الثلاثاء 16 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • من نقد الانقلاب إلى نقد البنية: قراءة في أزمة الدولة اليمنية بين النعمان والإرياني والحمدي

من نقد الانقلاب إلى نقد البنية: قراءة في أزمة الدولة اليمنية بين النعمان والإرياني والحمدي

ليست المشكلة في تاريخ اليمن الحديث أن الانقلابات وقعت، بل في أن الوعي السياسي اليمني ظل طويلًا أسير نتائجها ورموزها، أكثر من انشغاله بفحص الأسس التي قامت عليها وآثارها العميقة على فكرة الدولة نفسها.

ومن هنا فإن إعادة قراءة حركة 13 يونيو 1974م لا ينبغي أن تكون سجالًا بين مؤيد ومعارض، ولا محاكمة أخلاقية لأشخاص بعينهم، بل محاولة لفهم المسار الذي أوصل اليمن إلى أزمتها المزمنة: أزمة الدولة المؤجلة، والشرعية المعلقة، وسيادة القوة على حساب المؤسسة.

إبراهيم الحمدي
إبراهيم الحمدي

لقد جرى تقديم 13 يونيو بوصفها حركة تصحيحية جاءت لإنقاذ الجمهورية من الفساد والفوضى وهيمنة مراكز النفوذ. وقد نجحت بالفعل في طرح شعارات لامست وجدان الناس، مثل مكافحة الفساد، وبناء الدولة، وتقليص نفوذ المشايخ، وتعزيز التنمية المحلية والتعاونيات.

غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بالأهداف المعلنة، بل بالوسيلة التي اختيرت لتحقيقها.

فالبلاغ العسكري الأول الصادر في 13 يونيو 1974م أعلن بوضوح نقل السلطة إلى مجلس قيادة عسكري، وتعليق العمل بالدستور المؤقت، وحل مجلس الشورى، وإعلان حالة الطوارئ.

القاضي عبدالرحمن الإرياني
القاضي عبدالرحمن الإرياني

وهنا يبرز السؤال التاريخي الكبير:

هل يمكن بناء دولة المؤسسات عبر تعطيل المؤسسة الدستورية نفسها؟

وهل يصبح الدستور عقبة أمام الإصلاح أم أن إصلاح الدولة يبدأ من احترامه وتطويره؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أن الوثائق السابقة على 13 يونيو تكشف أن الأزمة اليمنية لم تكن غائبة عن وعي النخبة الجمهورية.

ففي 18 نوفمبر 1970م، أي قبل الحركة التصحيحية بأربع سنوات تقريبًا، كتب الأستاذ أحمد محمد نعمان استقالته الشهيرة إلى رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني.

أحمد محمد نعمان
أحمد محمد نعمان

لأنه ينقل النقاش من مستوى الانطباعات اللاحقة إلى مستوى الوثيقة التاريخية المعاصرة للحدث. فالنعمان هنا لا يكتب بعد انقلاب 13 يونيو 1974م، ولا بعد اغتيال الحمدي، ولا بعد تجربة صالح، بل يكتب قبل ذلك كله بأربع سنوات تقريبًا، 1970م، وهو في قلب السلطة نفسها.

ولذلك فإن إدراج الرسالة لا يهدف إلى تمجيد النعمان أو الإرياني، بل إلى إظهار أن تشخيص الأزمة اليمنية ومصادرها كان مطروحًا قبل 13 يونيو، وأن بعض أبرز رموز النضال والحريصين على الجمهورية واسمها -تتبع مؤتمر حرض- كانوا يدركون حجم الخراب، لكنهم كانوا يبحثون عن الإصلاح من داخل الشرعية الدستورية لا من خلال إلغائها.

