الجمعة 19 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • أحمد نعمان قائمقام الحجرية (1915م) بين غموض النهاية التاريخية وإشكالية تشابه الأسماء

قراءة في التاريخ والوثيقة والمنهج

أحمد نعمان قائمقام الحجرية (1915م) بين غموض النهاية التاريخية وإشكالية تشابه الأسماء

مدخل:
من المشكلات التي تواجه الباحث في التاريخ اليمني الحديث، أن بعض الشخصيات طغت شهرتها على شخصيات أخرى تحمل أسماء متشابهة، كما أن بعض الأسر الممتدة عبر أجيال متعددة أنتجت رجال دولة وعسكريين ومثقفين ومناضلين وشعراء، فصار من السهل أن تنتقل الأحداث من شخص إلى آخر، أو أن تُقرأ الأسرة كلها من خلال صورة فرد واحد منها.

أحمد نعمان
أحمد نعمان

وتُعد أسرة النعمان في الحجرية نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية. فخلال أقل من قرن تعاقبت فيها أجيال متعددة حملت أسماء متقاربة وأدوارًا متباينة، بدءًا من القائمقام والإداري، مرورًا بالقائد العسكري والمصلح التربوي والمناضل الوطني، وانتهاءً بالشاعر والدبلوماسي والفنان والصناعي. ومن هنا أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة وضع كل شخصية في سياقها الزمني الحقيقي، خصوصًا عند تناول شخصية أحمد نعمان قائمقام الحجرية وظروف مقتله الغامضة.

أحمد نعمان قائمقام الحجرية والوثيقة المبكرة

يظهر اسم أحمد نعمان في الوثائق المحلية بوصفه قائمقام الحجرية في العهد العثماني خلال السنوات الأولى من القرن العشرين. وتكتسب إحدى الوثائق أهمية خاصة، وهي مراسلة مؤرخة في الخامس من محرم سنة 1323هـ، الموافق تقريبًا لعام 1905م، يرد فيها اسم "أحمد نعمان الذبحاني قائمقام الحجرية".

وثيقة
وثيقة

وتكشف هذه الوثيقة عن شبكة علاقات سياسية تتجاوز الإطار المحلي، إذ تتضمن إشارات إلى سلطان لحج وحكومة عدن، وإلى تفاهمات قائمة ورغبة في تجنب العداء. كما يظهر منها أن المنطقة لم تكن معزولة عن التوازنات الإقليمية، بل كانت جزءًا من فضاء سياسي تتقاطع فيه المصالح العثمانية والبريطانية والمحلية.

وتزداد أهمية الوثيقة لأنها تضع أحمد نعمان في قلب مرحلة كانت تشهد إعادة رسم لموازين القوى في جنوب اليمن، وهو ما يجعل دراسة شخصيته مرتبطة بالسياق السياسي العام أكثر من ارتباطها بإدارة محلية محدودة.

ظروف مقتله: حادثة محلية أم حدث سياسي؟

يبقى مقتل أحمد نعمان سنة 1915م، في منطقة الزميلة بالمقاطرة، من أكثر الأحداث غموضًا في تاريخ الحجرية الحديث.

فالرواية الشائعة التي جرى تداولها لاحقًا تصوره بوصفه نزاعًا محليًا أو حادثة فردية، إلا أن وجوده في موقع إداري حساس، وارتباط اسمه بمراسلات وعلاقات تتصل بلحج وعدن، وتزامن مقتله مع ظروف الحرب العالمية الأولى والتحركات العسكرية في الجنوب، يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت الحادثة أكبر من مجرد خلاف محلي.

ولا تسمح الوثائق المتوافرة اليوم بإصدار حكم نهائي، غير أن القراءة النقدية تفرض إبقاء جميع الاحتمالات مفتوحة، وعدم التسليم بالتفسيرات المتأخرة قبل فحص السياق السياسي والعسكري الذي أحاط بالحادثة.

من أحمد نعمان إلى عبدالوهاب نعمان

بعد مقتل أحمد نعمان برز شقيقه عبدالوهاب نعمان الذي تولى موقعه في الحجرية، واستمر حضوره السياسي والاجتماعي خلال مرحلة انتقالية معقدة أعقبت خروج العثمانيين وصعود الحكم الإمامي.

ولم يبق عبدالوهاب في إطار الإدارة المحلية فحسب، بل تحول لاحقًا إلى أحد معارضي الحكم الإمامي، حتى انتهى به المطاف ضمن أحداث ثورة 1948م، إذ أُعدم بأمر الإمام أحمد، ليصبح أحد شهداء تلك المرحلة.

ويمثل عبدالوهاب نعمان حلقة انتقال بين جيل الإدارة العثمانية وجيل الحركة الوطنية الحديثة، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في تاريخ المنطقة.

