دماؤنا ليست رخيصة... دم اليمن ليس للبيع
من يصدّر شباب اليمن إلى حروب الآخرين؟
لم يعد السؤال في اليمن: كيف يعيش الشباب؟
بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا كيف يُستغل جوعهم؟
فعندما يغيب العمل، ويصبح رغيف الخبز حلمًا، يتحول الفقر إلى باب للاستغلال، وتصبح الحاجة وسيلة لدفع الشباب نحو الموت بدل أن تكون طريقًا للحياة.
في شمال اليمن، دفعت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي آلاف الشباب إلى جبهات القتال، لا حبًا في الحرب، بل بحثًا عن لقمة العيش وإعالة أسر أنهكها الفقر.
وفي الجنوب، حيث كان يفترض أن تكون الظروف أفضل بحكم وجود مؤسسات الدولة والدعم الإقليمي والدولي، برزت مأساة أكثر خطورة مع استغلال حاجة الشباب والزج بهم في مسارات تثير أسئلة عن الدولة والسيادة.
ولم تكن قضية استقطاب يمنيين للقتال في الحرب الروسية الأوكرانية إلا إنذارًا مؤلمًا، حين وجد بعض الشباب أنفسهم أمام الموت والبرد القارس ولهيب معارك لا تخصهم ولا تخدم وطنهم.
واليوم تتجدد التساؤلات حول معسكرات تُقام خارج الأراضي اليمنية، وعلى مقربة من حدود الوطن، وفي مناطق مثل منطقة تبوك في المملكة العربية السعودية، بالقرب من الحدود السعودية الأردنية والعراقية، مستغلة حالة الفقر والجوع والعوز، حتى أصبح دم اليمني عند تجار الحروب سلعة رخيصة في سوق المصالح.
وهنا لم تعد القضية قضية فقر فقط، بل قضية دولة وسيادة ومسؤولية وطنية.
والسؤال الذي يطرح نفسه: من ينشئ هذه المعسكرات؟ ومن يديرها؟ ولصالح من؟
وهل تعلم الحكومة الشرعية بهذه التشكيلات؟
فإن كانت تعلم، فلماذا لا تكشف للشعب اليمني حقيقتها ومرجعيتها وأهدافها؟
وإن كانت لا تعلم، فأين هي الدولة التي تتحدث باسمها؟
وأين قدرتها على حماية مواطنيها؟
إن الخطر الأكبر ليس فقط في استغلال الشباب، بل في أن يصبح قرار التجنيد وإنشاء التشكيلات العسكرية خارج المؤسسة العسكرية اليمنية وخارج التسلسل المعروف للجيش اليمني منذ قيام الثورة.
فالجيش مؤسسة وطنية، والسلاح قرار دولة، والجيوش تُنشأ لحماية الأوطان والشعوب، لا لتكون أدوات في مشاريع خارج حدود الوطن.
وأية شرعية يمكن أن تتحدث عن السيادة، بينما تسمح بتحويل الدم اليمني إلى سلعة رخيصة في حروب الآخرين، خارج حدود الوطن وخارج مؤسسات الدولة؟
إن على قيادة الشرعية أن تدرك أن مسؤوليتها ليست في إصدار البيانات، ولا في بيع الأوهام والوعود، ولا في صناعة صور إعلامية تُقدّم أصحاب الفشل على أنهم قادة إنقاذ عبر اللقاءات والمظاهر الرسمية مع السفراء والمبعوثين والمنظمات الدولية؛ فالمكانة لا تُصنع بالبروتوكولات، بل بما يقدمه المسؤول لشعبه من حماية وكرامة وحياة كريمة.
لقد فقدت هذه القيادة ثقة الشعب اليمني، وخانت الثقة التي منحها لها المجتمع الدولي باعترافه ودعمه، بعد أن عجزت عن إدارة المرحلة وحماية المواطن وصون كرامة أبنائه.
ولهذا فإن أمامها خيارًا لم يعد يحتمل التأجيل؛ العودة إلى الوطن وتحمل مسؤوليتها كاملة بين أبناء الشعب، أو الاعتراف بالعجز والفشل والرحيل عن المشهد، وترك المسؤولية لمن يستطيع حمل أمانة وطن بحجم اليمن.
كما أن على إخواننا في الجنوب أن يدركوا أن هذه ليست مسؤوليتهم وحدهم؛ فهذه قضية وطن كامل. فأبناؤهم ليسوا رخيصين، ودماؤهم ليست وقودًا لحروب الآخرين مهما كانت الحاجة والظروف.
إن الشعب اليمني في شماله وجنوبه، التواق إلى الحرية والكرامة، يقف ضد أية ممارسات خاطئة، ومع كل جهد صادق لإنقاذ الوطن من الفساد والاستغلال والمتاجرة بمعاناة الناس.
ويبقى السؤال الذي سيظل يطارد الجميع: من يصدّر شباب اليمن إلى حروب الآخرين؟ ومن يفتح لهم معسكرات خارج الوطن بعيدًا عن مؤسسات الدولة؟
إن دم اليمن ليس للبيع، وكرامة اليمني ليست ثمنًا لرغيف خبز.
وسيأتي يوم يقف فيه كل من استغل فقر هذا الشعب، أو صمت على استغلال شبابه، أو سمح بتحويلهم من بناة وطن إلى وقود لمعارك الآخرين، أمام محكمة الوطن والتاريخ.
فاليمن أكبر من الأشخاص، وشبابه أغلى من أن يكونوا سلعة في سوق الحروب.