وهذا نصها:

رسالة الأستاذ النعمان إلى رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الاإرياني

بسم الله الرحمن الرحيم

"والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" صدق الله العظيم

في 20 رمضان 1390

18 نوفمبر 1970

فخامة الأخ القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني

رئيس المجلس الجمهوري

سلام الله عليك وبعد؛

فقد قمت مساء أمس الثلاثاء 19 رمضان 1390، 17 نوفمبر 1970، بزيارة قصيرة لمدينة "المخا"، ولا أكتمكم أن هذه الزيارة كانت بالنسبة لي بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير إذا زاد حمله.

فإن الصدمة التي أصابتني لمنظر الخراب والدمار صدمة قاسية شديدة أفقدتني صوابي، وجعلتني أشك في وجود دولة تؤمن بأن هذه المدينة جزء من اليمن، أو أن للدولة علاقة بها، أو شعورا بأية مسئولية نحوها، أو اهتماما بشأنها، إذ إن الخراب الذي تحياه "المخا" في كل مرافقها الحيوية ومظاهر البؤس والفاقة والمرض على وجوه سكانها لا يمكن أن تتجاهله وتغض الطرف عنه أية دولة مهما كانت عدوة للوطن أو غريبة عنه أو مضمرة له الشر والأذى..

لأنها إن لم تكن لها مشاعر إنسانية نحو المواطنين البائسين فإنها ستحرص على زيادة المكاسب والفوائد التي تجنيها، والمصالح التي تضاعف ثروتها وأرباحها.

وها هي رغم الخراب والدمار يبلغ إيرادها من الميناء والجمرك ما يقرب من مليوني ريال شهريًا تذهب كلها إلى خزانة الدولة دون أن تستفيد "المخا" من هذا الإيراد ما يعالج مريضًا، أو يعلم جاهلًا، أو يطعم جائعًا، أو يبني خرابًا، وقد أشرف هذا الميناء على الزوال، وأوشك أن يغلق في وجه السفن التي ترسو فيه بسبب الرمال التي تراكمت لعدم الصيانة والتطهير، وحالت دون وصول السفن التي اعتادت الوصول إلى الميناء.

إن المشاهد لهذه الحالة يتصور أن الدولة تدبر مؤامرة ضد نفسها وتخرب بيوتها بأيديها وأيدي موظفيها، ممعنة في خراب كل عامر.. وما مطار "الجند" وقصر "صالة" وأمثالهما من الخراب ببعيد على دولة كهذه.

فخامة الأخ الرئيس:

لست الآن بصدد تصوير المأساة التي تعيشها "المخا"، ولا الحديث عن الخراب والدمار والفساد والفوضى التي تسود اليمن كلها، والتي طغت على كل شيء وأفسدت كل شيء، فذلك متروك للشعراء والأدباء والكتاب ومؤلفي القصص والروايات لتتناوله أقلامهم يوم تحين الفرصة لهم ليشهدوا الخراب والدمار في مرافق الدولة كلها، وفي كل مكان، وضياع ما ورثته الدولة الثورية عن العهد الرجعي البائد من مبانٍ وقصور وأموال وعقارات وأثاث ومدخرات، ولكني أريد أن أتحدث إلى فخامتكم كزميل يشارككم المسؤولية منذ أقسم في المجلس الوطني يوم الأحد 16 أغسطس سنة 1970، أي منذ ثلاثة أشهر..

لأن الذي يربطني بك، ويشدني إليك روحيا وفكريا ليس المشاركة في الحكم، ولكن المعارضة للحكم منذ ما يزيد على 30 عامًا، واجهنا خلالها الضر والأذى في أشخاصنا وأهلنا وأولادنا وزملائنا، واتخذنا مواقف موحدة رغم يقيننا من التعرض لأقسى العقوبات وأشد ألوان الانتقام ممن نتخذ مواقفنا ضدهم.