محمد أحمد نعمان: الامتداد العسكري

وفي أعقاب مقتل القائمقام، برز ابنه محمد أحمد نعمان في المجال العسكري، وارتبط اسمه بالأحداث التي شهدتها المنطقة بعد نهاية الحكم العثماني.

وتنسب إليه أدوار عسكرية في الساحل الغربي، خصوصًا في المخا وما حولها، خلال فترة شهدت تنافسًا إقليميًا ودوليًا على سواحل البحر الأحمر. وقد مثّل هذا الجيل امتدادًا مختلفًا عن جيل الإصلاح الفكري اللاحق، إذ كان أقرب إلى المجال العسكري والإداري.

الأستاذ أحمد محمد نعمان: جيل الإصلاح والتنوير

في المقابل يظهر خط آخر داخل الأسرة يمثله الأستاذ أحمد محمد نعمان، ابن محمد نعمان شقيق القائمقام أحمد نعمان.

وهنا تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا. فالأستاذ أحمد محمد نعمان لا ينتمي إلى جيل الإدارة العثمانية ولا إلى المجال العسكري، بل إلى جيل الإصلاح والتنوير.

وقد ارتبط اسمه برسالته الشهيرة "الأَنَّة الأولى" سنة 1937م، التي تعد من أوائل النصوص الإصلاحية الحديثة في اليمن، كما ارتبط بتأسيس المدرسة الحديثة في ذبحان، وبالدعوة إلى التعليم والإصلاح الدستوري والعمل السلمي، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الحركة الوطنية اليمنية.

ومن هنا فإن الخلط بين أحمد نعمان القائمقام، وأحمد محمد نعمان المصلح، يمثل أحد أبرز الأخطاء التي قد تقع فيها القراءة التاريخية إذا لم تراعِ الفوارق الزمنية بين الأجيال.

علي محمد نعمان: الحلقة الثقافية المنسية

ومن الشخصيات التي تستحق عناية أكبر، علي محمد نعمان، شقيق الأستاذ أحمد محمد نعمان.

ففي ثلاثينيات القرن العشرين كان من أوائل الذين عملوا على إدخال الكتب والصحف العربية إلى ذبحان، وربط المنطقة بالمراكز الثقافية في عدن، كما ارتبط اسمه باستقدام الأستاذ حيدرة وغيره من المعلمين للمشاركة في مشروع التعليم الحديث.

وقد جمع بين النشاط الثقافي والعمل الوطني، واستمر في صفوف الحركة الجمهورية حتى استشهد في جبهة حرض أثناء الدفاع عن الثورة.

ورغم أهمية هذا الدور، فإنه لم يحظَ غالبًا بالاهتمام الذي حظيت به شخصيات أخرى أكثر شهرة.

سعيد حسن فارع (سعيد ذبحان كما أطلق عليه الأستاذ الشاعر عبدالله البردوني، وفي رأيي أنه حاول أن يجمل المشيخة بالرغم من الأهمية التاريخية في داخلها من تفاصيل إلى اسم المنطقة في ذكر سعيد ذبحان، وكان ذكره لقائمقام الحجرية بداية القرن العشرين تحت اسم أحمد محمد نعمان، الذي هو من مواليد 1906م، وأصبح الصانع الأول للقضية اليمنية، بوصف رفيق دربه الشاعر الشهيد الزبيري، فكان أول معارض سياسي حقيقي، إذ تجسدت تلك المعارضة في الخطاب الموجه إلى الإمام، والشديد البيان للوضع الماسأوي لليمن واليمنيين، والتفصيلي في "الأنة الأولى" التي لم تكن شعرًا)، فكان من الأسرة يجمع بين النضال والثقافة.

ومن الشخصيات التي تستحق الذكر أيضًا، الشهيد سعيد حسن فارع، المعروف باسم "سعيد ذبحان".

وقد عُرف بدوره النضالي من خلال محاولته استهداف الإمام أحمد في منطقة السخنة، وهي من أبرز المحاولات الفدائية في تاريخ المعارضة اليمنية قبل الثورة.

وفي الوقت نفسه، ارتبط اسمه بنشاط ثقافي واسع، تمثل في تهريب الكتب والصحف من عدن ومصر، وإنشاء مكتبات في تعز والحديدة، والإسهام في نشر المعرفة في زمن كانت فيه الرقابة على الفكر شديدة.

لكن من المهم التمييز بين نشاط سعيد حسن فارع في الخمسينيات، وبين نشاط علي محمد نعمان الثقافي في الثلاثينيات، لأن الجمع بين الشخصيتين ضمن مرحلة واحدة يؤدي إلى تشويه التسلسل التاريخي للأحداث.

