الأربعاء 17 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • طالب الرفاعي وأطياف المواطنة في الخليج: بين السيادة الوطنية وضمانات القانون

طالب الرفاعي وأطياف المواطنة في الخليج: بين السيادة الوطنية وضمانات القانون

طالب الرفاعي وأطياف المواطنة في الخليج: بين السيادة الوطنية وضمانات القانون

أثار الجدل حول سحب الجنسية من الروائي الكويتي طالب الرفاعي اهتماماً واسعاً في الأوساط الثقافية والحقوقية العربية. ولا يعود ذلك إلى المكانة الأدبية التي يحتلها الرفاعي فحسب، بل لأن القضية تمس سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة المواطنة وحدود السلطة في تنظيمها.

ومن بين أبرز المساهمات الفكرية التي تناولت هذه القضية، برزت المقالة التي كتبتها الأكاديمية والباحثة اليمنية إلهام مانع، والتي تعد من أكثر المعالجات شمولاً للموضوع من زواياه القانونية والسياسية والثقافية والأخلاقية والإنسانية. فقد انطلقت من حالة الأديب الكويتي طالب الرفاعي لتناقش إشكالية أوسع تتعلق بمفهوم المواطنة وحدود السلطة في سحبها، منتقدةً السياسات التي تؤدي إلى تجريد الأفراد من جنسيتهم وتحويلهم إلى أشخاص بلا حماية قانونية أو وضع مواطني مستقر. كما ربطت بين حالة الرفاعي وبين أوضاع آلاف الأشخاص الذين واجهوا قرارات مشابهة أدت إلى فقدانهم الجنسية أو وضعهم في دائرة انعدام الجنسية، مؤكدة أن القضية لا تتعلق بإجراءات إدارية فحسب، بل تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، ومبادئ العدالة وسيادة القانون وكرامة الإنسان.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من دائرة الجدل السياسي الآني إلى فضاء أوسع يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة نفسها. فالدولة التي تستمد مشروعيتها من القانون لا يكفي أن تمتلك سلطة منح الجنسية أو سحبها، بل يتعين أن تخضع ممارسة هذه السلطة لضمانات قانونية صارمة تحمي الأفراد من التعسف، وتكفل حقهم في الدفاع والطعن والمراجعة القضائية المستقلة. فكلما كانت المواطنة أكثر استقراراً وأبعد عن الاعتبارات السياسية المتغيرة، كان الانتماء الوطني أكثر رسوخاً والثقة بالمؤسسات أكثر قوة.

ومن هنا فإن قضية طالب الرفاعي لا تبدو مجرد قضية فردية أو خلاف قانوني عابر، بل تصبح مناسبة لإعادة التفكير في معنى المواطنة في الخليج العربي، وفي الكيفية التي يمكن بها التوفيق بين الحق السيادي للدولة في تنظيم شؤون الجنسية وبين الالتزامات القانونية والأخلاقية المترتبة على حماية حقوق الإنسان ومنع حالات انعدام الجنسية، وفقاً للمبادئ التي أرستها المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فالرفاعي ليس أول من يجد نفسه في قلب هذا النقاش، وربما لن يكون الأخير. ذلك أن المسألة تتجاوز شخصاً بعينه أو دولة بعينها، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بمفهوم المواطنة في العديد من الدول العربية والخليجية.

قبل سنوات، استخدم تقرير التنمية الإنسانية العربية مفهوم "أطياف المواطنة" لوصف التفاوت في مستويات التمتع بحقوق المواطنة داخل المجتمع الواحد. وهو توصيف يبدو ملائماً لفهم واقع الجنسية والمواطنة في عدد من دول الخليج، حيث تتفاوت المراكز القانونية والحقوقية بين المواطنين الأصليين والمتجنسين، وأبناء المتجنسين، وأبناء الزيجات المختلطة، ومزدوجي الجنسية، فضلاً عن فئات ما تزال تعيش خارج إطار المواطنة القانونية الكاملة.

وفي هذا السياق، لا تتمثل الإشكالية الأساسية في حق الدولة بتنظيم شؤون الجنسية؛ فهذا حق سيادي مستقر في القانون الدولي، وتمارسه جميع الدول وفقاً لتشريعاتها الوطنية. غير أن السيادة القانونية الحديثة لا تنفصل عن مبدأ سيادة القانون ولا تعلو عليه.

فالحقوق الأساسية لا تُقاس فقط بوجود النصوص القانونية، وإنما كذلك بوجود الضمانات التي تحكم تطبيقها، وفي مقدمتها الشفافية، والرقابة القضائية، وحق التقاضي، وحق الدفاع، والإجراءات القانونية الواجبة.

وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما"، وأنه "لا يجوز تعسفاً حرمان أي شخص من جنسيته". كما أكد الإعلان على حق كل شخص في اللجوء إلى المحاكم المختصة لإنصافه من أي انتهاك لحقوقه الأساسية، وعلى حقه في محاكمة عادلة أمام هيئة مستقلة ومحايدة.

ومن هذا المنطلق، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بوجود أسباب قانونية لسحب الجنسية من عدمها، بل يتعلق أيضاً بطبيعة الإجراءات المتبعة للوصول إلى هذا القرار. فكلما اتسعت سلطة الإدارة في اتخاذ قرارات تمس المركز القانوني للأفراد دون رقابة قضائية فعالة أو حق حقيقي في الطعن والاستئناف، ازدادت المخاوف المتعلقة بحماية الحقوق وضمان المساواة أمام القانون.

وتتضاعف هذه المخاوف عندما لا تقتصر آثار القرار على الشخص المعني وحده، وإنما تمتد إلى الزوج أو الزوجة والأبناء والبنات، وربما إلى أجيال لاحقة. فالجنسية ليست مجرد وثيقة سفر أو رابطة إدارية مع الدولة، بل هي الأساس القانوني الذي تُبنى عليه الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتترتب عليها الحماية القانونية والانتماء الوطني الكامل.

كما أن القانون الدولي المعاصر يتجه بصورة متزايدة نحو الحد من حالات انعدام الجنسية وحماية الأفراد من الآثار الجماعية للقرارات المتعلقة بالجنسية، انطلاقاً من مبدأ الكرامة الإنسانية واستقرار المراكز القانونية للأشخاص.

لذلك، فإن قضية طالب الرفاعي، بصرف النظر عن تفاصيلها القانونية الخاصة، تعيد فتح نقاش ضروري حول العلاقة بين السيادة الوطنية وسيادة القانون، وبين حق الدولة في تنظيم الجنسية وحق الأفراد في الضمانات القانونية العادلة.

إنه نقاش لا يخص الكويت وحدها، ولا يتعلق بشخص واحد مهما كانت مكانته الثقافية، بل يتصل بمستقبل المواطنة نفسها في الخليج العربي: هل تظل المواطنة حقاً مستقراً تحميه المؤسسات والقضاء، أم تتحول إلى وضع قانوني قابل للتغيير بقرارات إدارية تفتقر إلى الضمانات الكافية؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يكون في صلب الحوار العام اليوم.