فهل نتخلى آخر أيامنا عن رسالتنا ودعوتنا ومواقفنا من أجل الاستمرار في الحكم والبقاء في السلطة؟ وهل ننفق بقية الحياة التي أنعم الله بها علينا فضلًا وكرمًا بعد السجون والتعرض للمشانق والموت.. ننفقها في المشاركة بالإجهاز على هذا الشعب وخرابه ودماره؟ أو نلتزم الصمت المطبق حيال ما يجري، ونقول إن هذا لا يعنينا؟

إذن فلماذا ثرنا على العهد البائد؟ ولماذا أثرنا سخط الشعب عليه، وتصدرنا المعارضة ضد حكمه؟ وهل كان هدفنا زوال الإمام فقط لنخلفه في السلطة؟

أم كان هدفنا زوال عهد الإمام ونظامه واستبداده ليأتي عهد جديد ونظام جديد وحرية معقولة وعدالة ومساواة ووحدة وطنية حقيقية؟

فخامة الأخ الرئيس:

قد تكون السلطة أخاذة، جذابة، تسحر العقول والقلوب والأبصار، وتغري بالحرص عليها والإصرار على البقاء فيها والتمتع بمظاهرها ومباهجها، وحماية أشخاصنا من التعرض لكل ما يؤذينا من جديد ماديًا وأدبيًا، ولكنا ممن روضوا أنفسهم على الخشونة والتقشف والجوع والصبر والجلد، فإننا لم نولد وملاعق الذهب في أفواهنا والحرير الديباج في مهادنا والزهور والورود مفروشة في طريقنا..

لقد تحملنا كل ما أصابنا من عذاب، وما مسنا من عقاب، وما ألصقت بنا من تهم في مختلف العهود، رمانا بها الحاقدون والمأجورون ممن غرقوا في الشهوات والملذات ولاذوا مؤخرًا بالصمت، فلم يرتفع لهم صوت ولا تحركت لسان، ولم يعودوا يفكرون إلا في الحصول على ما يستطيعون الحصول عليه والظفر به من مغانم ومكاسب بأية وسيلة كانت ومن أي وجه كان.

إننا يا فخامة الأخ على ما نتوقع من خسارة في التخلي عن السلطة، فإنها لن تكون أكبر وأعظم من خسارتنا في سمعتنا وتاريخنا وديننا، إذا نحن آثرنا الاستمرار في السلطة رغم شعورنا بالعجز عن تحمل المسؤولية، وفقدان العون الحقيقي من كل مسؤول في الدولة عسكريًا وقبليًا ومدنيًا، رغم الاستجابة لتقديم السلطة العامة على المصلحة الخاصة، ولما يتطلبه هذا الوطن من بناء وتعمير وتقدم وتطوير.

إن المرء ليكاد يحس أن كل موظف في الدولة أصبح عن قصد وغير قصد لا يؤمن بأنه مرتبط بهذا العهد القائم، أو مشارك في تحمل المسئولية فيه أو حريص على بقائه واستمراره، أو محسوب عليه. بل ربما كان يخجل من الانتساب إليه، وإذا كان يعمل فيه فإنما يعمل لضرورة العيش، أو للتستر على ما يقوم به من نشاط تخريبي، مترقبا زوال العهد متربصًا به الدوائر، يحصي أخطاءه ومساويه ليستخدمها حين تحين الفرصة للانقضاض عليه.. ولن يكون هدف المتربصين سوى رئيس الدولة شأنهم في ذلك شأن الناقمين والحاقدين على كل عهد وفي كل دولة في الماضي والحاضر.

إن الخليفة والسلطان والإمام والمشير والرئيس، كل هؤلاء يصبحون الهدف الوحيد للسخط والنقمة والغضب، تلصق بهم التهم، وتلقى عليهم المسؤولية، ويقذفون من كل جانب بالمساوئ والأخطاء مهما كانت حسناتهم ونزاهتهم وقداستهم.

إن نصف الناس أعداء لمن

ولي الأحكام هذا إن عدل

فخامة الأخ الرئيس:

"من نام لم ينم عليه"، و"من صمت لم يصمت عنه".. يجب ألا ننتظر من يتولى إقالتنا من السلطة وإخراجنا من الحكم كما يريد.. ليكن شعارنا "بيدي لا بيد عمرو".

