الأربعاء 17 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الهدهد الذي لم يكذب... والإعلام الذي أشعل العالم

الهدهد الذي لم يكذب... والإعلام الذي أشعل العالم

من سبأ إلى شاشات اليوم: كيف تحولت الأخبار من نقل الحقيقة إلى صناعة الحروب؟
في زمن النبي سليمان عليه السلام، كان في المملكة موظف إعلامي صغير الحجم، محدود الإمكانيات، لا يملك استوديوهات عملاقة، ولا أقمارًا صناعية، ولا حسابات موثقة، ولا جيوشًا إلكترونية، ولا مراكز دراسات استراتيجية، ولا محللين يصرخون حتى منتصف الليل.


كان مجرد طائر.

اسمه الهدهد.

ومع ذلك، قدّم للعالم درسًا في الإعلام المهني لم تستطع آلاف القنوات الفضائية والمنصات الرقمية أن تتعلمه حتى اليوم.

عاد الهدهد من رحلته الشهيرة وقال لسليمان:

﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين﴾.

يا سلام!

نبأ يقين.

ثلاث كلمات فقط.

لا خبر عاجل يهز العالم.

لا مصادر خاصة رفضت الكشف عن هويتها.

لا تسريبات مجهولة المصدر.

لا عناوين مصممة لإثارة الغضب والخوف.

ولا محلل استراتيجي يقسم أنه يعرف ما يدور خلف الأبواب المغلقة.

الهدهد نقل ما رأى فقط.

وجد امرأة تحكم قومًا.

وجد مملكة قوية.

وجد شعبًا يعبد الشمس.

ثم انتهى التقرير.

لم يخلط الخبر برأيه الشخصي.

لم يضف البهارات السياسية.

لم يصنع مؤامرة.

ولم يحوّل المعلومة إلى فتنة.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في الهدهد.

بل في سليمان نفسه.

فهذا النبي الملك الذي سُخرت له الجن والإنس والطير، والذي امتلك من أسباب القوة والعلم ما تعجز عنه أعظم الإمبراطوريات، لم يتعامل مع الخبر باعتباره حقيقة نهائية، بل قال:

﴿سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين﴾.

يا لها من عبارة لو كُتبت فوق أبواب المؤسسات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي!

التحقق أولًا.

لا الانفعال أولًا.

البحث عن الحقيقة أولًا.

لا البحث عما يؤكد القناعات المسبقة.

كم حربًا كانت ستُمنع لو أن البشر تعلموا هذه القاعدة البسيطة؟

وكم دمًا كان سيبقى في عروق أصحابه؟

لكن يبدو أن البشرية قررت منذ زمن طويل إعدام الهدهد وتعيين جيش من الببغاوات مكانه.

عصر الببغاوات الذهبية

اليوم لم تعد الأخبار تُنقل كما هي.

بل تُصنع.

وتُعبأ.

وتُسوّق.

وتُباع.

أصبح بعض الإعلام أشبه بمصانع ضخمة لإنتاج الغضب الجماهيري.

يدخل الحدث صغيرًا.

فيخرج وحشًا.

يدخل خلافًا محدودًا.

فيخرج حربًا كونية.

يدخل تصريحًا عابرًا.

فيخرج أزمة وطنية.

أما الحقيقة فتتعرض أثناء الرحلة لعمليات تجميل وتشويه وتقطيع وتركيب حتى لا يتعرف عليها أحد.

كل جهة تصنع نسختها الخاصة من الواقع.

وكل طرف يمتلك "الحقيقة المطلقة".

وكل شاشة تعتبر نفسها الناطق الرسمي باسم السماء.

أما المواطن البسيط فيقف حائرًا بين عشرات الروايات، حتى أصبح يحتاج إلى لجنة تحقيق دولية ليفهم ماذا جرى بالأمس في شارعه.

بلقيس... السياسية التي سبقت عصرها

لكن أعظم مفاجآت القصة لم تكن في الهدهد ولا في سليمان فقط.

بل في بلقيس.

المرأة التي قدمت درسًا سياسيًا ما زال العالم عاجزًا عن استيعابه.

عندما وصلتها رسالة سليمان لم تعلن التعبئة العامة.

لم تستدعِ تجار الحروب.

لم تملأ الفضاء بخطابات الكراهية.

ولم تتهم كل من يدعو للحكمة بالخيانة.

بل قالت:

﴿يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون﴾.

طلبت المشورة.

واستمعت.

وفكرت.

وقارنت بين الخيارات.

ثم قالت عبارتها التاريخية التي تصلح عنوانًا لكل الحروب القديمة والحديثة:

﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾.

لم يكن هذا مجرد تعليق عابر.

بل تحليل سياسي واقعي سبق مراكز الدراسات الاستراتيجية بآلاف السنين.

