عبدالله صلاح.. أستاذية العلم وزعامة الاجتماع
أن تجتمع في شخص واحد الزعامة الاجتماعية، والريادة الثقافية، والنباهة السياسية، والأستاذية العلمية المتميزة، فذلك أمر استثنائي ونادر الحدوث. فالغالب أن يبرز الإنسان في مجال واحد، أما أن تتعدد مواهبه وتتقاطع مجالات تميزه، فتلك حالة قلما تتكرر.

ويمثل الأستاذ الدكتور عبدالله زيد صلاح نموذجاً حياً لهذه الشخصية متعددة الأبعاد؛ فقد جمع بين المكانة الاجتماعية الرفيعة، والحضور الثقافي الوازن، والخبرة السياسية الناضجة، والمقام الأكاديمي المرموق.
ينتمي الدكتور عبدالله إلى أسرة ذات امتداد اجتماعي عريق، ويعد أحد أعمدتها البارزين، بما يتمتع به من مكانة ومهابة وكاريزما مؤثرة. فرأيه مسموع في محيطه الاجتماعي، وكلمته تحظى بالاحترام والتقدير، كما يأسر من يلقاه بكرمه وتواضعه، ويثير الإعجاب باتساع علاقاته واهتمامه الدائم بقضايا الناس وشؤون مجتمعه.
أما على المستوى الثقافي والفكري، فيمتلك أفقاً معرفياً رحباً وبنية فكرية أصيلة انعكست في غزارة إنتاجه العلمي وكثرة مؤلفاته، كما تجلت في جودة أطروحاته الأكاديمية ورصانة نقاشاته الفكرية. وهو من أولئك الذين لا يكتفون باستهلاك المعرفة، بل يسهمون في إنتاجها وإثرائها.
وفي المجال السياسي، يتسم بواقعية واضحة ورؤية براغماتية متزنة، انعكست في علاقاته الإيجابية مع مختلف الأطراف، وفي حضوره المعتبر داخل الحقل السياسي. وقد عرف عنه تمسكه بالمواقف المبدئية، وإيمانه بأن العمل السياسي الجاد لا يحتمل التقلبات الانتهازية أو الانتقالات المتكررة بين التنظيمات، لما تتركه من آثار سلبية على مصداقية العمل الحزبي واستقراره.
ورغم ما يحظى به من مكانة أكاديمية رفيعة، فقد ظل زاهداً في المناصب، معرضاً عن كثير من المواقع التي عرضت عليه، مكتفياً بدوره العلمي والفكري وتأثيره المعنوي بين زملائه وطلابه.
ومن الجوانب اللافتة في اهتماماته الفكرية شغفه بالأدب الشعبي، ولا سيما "الزامل"، الذي ينظر إليه بوصفه نصاً اجتماعياً وتاريخياً يعبر عن هموم المجتمع وقضاياه السياسية والقبلية والثقافية. ويرى أن الزامل ليس مجرد لون من ألوان الشعر الشعبي، بل وثيقة اجتماعية لها دورها في السلم والحرب، فقد يكون سبباً في حقن الدماء وحل النزاعات، كما قد يسهم أحياناً في تأجيج الخصومات وإثارة الفتن.
ومن هذا المنطلق يعد الزامل الأصل الأبرز للشعر الشعبي اليمني، شأنه شأن الشعر الحميني في اليمن، والشعر النبطي في الخليج، والشعر العامي والقومي في عدد من الأقطار العربية.
وفي أحاديثه الأدبية يثير العديد من القضايا الجدلية، ومنها علاقة الشعر بالإلهام وما ارتبط بها تاريخياً من تصورات حول السحر والجن. فهو يرى أن المسألة قديمة ومتجذرة في التراث العربي منذ العصر الجاهلي، مستشهداً بما ورد في بعض الروايات والأشعار، دون أن يجزم بإثبات هذه الظواهر أو نفيها، معتبراً أنها تظل موضوعاً مفتوحاً للبحث والنقاش.
كما يتوقف عند ما يمكن تسميته بـ"سيكولوجيا الإبداع"، مشيراً إلى اختلاف الحالات النفسية التي يتولد فيها الشعر والفن لدى المبدعين؛ فلكل شاعر أو أديب ظروفه الخاصة التي تستثير ملكته الإبداعية وتطلق طاقاته الفنية.
أما فيما يتعلق بالمذاهب الأدبية، فيرى أن التصنيفات الصارمة لا تعكس دائماً حقيقة الإبداع، لأن الشاعر الواحد قد تتعدد اتجاهاته وتتنوع تجاربه بتعدد موضوعاته ومراحل حياته.
ومن آرائه اللافتة أيضاً قوله إن الشعر كثيراً ما ازدهر في كنف السلطة ورعاية الحكام، لما توفره من دعم مادي ومعنوي للمبدعين، مستحضراً في ذلك تجارب تاريخية متعددة شهدت ازدهاراً أدبياً في بلاطات السلاطين والخلفاء.
وفي قراءته للواقع العربي، يربط مظاهر التراجع الحضاري والسياسي بضعف مؤسسات الدولة وغياب الأنظمة القادرة على إدارة المجتمع بكفاءة. وهو يؤمن بأن السياسة في جوهرها ترتبط بالقوة المنظمة للدولة؛ فحين تضعف السلطة وتغيب هيبة القانون، تحل الفوضى ويختل انتظام الحياة العامة.
كما يرى أن معظم الأحزاب السياسية اليمنية تتحمل، بدرجات متفاوتة، مسؤولية جانب من الأزمات التي تعيشها البلاد، معتبراً أن القوى السياسية الرئيسية تتحمل النصيب الأكبر من هذه المسؤولية بحكم حجم تأثيرها ودورها في صناعة الأحداث.
الحديث مع الدكتور عبدالله زيد صلاح متعة معرفية لا تخلو من الدهشة؛ فثقافته موسوعية، وتحليلاته السياسية رصينة، وقراءاته للمستقبل تتسم بقدر كبير من العمق والموضوعية. ولهذا يمكن القول إنه يمثل نموذجاً نادراً لجمعه بين الزعامة الاجتماعية، والريادة الثقافية، والخبرة السياسية، والمكانة الأكاديمية.
إنه بحق جماع الزعامة؛ اجتماعاً وثقافةً وسياسةً وأكاديمية.