إن من واجبنا منذ الآن إشعار المواطنين جميعًا، وبأسرع ما يمكن، بحقيقة عجزنا عن إصلاح ما أفسده الدهر وخلفته الحرب والعهود الفاسدة، وعدم قدرتنا على الاستمرار في السلطة.

علينا أن نسبق الحاقدين قبل أن يسبقونا، ونفاجئهم قبل أن يفاجئونا.. إنه لا ينبغي لنا التسويف أو التعلل بالمناسبات والافتراضات والتوقعات، وتجاهل الواقع السيء الذي لا بد أن ينفجر دون الرجوع إلى مشورتنا أو أخذ رأينا أو الاستئذان منا، ولن يتعلل، ولن يتقيد بقيد من القيود..

علينا أن نعلن للمواطنين ونوجههم لاختيار قادة غيرنا ممن يرضونهم ويثقون بهم ويختارونهم بكامل حريتهم وملء إرادتهم وحسب مشيئتهم..

واجبنا ألا نستسلم لضغط أولئك الحريصين على استمرارنا في الحكم، وأن نتحرر من مجاملتهم والاستجابة لرغبتهم، فهم وإن كانوا بمشاعرهم وعواطفهم معنا، ولكن عقولهم لا تقبل أو لا تدرك حتى الآن المصلحة العامة.. إنها بعيدة عن أفهامهم وغير معقولة لديهم إذ لم يجربوها ولن يؤمنوا بمن جربها قبلهم.

فخامة الأخ الرئيس:

إنني لا أزال على ذكر من رسالتي لكم وللأخ الشيخ محمد علي عثمان في 3 ديسمبر 65، حين سئمت الطلوع والنزول إلى صنعاء، في ذلك الحين، وكما سئمتم أنتم، وقلت لكم لن أتحدى ولن أخوض في المعارضة بل سأذهب القرية وأجعل شعاري "إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك".

والتاريخ يعيد نفسه، فإنني الآن أكثر اطمئنانًا، وأشد إيمانًا، وأعظم اقتناعًا بالتخلي والاشتغال بخويصة النفس، وأترك لفخامتكم وللأخ الشيخ محمد علي حرية الاختيار بين التخلي والاستمرار، وسنعمل ما نستطيع في خدمة وطننا كمواطنين عاديين.

وسلام الله عليكم.

أخوكم

أحمد محمد نعمان

لم ينكر النعمان حجم الخراب والفساد والفوضى، بل وصفها بعبارات شديدة القسوة. تحدث عن المخا باعتبارها مدينة منسية تعيش الخراب والبؤس، وتحدث عن مؤسسات الدولة المهدمة، وعن عجز السلطة عن تحقيق أهداف الثورة.

لكن ما يلفت النظر في الرسالة ليس تشخيص الأزمة، بل طريقة التعامل معها.

فالنعمان لم يدعُ إلى انقلاب عسكري، ولم يطالب بتعليق الدستور أو إلغاء المؤسسات، وإنما دعا إلى مصارحة الشعب، وإلى الاحتكام لإرادة المواطنين، وإلى إفساح المجال لاختيار قيادة جديدة إذا ثبت العجز عن الإصلاح.

ولهذا تبدو عبارته الشهيرة: «علينا أن نعلن للمواطنين ونوجههم لاختيار قادة غيرنا ممن يرضونهم ويثقون بهم ويختارونهم بكامل حريتهم وملء إرادتهم».. واحدة من أهم العبارات السياسية في تاريخ الجمهورية اليمنية.

إنها تعبر عن منطق الدولة، لا منطق الغلبة، وتعبر عن فكرة تداول المسؤولية، لا احتكارها، وتكشف أن النعمان كان يرى أن الشرعية لا تُستمد من القوة، بل من إرادة المواطنين.

كما تكشف الرسالة جانبًا آخر أكثر أهمية؛ إذ يتحدث النعمان عن غياب العون الحقيقي من «كل مسؤول في الدولة عسكريًا وقبليًا ومدنيًا»، وهي شهادة مبكرة على وجود مراكز نفوذ أقوى من المؤسسات الرسمية نفسها.

