النساء اليمنيات في قلب الصمود الاجتماعي
حين تُذكر الحروب، تتجه الأنظار عادة إلى الجبهات، والخسائر، والانقسامات السياسية، والتحولات الاقتصادية. غير أن جانبًا بالغ الأهمية يبقى أقل ظهورًا: ذلك الجهد اليومي الذي يُبذل داخل البيوت والأحياء والمجتمعات المحلية لمنع الانهيار الكامل للحياة. وفي اليمن، كانت النساء في قلب هذا الجهد، لا بوصفهن متلقيات لآثار الأزمة فحسب، بل بوصفهن فاعلات أساسيات في حماية الأسرة، وتخفيف التوتر، وإدارة الأزمات، وبناء مساحات من الصمود الاجتماعي.
خلال سنوات الحرب، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة. غاب رب الأسرة بسبب النزوح أو فقدان العمل أو الإصابة أو الوفاة أو الانخراط في الصراع، فأصبحت الأم أو الزوجة أو الأخت مطالبة بإدارة شؤون البيت، وتدبير الاحتياجات الأساسية، وحماية الأطفال نفسيًا، والحفاظ على ما أمكن من التوازن داخل الأسرة. لم يكن ذلك دورًا ثانويًا أو مؤقتًا، بل كان في كثير من الحالات العامل الحاسم الذي حال دون تفكك الأسرة أو سقوطها في مزيد من الفقر والعنف واليأس.
لقد أدت النساء أدوارًا شديدة التعقيد في ظروف شديدة القسوة. فإلى جانب تأمين الغذاء والدواء والتعليم، تحملن عبء التهدئة داخل المنزل، وامتصاص الخوف والغضب، ومنع انتقال توترات الحرب إلى العلاقات الأسرية. كثير من الأمهات اضطررن إلى إخفاء قلقهن كي لا يتضاعف قلق الأبناء، وكثير من الزوجات أدرن الخلافات بحكمة في ظل ضغوط اقتصادية ونفسية خانقة، وكثير من الأخوات تولين رعاية أفراد أصغر سنًا أو أكبر عمرًا بعد غياب المعيل أو انقطاع مصادر الدخل.
هذه الأدوار لا ينبغي اختزالها في صورة المرأة المضحية التي تتحمل بصمت. فالمسألة أعمق من ذلك. ما قامت به النساء اليمنيات خلال الحرب يعكس قدرة فعلية على الإدارة، واتخاذ القرار، وترتيب الأولويات، والتفاوض، وابتكار الحلول في ظل الندرة. المرأة التي تعيد توزيع دخل محدود على احتياجات أسرة كبيرة، أو تبحث عن مصدر بديل للرزق، أو تقرر كيفية استمرار تعليم أبنائها، تمارس في الواقع شكلًا من أشكال القيادة، حتى وإن لم يُمنح هذا الدور اسمه الحقيقي.
كما لم يقتصر حضور النساء على داخل الأسرة. فقد برزت أدوارهن في الوساطة المجتمعية، والعمل الإغاثي، ومساندة النازحين، والوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة. وفي مناطق كثيرة، استطاعت النساء الدخول إلى مساحات اجتماعية يصعب على غيرهن الوصول إليها، وفهم احتياجات الأسر، ونقل شكاوى النساء والأطفال، والمساهمة في احتواء بعض النزاعات المحلية. وكان لقربهن من تفاصيل الحياة اليومية أثر مهم في جعل الاستجابة الإنسانية أكثر فهمًا للواقع وأكثر اتصالًا بالناس.
وتكشف هذه التجربة أن النساء لسن فقط جزءًا من النسيج الاجتماعي، بل عنصرًا أساسيًا في إصلاحه. فالمرأة التي تتوسط بين عائلتين، أو تساعد أسرة نازحة، أو تنظم مبادرة مجتمعية، أو تسهم في توزيع المساعدات، لا تؤدي عملًا خيريًا فحسب، بل تعيد بناء الثقة بين الناس. وفي مجتمعات أنهكتها الحرب، تصبح استعادة الثقة فعلًا سياسيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية، حتى إن جرى بعيدًا عن المؤسسات الرسمية والمنابر العامة.
ومع ذلك، لا يزال الاعتراف بهذه الأدوار محدودًا. كثيرًا ما يُشاد بصبر النساء وقدرتهن على التحمل، لكن من دون أن يترجم هذا التقدير إلى مشاركة حقيقية في صنع القرار داخل الأسرة والمجتمع. وهنا تكمن المفارقة: يُطلب من المرأة أن تنقذ الأسرة وقت الأزمة، لكن لا يُمنح رأيها الوزن نفسه عند اتخاذ القرارات المصيرية. ويُعتمد عليها في إدارة الموارد الشحيحة، ثم تُستبعد من النقاش حول مستقبل الأسرة أو أولويات المجتمع.
إن العدالة داخل الأسرة تبدأ من الاعتراف بالمرأة شريكة كاملة في التربية والقرار، لا مجرد منفذة للمسؤوليات. فالأسرة التي تُحترم فيها خبرة الأم، ويُسمع فيها صوت الزوجة، وتُمنح فيها البنات فرصًا متساوية في التعليم والتعبير، تكون أقدر على إنتاج أفراد يؤمنون بالاحترام والمسؤولية والإنصاف. أما الأسرة التي تقوم على الطاعة الأحادية والخوف وإقصاء المرأة، فإنها تعيد إنتاج أنماط الاستبداد داخل المجتمع، مهما رفعت من شعارات عن التماسك والقيم.
ولا يعني تعزيز دور المرأة إضعاف دور الرجل أو خلق صراع داخل الأسرة. على العكس، الشراكة العادلة تخفف الأعباء عن الجميع، وتمنع احتكار المسؤولية والسلطة، وتجعل القرارات أكثر اتزانًا. فالأسرة ليست ساحة تنافس بين الرجل والمرأة، بل مساحة تعاون تقوم على تكامل الخبرات وتقاسم الواجبات واحترام الكرامة المتساوية لكل فرد.
من هنا، فإن بناء مجتمع أكثر استقرارًا في اليمن يقتضي الانتقال من الثناء الرمزي على النساء إلى دعم حقيقي لمشاركتهن. وهذا يتطلب إتاحة التعليم، والحماية من العنف، والوصول إلى فرص العمل، والمشاركة في المبادرات المحلية، وتمثيل النساء في عمليات الوساطة والتنمية وصنع القرار. كما يتطلب مراجعة الخطابات الاجتماعية التي تمجد تضحيات المرأة، لكنها تتردد في منحها حق التأثير.
لقد أثبتت النساء اليمنيات، في أصعب الظروف، أنهن قادرات على حماية الأسرة، وإدارة الأزمات، ودعم المجتمع، وخلق مساحات للحياة وسط الخسارة. غير أن المجتمع الذي يستفيد من هذه القدرات من دون أن يعترف بها أو يفسح لها المجال، يهدر جزءًا كبيرًا من قوته.
إن استقرار اليمن في المستقبل لن يُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية وإعادة إعمار المؤسسات، بل أيضًا عبر إعادة بناء العلاقات داخل الأسرة والمجتمع على أساس أكثر عدلًا وشراكة. وحين تحصل المرأة على مكانتها الحقيقية في التربية والقرار والعمل المجتمعي، فإنها لا تنتصر لنفسها وحدها، بل تسهم في بناء أسرة أكثر توازنًا، ومجتمع أكثر شمولًا، ووطن أكثر قدرة على التعافي.



