قحطان الزميل الصدوق
تزاملت مع زميلي وصديقي عدنان قحطان عند مطلع التسعينيات أول التحاقي بالعمل في مؤسسة التأمينات، لكن علاقتي ظلت معه محدودة.
في عام 2015م كان قد تقدم إلى رئيس المؤسسة السابق أحمد صالح سيف، بمشروع يتعلق بتفعيل التغطية التأمينية بنظام الشمول، وصادف أني تقدمت شخصيًا بمشروع مماثل، الأمر الذي جعل الأخ صالح يحيل مشروع زميلي عدنان إليَّ. وأتذكر أنه يومها تحدث مع الأخ رئيس المؤسسة قائلًا هذا المشروع سيجعل المؤسسة في وضع مالي جيد، وشخصيًا على استعداد لبيع مجوهرات زوجتي دعمًا لهذا المشروع.. بدوري استغربت هذا الحماس لزميلي عدنان. وعند خروجنا من مكتب رئيس المؤسسة قلت له أنت فعلًا جاد بما قلته؟ قال نعم وألف نعم.
عندها قمت بدمج أفكار المشروعين في مشروع واحد مع جديد الإضافات، ووقعنا معًا، وقدمنا ذلك لرئيس المؤسسة، فرد علينا بإذن يضمّن مشروعكم موازنة العام المقبل 2016م.
والحق وبالحق أقول إن لدى هذا الزميل العزيز قحطان نوازع إنسانية عظيمة بسقف عالٍ، وهي بكل تأكيد من المتطلبات واللوازم الأساسية لعمل التأمينات الاجتماعية، كون المشتغل في هذا المجال يواجه فئات عمالية واجتماعية ضعيفة كحالة الأرامل والثكالى والأيتام وكبار السن والمرضى والعجزة، وغيرهم من الحالات التي تحتاج إلى رعاية التأمينات وتقديم الحماية لهم، وعند عدم توفر هذه النوازع الإنسانية تحدث اختلالات في جدار المفاهيم والمضامين التأمينية.
قحطان كما عرفته جيدًا من تلك الفترة صادق الوعد صاحب مواقف رجولية لا يتراجع عن مواقفه ولا يستبدلها مقابل مصالح شخصية بأية حال من الأحوال، لا يخسر وفاءه مع أصدقائه وزملائه وجيرانه مهما كان الأمر.
يحب ويعشق الخير حتى النخاع، وله مع جيرانه وأصدقائه الكثير من القصص والحكايات، فهو لا يرد جاره عندما يأتيه في ساعة متأخرة طالبًا إسعاف زوجته أو أحد أبنائه الصغار يسارع بهم إلى المستشفى، ولا يتضايق حتى لو عاد له اليوم التالي في حالة مرضية أخرى. سيارته الخاصة بمثابة وقف لأهل حارته، والكثير يستفيدون من خدماتها، لهذا تجد هذا القحطاني محل حب واحترام وتقدير جيرانه وأهل حارته. يزعل حد الغضب أحيانًا إذا ما قدم له أحد الجيران ثمن البنزين باعتقاده أن ذلك "يمهد" قيمة الأجر والثواب، وهو بيت المقصد والمراد بالنسبة له.
هذا الذي جمع بين العدنانية والقحطانية، ومعهما جمع صفات الرجولة والشهامة. كان طائعًا لوالديه حد الإجلال. أصر على اصطحاب والدته من إب إلى منزله بصنعاء حتى يتمكن من رؤيتها عند كل صباح، ويطمئن عليها عند كل وقت وفي كل حين. وظل يوفر لها ما تحتاج وما لا تحتاج حبًا وكرامة. يحاول أن يقبل قدميها تقربًا وطاعة، فترفض ذلك لفهمها أن ذلك نوع من العبودية.
كان يتخاصم مع من ينوي نصحه بأن ما يقوم به تجاه والدته فيه قدر مبالغ فيه من المحبة، ولهذا ظل لا يلقي لهم بالًا.
الطيبة والعاطفة عند حبيبنا عدنان فائضها يزيد عن حاجته، وربما حاجة جيرانه، وليس من قبيل المبالغة القول بأنها تزيد عن حاجة حارته ومدينته ومدينتنا صنعاء الحبيبة.
ظل ما يقترب من عشرة أعوام ينتقل بين صنعاء وإب، يتابع باهتمام بالغ حسم شقة شقيقه الأكبر، والحصول على قسمة عادلة صحيحة بين إخوانه وأخواته أبناء الحاج محمد محمد مصلح قحطان، رحمة الله عليه. يدفع من جيبه مصاريفه وتنقلاته، همه الأول أن يرضي أخاه الأكبر في المقدمة حتى ولو أدى ذلك إلى تنازله عن حقه الشرعي بالإرث من والده.
وكان في الوقت نفسه يعمل جاهدًا على ترميم العلاقة بين إخوانه وأخواته، وظل يواصل جهوده حتى تمكن من إكمال تقسيم إرث والدهم، وتوزيع ذلك على المستحقين من الذكور والإناث.
ومع كل تلك الجهود والمتاعب وما خسره من جيبه، وجدنا أن البعض لا يحمل له أي قدر من الجميل. إنه زمن التنكر للجميل والإحسان والمعروف. لكن عدنان عمل ما عمل لوجه الخير والأخوة، ولا يهمه أي شيء آخر.
* الأمين العام لحزب العمال بث



