوصلته إلى ساحة الحافلات.. نزل من التكتك وربت على كتفي.. لم يقل وداعا.. الغرباء لا يودعون بعضهم.. فقط مد لي ورقة بخمسمائة ريال أجرة التوصيل.. رفضت أن آخذها فأصر وتركها على المقعد ورحل.
بقيت أراقبه وهو يختفي بين الحافلات المسافرة.. حقيبة واحدة وظهر مثقل بالخيبة ووطن كامل تركه خلفه..
وأنا.. بقيت في التكتك الصدئ.. أملك إمبراطورية من الحديد الخردة.. حركت التكتك عائدا إلى الشارع.. أنتظر زبونا آخر.. أنتظر قدري.
للبقية تتمة...
