الثلاثاء 4 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مأزق الشرعية في اليمن ووهم التعديل الدستوري

مأزق الشرعية في اليمن ووهم التعديل الدستوري

كلما أوشك اليمن دخول منعطفًا سياسيًا جديدًا، برز بعض الفاعلين لطرح وصفات يقدّمونها باعتبارها حلولًا قانونية لازمة لأزمة مستعصية. وآخرها الدعوة إلى إجراء تعديل دستوري لإعادة ترتيب السلطة، أو هيكلة مجلس القيادة، أو إدخال وجوه جديدة داخل بنية الحكم القائمة. تبدو هذه الدعوات في ظاهرها بحثًا عن مخرج قانوني، لكنها في جوهرها تكشف أزمة أعمق: غياب فهم طبيعة المرحلة ذاتها. فاليمن اليوم لا يعيش وضعًا دستوريًا طبيعيًا يمكن علاجه بتعديل مادة أو إضافة نص، بل يعيش حالة استثنائية مركبة يحكمها مزيج من التوافق السياسي، والضرورة، والاعتراف الخارجي، وتوازنات القوة، وتعطل المؤسسات الدستورية.

فالدعوة إلى تعديل دستوري أقرب إلى القفز في الهواء، والهروب من مواجهة السؤال الحقيقي. فالدستور اليمني، وإن ظل مرجعية قانونية قائمة، لم يعد يعمل بوصفه آلية طبيعية لإنتاج السلطة. البرلمان منقسم أو معطل، العاصمة خارج سلطة الحكومة المعترف بها، الانتخابات متعذرة، المؤسسات السيادية موزعة بين سلطات متنافسة، والسلاح لم يعد محتكرًا بيد الدولة. وفي مثل هذا الوضع، لا يكون السؤال: كيف نعدل الدستور؟ بل: هل تتوافر أصلًا شروط التعديل؟ ومن يملك حق المبادرة؟ ومن يملك حق الإقرار؟ وأين الشعب في بلد لا يملك سلطة موحدة، ولا مؤسسة تشريعية فاعلة، ولا بيئة سياسية حرة؟

إن طرح التعديل الدستوري بمعزل عن هذه الأسئلة لا يعكس حصافة قانونية، بل جهلًا مركبًا بطبيعة اللحظة اليمنية. فالتعديل ليس إجراءً إداريًا تصدره سلطة مأزومة لتغطية مأزقها، ولا أداة لتبرير تعيينات أو خلق شرعية شكلية فوق خراب مؤسسي. التعديل يفترض حدًا أدنى من الدولة: سلطة مستقرة، مؤسسة تشريعية قادرة، إجراءات معلومة، نقاشًا عامًا، وضمانات تسمح بمشاركة الشعب. فإذا غابت هذه الشروط، تحول الحديث عن التعديل من فعل قانوني إلى مناورة سياسية.

وتزداد استحالة التعديل إذا نظرنا إلى طبيعة الدستور اليمني نفسه. فهو من الدساتير الجامدة، ولا يُعدل بإرادة سياسية عابرة أو بتوافق ظرفي، بل وفق إجراءات خاصة نصت عليها المادة 158، تبدأ بطلب من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، ثم موافقة المجلس على مبدأ التعديل، ثم مناقشة المواد بعد مدة محددة، ثم إقرارها بأغلبية مشددة تصل إلى ثلاثة أرباع المجلس، مع وجوب الاستفتاء الشعبي في بعض المواد الجوهرية. وهذه الشروط تفترض رئيسًا بصفته الدستورية الطبيعية، وبرلمانًا موحدًا وفاعلًا، وبيئة سياسية وأمنية تسمح بالنقاش والاستفتاء؛ وهي شروط غير متوافرة اليوم بسبب الحرب، وانقسام المؤسسات، وتعطل البرلمان.

الأدق في توصيف اليمن أن البلاد لا تُحكم اليوم بالدستور وحده، بل بالتوافق بوصفه صيغة ضرورة. هذا التوافق لم يكن خيارًا مثاليًا، بل جاء نتيجة عجز القاعدة الدستورية الطبيعية عن إنتاج سلطة قادرة على الحكم. فمنذ عام 2011 دخلت اليمن مسارًا انتقاليًا بدأ بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ثم مر بالحوار الوطني، قبل أن ينقطع بانقلاب الحوثيين وسقوط صنعاء، والحرب، وانقسام المؤسسات. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الشرعية دستورية صافية، بل صارت شرعية مركبة: بقايا دستور، ومبادرة خليجية، واعتراف دولي، وضرورة سياسية، وتوافقات بين القوى المناهضة للانقلاب.

