الإثنين 15 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • حين تكتب الصحافة ما عجز الوطن عن قوله

حين تكتب الصحافة ما عجز الوطن عن قوله

هناك لحظات في حياة الأوطان لا تكفي فيها الخطب، ولا تنفع فيها الشعارات، ولا تستطيع السياسة أن تقول الحقيقة كاملة. لحظات يصبح فيها الوطن مثقلاً بما يفوق قدرته على الكلام؛ جراحه كثيرة، ذاكرته متعبة، وأبناؤه موزعون بين خوفٍ وانتظارٍ وحنين. في مثل هذه اللحظات، تتقدم الصحافة لا بوصفها مهنةً فقط، بل بوصفها ضميراً عاماً، ولساناً لما لم يعد الناس قادرين على قوله بصوتٍ عالٍ.

في اليوم اليمني للصحافة، لا نحتفي بالحبر والورق والشاشات بقدر ما نحتفي بتلك القدرة النادرة على تحويل الألم إلى معنى، والخبر إلى شهادة، والصمت إلى سؤال. فالصحافة اليمنية، في أفضل صورها، لم تكن مجرد ناقلٍ للأحداث، بل كانت محاولة مستمرة لحماية الإنسان من أن يتحول إلى رقم، ولحماية الذاكرة من أن تُدفن تحت ركام الأيام.

حين تكتب الصحافة ما عجز الوطن عن قوله، فإنها تمنح الوجع لغةً لا تحرّض على الكراهية، بل تدعو إلى الفهم. وهي لا تبحث عن انتصار طرفٍ على طرف، بل عن انتصار الحقيقة على التزييف، والكرامة على الامتهان، والحياة على ثقافة الموت. فالصحفي الصادق لا يقف في صف الضجيج، بل في صف المعنى؛ لا يضيف ناراً إلى الحريق، بل يبحث عن قطرة ماءٍ في زمن الجفاف.

لقد عاش اليمنيون سنواتٍ طويلة وهم يرون الأخبار تتحول أحياناً إلى جدران تفصلهم، لا نوافذ تجمعهم. رأوا كيف يمكن للكلمة أن تُستعمل كسلاح، وكيف يمكن للصورة أن تُقتطع من سياقها، وكيف يمكن للحقيقة أن تُشوَّه حتى لا يبقى منها سوى ظلٍّ مرتبك. لذلك تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى صحافة لا تكتفي بالسبق، بل تسأل عن الأثر؛ لا تلهث خلف الإثارة، بل تحترم عقل القارئ ووجع الناس وكرامة الضحايا.

ليست الصحافة الحرة امتيازاً، بل هي حقٌ للمجتمع قبل أن تكون حقاً للصحفي. فالناس لا يستطيعون بناء مستقبلٍ سليم إذا حُجب عنهم ما يجري في حاضرهم. ولا يمكن لوطنٍ أن يشفى من جراحه إذا مُنع من تسمية ألمه، أو أُجبر على الصمت، أو قيل له إن السؤال خيانة وإن النقد عداوة.

لكن حرية الصحافة لا تكتمل إلا بأخلاقها. فالكلمة التي تطالب بالحقيقة يجب أن تكون صادقة مع نفسها أولاً. لا يجوز أن تتحول الصحافة إلى منبرٍ للانتقام، أو سوقٍ للتشهير، أو أداةٍ لتغذية الانقسام. فكما أن إسكات الصحفي خطر على المجتمع، فإن تلويث الصحافة بالتضليل والتحريض خطر لا يقل قسوة. إن الكلمة أمانة، ومن يحملها عليه أن يدرك أنها قد تفتح باباً للسلام، وقد تغلق آخر نافذةٍ للثقة.

ما يحتاجه اليمن اليوم ليس صحافةً تصرخ أكثر، بل صحافةً ترى أعمق. صحافة تنحاز للإنسان قبل التصنيفات، وللحقيقة قبل الولاءات، وللمستقبل قبل الثأر. صحافة تعرف أن البلاد لا تُبنى بإلغاء المختلف، ولا تنهض حين يحتكر أحدٌ الكلام باسم الجميع. فالوطن أوسع من روايةٍ واحدة، والحقيقة أكبر من صوتٍ منفرد، والناس لا يجتمعون إلا حين يشعر كل واحدٍ منهم أن كرامته مرئية وصوته مسموع.

في القرى البعيدة، في المدن المتعبة، في وجوه الأمهات المنتظرات، في عيون الشباب الذين يبحثون عن فرصةٍ لا عن معجزة، توجد حكايات لا تصل إلى المنابر الكبرى. وهنا تبدأ مهمة الصحافة الحقيقية: أن تقترب من الهامش، أن تنصت لمن لم يعتد أحدٌ الإصغاء إليهم، أن تقول إن الإنسان البسيط ليس تفصيلاً في نشرة أخبار، بل هو جوهر الحكاية كلها.

إن الصحفي اليمني الذي يكتب في ظروفٍ صعبة، بإمكانات محدودة، وتحت ضغوطٍ لا يعرفها إلا من عاشها، لا يمارس عملاً عادياً. إنه يحرس جزءاً من روح البلد. قد لا يملك سلطة القرار، لكنه يملك سلطة السؤال. وقد لا يستطيع أن يوقف الحرب، لكنه يستطيع أن يمنع الكذب من أن يصير تاريخاً. وقد لا يملك أن يعيد للناس ما فقدوه، لكنه يستطيع أن يقول للعالم إنهم كانوا هنا، وإن وجعهم حقيقي، وإن أحلامهم لا تزال تستحق الحياة.

في اليوم اليمني للصحافة، لعل أصدق احتفاءٍ بهذه المهنة أن نحمي حقها في أن تكون حرة، وأن نطالبها في الوقت نفسه بأن تكون نبيلة. فالوطن الذي يخاف من الكلمة لا يثق بنفسه، والصحافة التي تخون المعنى لا تستحق ثقة الناس. وبين الخوف والخيانة، هناك طريق ثالث: طريق الكلمة الشجاعة، المسؤولة، الرحيمة، التي لا تجرح الحقيقة ولا تهين الإنسان.

حين تكتب الصحافة ما عجز الوطن عن قوله، فإنها لا تتحدث بدلاً عنه، بل تساعده على استعادة صوته. تذكّره بأنه لم يُخلق للصمت، وأن جراحه ليست قدراً أبدياً، وأن أبناءه، مهما اختلفوا، قادرون على أن يجدوا لغةً مشتركة تبدأ من الاعتراف بالألم وتنتهي بالأمل.

فالصحافة ليست مجرد مهنة تبحث عن خبر، بل وعدٌ بأن يبقى للبلاد شاهد، وللناس صوت، وللحقيقة مكانٌ لا تطفئه العواصف. وفي يمنٍ أنهكته السنوات، تكفي أحياناً كلمة صادقة لتقول ما عجز الوطن كله عن قوله: إننا ما زلنا نستحق وطناً يسمعنا، ونستحق صحافةً لا تخاف أن تسمع الوطن أيضاً.