كانت بلقيس تعرف أن الحروب لا تبدأ بالشعارات الجميلة التي تُرفع على الشاشات.

بل تنتهي غالبًا بمدن مدمرة.

واقتصادات منهارة.

وأسر مفككة.

وشعوب تبحث عن الخبز والماء والأمان.

ولو عادت بلقيس اليوم وشاهدت أخبار العالم لربما ابتسمت بحزن وقالت:

"ألم أقل لكم؟"

فكم من مدينة دخلتها الجيوش فخرجت منها المصانع؟

وكم من وطن دخلته الصراعات فخرج منه الأطباء والمعلمون والمهندسون؟

وكم من شعب كان سيدًا على أرضه فأصبح ينتظر المساعدات؟

اليمن... عندما تتحول الروايات إلى جبهة قتال

وفي اليمن تبدو الصورة أكثر قسوة.

فالحرب لم تكن حرب بنادق فقط.

بل حرب روايات أيضًا.

كل طرف يمتلك فضائيته.

وكل فضائية تمتلك حقيقتها.

وكل حقيقة تنفي الحقيقة الأخرى.

حتى أصبح اليمني يعيش داخل عشرات النسخ المختلفة من اليمن في الوقت نفسه.

قناة تتحدث عن انتصار.

وأخرى تتحدث عن هزيمة.

وثالثة تتحدث عن مؤامرة كونية.

ورابعة تؤكد أن الجميع انتصر والجميع خسر في الوقت نفسه.

أما الحقيقة فتمشي وحيدة بين الركام.

لقد تحولت الشائعات إلى ذخيرة.

والأخبار المضللة إلى صواريخ.

والمنشورات إلى ألغام.

وأصبح بعض الناقلين للأخبار أخطر من السلاح نفسه.

فالسلاح يقتل أفرادًا.

أما الأكاذيب المنظمة فقد تقتل أوطانًا بأكملها.

تجارة الكراهية

المشكلة أن الكراهية أصبحت استثمارًا مربحًا.

الغضب يحقق المشاهدات.

الخوف يحقق الأرباح.

التحريض يجلب المتابعين.

أما العقلانية فلا تجد من يمولها.

ولهذا أصبح بعض تجار الأزمات يشبهون أصحاب محلات الوقود أثناء الحرائق.

كلما اشتعلت النيران أكثر ارتفعت أرباحهم أكثر.

وكلما اقترب الناس من التفاهم أصيبوا بالخسائر.

رؤية للمستقبل: إعادة تعيين الهدهد

ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الصواريخ بقدر حاجته إلى مزيد من الهدهد.

ولا يحتاج إلى مصانع جديدة للأسلحة بقدر حاجته إلى مصانع للحقيقة.

نحتاج إلى ثقافة جديدة عنوانها:

تحقق قبل أن تصدّق.

وفكر قبل أن تغضب.

واستمع قبل أن تكره.

وشاور قبل أن تقرر.

نحتاج إلى إعادة الاعتبار للصحافة المهنية.

وإلى تعليم مهارات التحقق من الأخبار في المدارس والجامعات.

وإلى كشف مصادر تمويل منصات التضليل.

وإلى بناء مؤسسات مستقلة تدافع عن الحقيقة لا عن الأطراف المتصارعة.

نحتاج إلى هدهد ينقل الحقيقة كما هي.

وسليمان يتحقق منها قبل اتخاذ القرار.

وبلقيس تفكر في عواقب الحروب قبل أن تندفع إليها.

الخاتمة

لو عاد الهدهد اليوم ونظر إلى عالمنا، لربما أصابه الذهول.

سيجد أن البشر الذين صنعوا الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي ما زالوا يسقطون في الفخ ذاته:

فخ الخبر غير المتحقق منه.

وسيكتشف أن كثيرًا من الحروب لم تبدأ بدبابة.

ولا بطائرة.

ولا بصاروخ.

بل بدأت بخبر كاذب.

أو نصف حقيقة.

أو شائعة صيغت بمهارة.

ثم تناقلتها الجموع حتى تحولت إلى نار أحرقت الجميع.

وسيجد أن مأساة العالم ليست في قلة المعلومات، بل في قلة الصدق.

وليست في غياب الأصوات، بل في غياب الحكمة.

ففي قصة سبأ اجتمع الهدهد الصادق، وسليمان المتحقق، وبلقيس الحكيمة.

أما في كثير من أزمات عصرنا، فقد غاب الثلاثة معًا.

وبقي الضجيج وحده حاكمًا للمشهد.

ولهذا لا تزال الإنسانية تدفع ثمن خبر لم يتحقق منه أحد، وثمن قرار لم يُستشر فيه الحكماء، وثمن حرب حذرت منها بلقيس قبل آلاف السنين عندما قالت:

﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾.

وكأن التاريخ كله لم يكن سوى محاولة متكررة لإثبات صحة هذه العبارة.