لكن التوافق السياسي لا يصنع شرعية مفتوحة. هو حالة انتقالية مؤقتة تُقبل فقط بقدر ما تمنع الفراغ، وتحافظ على الحد الأدنى من الدولة، وتفتح الطريق للعودة إلى الشرعية الطبيعية. خطورته تبدأ عندما يتحول من جسر نحو الدستور إلى بديل عنه، ومن ضرورة مؤقتة إلى نظام حكم غير معلن، ومن وسيلة لإنقاذ الدولة إلى أداة لإدارة غيابها. وهذا ما حدث في اليمن إلى حد بعيد؛ إذ طال الانتقال، وتعددت مراكز القرار، وتحولت التوافقات في محطات كثيرة إلى محاصصة بين قوى لا تجمعها رؤية وطنية بقدر ما تجمعها الرغبة في البقاء داخل المعادلة.

ولهذا فإن المشكلة لا تقف عند حدود النصوص، بل تمتد إلى طبيعة النخبة ذاتها. فجزء من النخبة التي يُعاد استدعاؤها اليوم باعتبارها قادرة على إنتاج الحل هو، في الحقيقة، جزء من تاريخ الأزمة ومأساتها. هناك جيل سياسي لم ينجح في مغادرة ذاكرة الصراع، ولا في تقديم مشروع وطني جامع، ولا في تطوير أدواته بما يناسب دولة أنهكتها الحرب والانقسام. بعض رموزه ما زال أسير وقائع الماضي، يرويها وكأنها مادة بطولة لا مأساة وطنية، وبعضهم لا يملك من السياسة إلا الخطابة وإعادة إنتاج المواقف القديمة، من دون رؤية لبناء دولة، أو إصلاح مؤسسات، أو معالجة جراح المجتمع.

ولا يتعلق الأمر بالأسماء وحدها، بل بالبنية التي تعيد تدوير هذه الأسماء. فاليمن لا يحتاج إلى إعادة تعيين جيل مأزوم داخل سلطة مأزومة، ولا إلى توسيع شكلي للمجالس القائمة، ولا إلى ترقيع دستوري فوق فراغ سياسي. ما تحتاجه البلاد هو انتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن توافق النخب إلى عقد وطني، ومن إدارة الحصص إلى بناء الدولة. فالدولة لا تُستعاد بإعادة إنتاج الوجوه التي استهلكت السياسة اليمنية لعقود، بل بإعادة تعريف وظيفة السلطة: حماية الناس، توحيد القرار، احتكار السلاح، إنصاف الضحايا، وإعادة الاعتبار للدستور.

لهذا ينبغي التمييز بين الإصلاح الدستوري المطلوب مستقبلًا، والتعديل الدستوري المتعذر حاليًا. اليمن بحاجة إلى عقد دستوري جديد يعالج شكل الدولة، وتوزيع السلطة، وضمانات الحقوق، والعدالة الانتقالية، وموقع الجنوب، ومركزية السلاح، والعلاقة بين السلطات. لكن هذا العقد لا يمكن أن يولد من سلطة انتقالية مأزومة، ولا من اجتماع نخب مختارة، ولا من توافقات خارجية ضيقة. يجب أن يأتي في عملية سياسية شاملة، بتمثيل حقيقي، ومشاركة شعبية، ومسار عدالة انتقالية، لا كإجراء سريع لتسكين أزمة في رأس السلطة.

ومن هنا فإن مجلس القيادة الرئاسي نفسه ينبغي أن يُفهم ضمن هذه الحدود. فهو ليس سلطة دستورية أصلية، ولا يستطيع أن يتصرف كسلطة تأسيسية تملك إعادة تشكيل النظام السياسي بإرادة منفردة. هو ترتيب انتقالي نشأ من الضرورة والتوافق، ولذلك يجب أن تبقى صلاحياته مقيدة بوظيفته: منع الفراغ، توحيد القرار، إدارة المرحلة، وفتح الطريق إلى تسوية أوسع. وكلما حاولت السلطة الانتقالية أن تتجاوز وظيفتها، وتتصرف كأنها مصدر دائم للشرعية، ضعفت مشروعيتها بدل أن تقوى.

الخلاصة أن اليمن لا يحتاج اليوم إلى تعديل دستوري شكلي، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية وقانونية للاعتراف بأن شروط التعديل غير متوافرة، وأن الدستور معطل في أدواته لا في قيمته، وأن الشرعية القائمة انتقالية لا تأسيسية. فالدولة لا تُستعاد بتوسيع الاستثناء، ولا بتعيين جيل مأزوم داخل مؤسسات مأزومة، ولا بتحويل التوافق إلى دستور بديل. تُستعاد الدولة حين يتحول التوافق من صفقة بين القوى إلى عقد مع المجتمع، وحين يصبح الدستور غاية العودة، لا قناعًا لتمديد الأزمة.