البردوني وإشكالية "حرق المراحل"

عند قراءة ما أورده عبدالله البردوني في كتاب "اليمن الجمهوري"، تظهر قيمة كبيرة في تفسيره للظواهر الاجتماعية والسياسية اليمنية، غير أن اهتمامه بالتفسير العام كان أحيانًا على حساب التفصيل الزمني الدقيق.

فقد أشار إلى "حركة سعيد ذبحان المنسية"، وقدمها باعتبارها تجمعًا بين البعد النضالي والبعد الثقافي، وهي ملاحظة مهمة في ذاتها، لكنها قد تقود إلى دمج أدوار وشخصيات تنتمي إلى مراحل مختلفة.

كما أن بعض الإشارات المتعلقة بالحجرية وأسرة النعمان توحي أحيانًا بانتقال سريع بين أجيال متباعدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى الخلط بين أحمد نعمان القائمقام في مطلع القرن، وبين الأستاذ أحمد محمد نعمان في الثلاثينيات، أو إلى إغفال أدوار شخصيات وسيطة مثل علي محمد نعمان وعبدالوهاب نعمان ومحمد أحمد نعمان.

ولا ينتقص ذلك من قيمة البردوني الفكرية، لكنه يبرز الحاجة إلى الجمع بين التفسير الاجتماعي والتحقيق الوثائقي، لأن الأول يفسر الظواهر، بينما الثاني يثبت الأشخاص والأحداث في مواضعها الصحيحة.

تشابه الأسماء وأثره على كتابة التاريخ

إن تتبع أسرة النعمان يكشف بوضوح كيف يمكن لتشابه الأسماء أن يربك الباحث.

فأحمد نعمان ليس أحمد محمد نعمان.

ومحمد أحمد نعمان العسكري ليس محمد أحمد نعمان الدبلوماسي الشهيد في بيروت.

وعلي محمد نعمان المثقف والمناضل ليس شخصًا آخر يحمل الاسم نفسه في جيل مختلف.

كما أن عبدالجبار الفنان التشكيلي يختلف عن عبدالجبار الحرفي والمبتكر الصناعي، رغم تشابه الاسم.

وهكذا يصبح الاسم وحده غير كافٍ في البحث التاريخي ما لم يقترن باسم الأب والجيل والسياق الزمني.

خاتمة

إن الغاية من هذه القراءة ليست الدفاع عن أسرة أو مهاجمة مؤرخ، بل الدعوة إلى إعادة بناء السرد التاريخي على أساس الوثيقة والتسلسل الزمني.

فأحمد نعمان قائمقام الحجرية مايزال يمثل شخصية تستحق مزيدًا من البحث، لا سيما في ما يتعلق بظروف مقتله سنة 1915م، وعلاقاته السياسية في مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ اليمن.

كما أن دراسة أسرة النعمان تكشف أن التاريخ لا يختزل في اسم واحد أو جيل واحد، بل هو حصيلة أجيال متعاقبة أسهمت في مجالات الإدارة والعسكرية والتعليم والثقافة والسياسة والشعر والفن.

ومن هنا فإن الإنصاف التاريخي يبدأ من التمييز بين الأشخاص قبل الحكم عليهم، ومن إعادة كل شخصية إلى زمنها الحقيقي، لأن الخطأ في الاسم قد يقود إلى الخطأ في الحدث، والخطأ في الحدث قد يقود إلى قراءة غير دقيقة لمرحلة كاملة من تاريخ اليمن.

نص الوثيقة حسب قراءتي لها كالتالي:

تقول ولدنا... العزيز... الشيخ فضل بن عبدالله العقربي

بعد إهدائك جزيل السلام ورحمة الله وبركاته صدر إليك خط من أحمد نعمان الذبحاني قايمقام الحجرية، كما تطلع عليه فترسله بعد اطلاعك عليه بخط منك إلى -تقريبًا الكلمة غير واضحة تقريباً- الكلنيل جييكي م، وأنت جوب لأحمد نعمان (أني مرتبط بصداقة سلطان لحج وحكومة عدن ولا نحب العداء على أحد والسلام.

التوقيع كأنه على... 5 محرم 323، التاريخ ألغى الألفية وأبقى 323هـ.

وبعد البحث والمطابقة بين التاريخ الهجري والميلادي 5 محرم 1323هـ (وليس 323) شهر محرم 1323هـ يوافق تقريبًا: فبراير/ مارس 1905م.

الاستنتاج التاريخي الكبير

هذا التاريخ (1905) يعني:

1) سابق لصلح دعان (1911).

وكان في تاريخ الوثيقة وسيطًا سياسيًا من موقع الإداري بين 3 قوى:

الدولة العثمانية

سلاطين لحج

حكومة عدن البريطانية

هذا ما تثبته الوثيقة بدقة؟

2) وجود قناة اتصال غير رسمية مع لحج، ليست حربًا مغلقة، بل "اتصال سياسي مرن".

3) أحمد نعمان ليس منعزلًا إداريًا.