وبهذا المعنى فإن الرسالة لا تدين شخصًا بعينه، بل تكشف طبيعة البنية التي كانت تعيق بناء الدولة.

ولهذا فإن قراءة 13 يونيو بمعزل عن هذه الوثيقة تبقى قراءة ناقصة.

فالوثيقة تثبت أن تشخيص الأزمة سبق الانقلاب، وأن الإحساس بالخطر سبق تدخل الجيش، وأن رجالًا مثل النعمان والإرياني كانوا يدركون حجم المأزق ويحاولون معالجته ضمن إطار سياسي ودستوري شديد الهشاشة.

كما أن تجربة الإرياني نفسها، رغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليها، مثلت أول محاولة يمنية جادة للانتقال من شرعية الحرب إلى شرعية السياسة.

ففي عهده تم تثبيت المصالحة الوطنية، والحفاظ على اسم الجمهورية بعد سنوات الحرب الملكية الجمهورية، وإنجاز دستور، وإجراء انتخابات لمجلس الشورى، والاعتراف المتبادل بين الشطرين، وفتح المجال النسبي أمام الصحافة والثقافة.

وكانت تلك التجربة تجري في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة: دولة خارجة من حرب أهلية طويلة، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة، ومجتمع واسع الأمية، ومراكز قوى عسكرية وقبلية تفوق إمكانات الدولة ذاتها.

ولهذا فإن السؤال التاريخي لا ينبغي أن يكون: هل كانت مرحلة الإرياني مثالية؟

فالجواب بالتأكيد لا.

وإنما:

هل كان البديل المطروح في 13 يونيو تطوير تلك التجربة أم إيقافها؟

وهل كان الانقلاب على الفساد أم على أول محاولة لبناء شرعية دستورية قابلة للتطور؟

إن المأساة اليمنية ربما لا تكمن في فشل الأشخاص، بل في انقطاع المسار المؤسسي كلما بدأ بالتشكل.

ففي كل مرة كانت الدولة تحاول الانتقال من شرعية القوة إلى شرعية القانون، كانت القوة تعود لتصبح المرجع الأعلى.

ولهذا لم تنجح اليمن في ترسيخ تقليد سياسي مستقر يقوم على تداول السلطة والاحتكام للدستور.

ولعل أخطر ما حدث لاحقًا أن الانقلاب ذاته تحول إلى جزء من الذاكرة المقدسة، وأصبح النقد يُفهم أحيانًا بوصفه استهدافًا للأشخاص لا مراجعة للتجربة.

بينما الحقيقة أن الدولة لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، ولا على البطولة الفردية مهما بلغت، بل على المؤسسات والقواعد التي تضمن استمرارها بعد غياب أصحابها.

ولهذا فإن استقالة أحمد محمد نعمان تكتسب اليوم قيمة استثنائية؛ لأنها تقدم نموذجًا مختلفًا للمسؤولية السياسية.

لقد رأى الخراب، وانتقده بوضوح، لكنه لم يطلب سلطة استثنائية، وشخّص الأزمة، لكنه لم يطالب بإلغاء الشرعية، وأدرك حجم المأزق، لكنه لم يستبدل الدولة بالقوة.

ومن هنا تأتي أهميتها التاريخية؛ ليس بوصفها وثيقة استقالة فحسب، بل بوصفها وثيقة مبكرة في الدفاع عن فكرة الدولة نفسها.

ويبقى السؤال مفتوحًا بعد أكثر من نصف قرن:

هل كانت أزمة اليمن في الأشخاص الذين حكموا، أم في البنية السياسية التي جعلت القوة تتقدم دائمًا على القانون، والغلبة تتقدم على الشراكة، والانقلاب يتقدم على التطور الطبيعي للمؤسسات؟

ذلك هو السؤال الذي مايزال ينتظر إجابة اليمنيين جميعًا.