السبت 20 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • هدى أبلان: الأمومة والشعر في رحلة الفقد العظيم

هدى أبلان: الأمومة والشعر في رحلة الفقد العظيم

هدى أبلان: الأمومة والشعر في رحلة الفقد العظيم

أهدتني ديوانها المكرس لأحمد -أو لعلّه ديوان أحمد المُهدى إليها- ثم أتبعتْ إهداءها بتسجيل مرئي وهي تتلو بعضًا من قصائد حزنها الممتد.

إنها لحظة فاجعة، يتلاشى فيها من الروح أجمل ما تزخر به الحياة من نبض.

إنه أحمد؛ الغائب بجسده، الحاضر بروحه، وربما الأكثر حضورًا في كينونة هدى وجوهر وجودها، فمن خلاله كانت تبصر معانيها مكتملة.

بمدادٍ من الحب، واللوعة، والفقد، خطّت هدى تراتيل عشقها الأمومي الأزلي لأحمد، ذاك الشطر الآخر من ذاتها، وابنها الذي غمرته بمحبتها قبل أن تختطفه يد الرحيل وسط زحام المرض والتعب.

قصائدها -في مجملها- تئن بانتظار عودته المنشودة عبر بوابات الشعر.

وكأنه المهدي المنتظر.

فقد سكن أحمد داخلها العميق حتى منتهى الوجع.

كم هو مضنٍ وقاسٍ على الروح والوجدان أن يقف الوالدان عاجزين في وداع فلذات أكبادهما! إنها لحظة يغصُّ بها الخيال، ولا يترقبها أو يتمناها بشر؛ لحظة يتكثف فيها حضور الموت ليطبق على جهات الروح، ليكون أشد مرارة من الموت ذاته. وفي مواجهة هذه الصدمة العاتية، وجدت الشاعرة والأم العزيزة هدى أبلان نفسها واقفة مثل شجر السنديان، في انتظار الذي يأتي، ولا يخلف الميعاد.

حتى رأته قادمًا إليها؛ "كبرج مراقبة نشط".

فالأم والأب اللذان يحرمان نفسيهما من كل مباهج الدنيا ليريا أبناءهما في قمة السعادة، لا يبغيان من الحياة سوى أن يكون أولادهما الأجمل والأفضل في هذا العالم.

في ديوانها الصادر تحت عنوان "كبرج مراقبة نشط، كتاب أحمد"، عشت تفاصيل ملحمة درامية شعرية جمالية وفنية لغوية وإنسانية بالغة الأثر.

قرأت وأنصتُّ بوجل لتجليات جمال الروح في صورة حنين الأم، وهي تتشح بحزن نبيل ينساب بين ثنايا الكلمات؛ حزن يعلن أن من كان يملأ القلب، قد استحوذ اليوم على مساحات العقل والروح والوجدان بأكمله.

فلم تعد ثمة فسحة لحديث يشفي الغليل أو ينعش الذاكرة إلا وكان الشعر صوتها ولسان حالها؛ شعر يتجلى كابتهال صوفي وشوق سرمدي لراحل ما انفك يزور الخاطر، لأحمد المغروس في أعمق تفاصيل الذاكرة والوجدان، حيث يتشكل حروفًا وقصائد وذكريات تؤكد حضوره الأبدي في كل آن.

لقد تصفحت تلك القصائد المكتوبة على لسان أحمد المهداة لأمه في "كتاب أحمد"؛ تلك الملحمة الإبداعية/ الفنية الإنسانية المترعة بالشعر والدراما، ورأيت أحمد يعتذر لأمه عن رحيله المباغت دون وداع يليق بمقامها الأمومي.

وفي هذه القصائد (الأحمدية الأبلانية)، تجسدت صورة هدى كرمز لكل الأمهات اللواتي يقاسين لوعة الفقد؛ هدى المتوّجة بالقلق والتعب الداخلي والحزن الشفيف والعميق الذي خلفه هذا الغياب المفاجئ والفاجع.

وعلى الرغم من ذلك كله، يا هدى، فبعد أن تشرّبتُ كلماتك الشعرية بالصوت والصورة، وجدتني أنجرف معك في موجة حزن أصيل وعميق، يا سيدة الكلمة العذبة.

وأتساءل:

هل يمكن لنا مع تقادم الأيام أن نألف الحزن ونعتاده حتى يغدو جزءًا لا يتجزأ من هويتنا ومعاني أسمائنا في هذه الحياة؟

بالشعرِ، ومن خلاله، تمكنت هدى من الحفاظ على توازنها الذاتي ومقاومة سطوة الموت، سطوة الرحيل المباغت؛ فالشعر هو الأداة والوسيلة الوحيدة التي واجهت بها هدى، جبروت سلطان الموت الذي قرر سحب أحمد من دفء حضن أمه عنوةً.

ليس سهلًا على أي كائنٍ إنساني أن يتماسك ويحافظ على توازنه في مثل هكذا موقفٍ رسالي قيامي، وهو ما كان وتحقق مع هدى؛ التي دخلت معركةً غير متكافئةٍ مع الموت في أعزِّ من تحب وما تملك، عاريةً من كل قوةِ دعمٍ أو مساندةٍ خارجية، فقط الإرادة الكامنة في داخلها بقوة الحب وقوة الشعر، معلنةً انتصارها في صورة إنجازها ديوانها "كبرج مراقبة نشط.. كتاب أحمد".

إنني في سطورك المكتوبة، وفي صوتك الواثق والمتعب في الوقت نفسه، كما سمعته في التسجيل المرئي، رأيت هدى في كامل أمومتها، وفي كامل أناقتها الشعرية، وهي تكتمل هويةً من الحب في ملامح وسردية ابنها أحمد.

أحمد.. الابن، والشعر، وما استبقى لنا العمر، والحاضر الأبدي في تفاصيل القادم من الأيام.

لكِ خالص التحايا وأصدق السلام، أيتها العزيزة؛ الأم والشاعرة التي انتصرت على ضعفها وانكسارها، وصاغت من شجى وشجن حزنها صورة أحمد الباقية في ذاكرة الحياة.

لقد كنتِ -ومازلتِ- شاعرةً متميزة، وبفاجعة فقد أحمد، تفجر ينبوع الشعر الكامن في أعماقك.. فكنتِ أنتِ، وكان أحمد.

هي بداية رحلة جديدة ممتدة في الزمن مع أحمد، ومع الحياة.