الجمعة 31 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • جمهورية التصريحات: عندما تصبح السيادة «هَبّة» والولاء حساباً جارياً!

جمهورية التصريحات: عندما تصبح السيادة «هَبّة» والولاء حساباً جارياً!

في الدول المحترمة تتحدث المؤسسات… وفي اليمن يتحدث الجميع، إلا الدولة!
هناك قاعدة بسيطة في السياسة يفهمها حتى من لا يملك شهادة في العلوم السياسية:
ليس كل من يملك ميكروفوناً يملك قراراً.

وليس كل من جلس على كرسي مسؤول يستطيع أن يحول كلامه إلى سياسة دولة.

فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق: «أنا قلت».

تُدار بمنطق: من يملك الصلاحية؟ ومن راجع القرار؟ ومن سيتحمل نتائجه؟

وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة بين دولة المؤسسات و«جمهورية التصريحات» التي نعيش بعض فصولها في اليمن.

في الدول التي لديها مؤسسات حقيقية، تستطيع أن تسمع تصريحاً من رئيس، أو وزير، أو نائب، لكنك تعرف أن وراء الدولة أجهزة ومؤسسات وقوانين وآليات قرار.

هناك فرق بين رأي سياسي، وتصريح رسمي، وقرار حكومي، وموقف مؤسسي.

والفرق ليس في قاموس اللغة.

الفرق في العواقب.

فإذا قالت مؤسسة أمريكية موقفاً في ملف حساس، فذلك الموقف لا يُقرأ باعتباره «مزاج موظف»، بل باعتباره جزءاً من منظومة سياسية وقانونية لها حساباتها.

أما عندنا، فالمشهد أحياناً أقرب إلى برنامج مسابقات:

من يستطيع أن يصدر أكبر تصريح قبل أن يصدر المسؤول الآخر تصريحاً أكبر منه؟

واحد يتحدث باسم الجمهورية.

الثاني يتحدث باسم الشرعية.

الثالث يتحدث باسم السيادة.

الرابع يتحدث باسم الشعب.

الخامس يتحدث باسم التحالف.

والسادس… لا أحد يعرف بالضبط باسم من يتحدث، لكنه يتحدث بثقة شديدة!

ثم يجلس المواطن اليمني أمام الشاشة ويقول:

طيب… ومن يتحدث باسم اليمن؟

فتأتي الإجابة الوطنية الخالدة:

«سيصدر بيان لاحقاً».

-----

المؤسسة تفكر… والمسؤول المنفعل يغرّد

المشكلة ليست أن المسؤول يتحدث.

بل إن المسؤول الذي لا يتحدث ولا يشرح ولا يبرر ليس مسؤولاً جيداً.

لكن الفرق أن المؤسسة لا يفترض أن تكون حالة انفعالية.

المؤسسة لديها ملفات.

لديها مستشارون.

لديها قانونيون.

لديها أجهزة معلومات.

لديها خبراء.

ولديها، وهذا الأهم، ذاكرة دولة.

أما المسؤول الذي يتصرف وكأنه اكتشف السياسة الخارجية صباح اليوم، فقد يطلق تصريحاً في عشرين ثانية، ثم تقضي الدولة عشرين عاماً في محاولة إصلاح نتائجه.

وهنا نصل إلى السؤال:

من يتحمل مسؤولية التصريح؟

إذا كان الجواب: «المسؤول قالها بصفته الشخصية»، فلماذا استخدم منصب الدولة؟

وإذا كان الجواب: «هذا موقف الجمهورية»، فأين المؤسسة التي اعتمدته؟

هذه ليست أسئلة ترف.

هذه هي أساس الدولة.

---

في اليمن: كلما قلّ الإنجاز زاد التصريح

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.

لدينا مسؤول قد لا يستطيع حل مشكلة مؤسسة صغيرة، لكنه يستطيع في مقابلة تلفزيونية أن يحل أزمة الشرق الأوسط بأكمله!

مسؤول آخر لا يستطيع توفير خدمة أساسية للمواطن، لكنه يستطيع أن يعلن للعالم أن «السيادة خط أحمر».

ومسؤول ثالث لم نرَ أثره في التنمية، ولا في الاقتصاد، ولا في الخدمات، لكنه يظهر فجأة عندما تكون هناك كاميرا ويبدأ الحديث عن «المصلحة الوطنية العليا».

يا سلام!

الوطنية عند البعض موسمية مثل المانجو.

تظهر عند الحاجة، وتختفي بعد انتهاء الموسم.

والأطرف أن بعض المسؤولين يتحدثون عن السيادة وكأن السيادة راتب شهري يُصرف لهم.

بينما المواطن يسأل:

أين الدولة؟

أين المؤسسات؟

أين القرار؟

أين الخدمات؟

أين الاقتصاد؟

أين الأمن؟

فيأتيه الرد:

«لا تقلق… لدينا موقف وطني قوي».

والمواطن، من شدة الفرح، يذهب ليشرب ماءً من بيان التصريح.

---

من السيادة إلى «الحساب الجاري»

المشكلة الأخطر ليست في التصريحات نفسها.

المشكلة عندما تصبح السياسة وسيلة للحصول على المكافأة.

عندما يتحول الولاء إلى استثمار.

وعندما تصبح المناصب نتيجة لعلاقة شخصية أكثر من كونها نتيجة للكفاءة.

وعندما يصبح التصريح الوطني شديد اللهجة وسيلة لإرسال رسالة إلى الممول:

«انظروا… أنا ما زلت معكم أكثر من الجميع».

هنا تتحول السياسة من خدمة الدولة إلى سوق.

وهنا يصبح السؤال ليس:

ماذا تحتاج اليمن؟

بل:

ماذا يحتاج صاحب المنصب لكي يستمر؟

وهذا هو الفرق بين رجل الدولة وموظف الولاء.

رجل الدولة قد يقول لمن يدعمه:

هذا القرار لا يخدم اليمن.

أما موظف الولاء فيقول:

أين أوقع؟

والتوقيع في بعض الجمهوريات السياسية لا يحتاج إلى قلم.

يكفي أن يكون الحساب الجاري في المكان الصحيح!

---

الدولة لا تحتاج إلى «أبطال بيانات»

اليمن ليست بحاجة إلى مزيد من أبطال البيانات.

ليست بحاجة إلى مسؤول يكسر الدنيا في المؤتمر الصحفي ثم تعود الدنيا كما كانت بعد انتهاء المؤتمر.

ليست بحاجة إلى خطيب يرفع سقف الكلام بينما ينخفض سقف الإنجاز.

اليمن بحاجة إلى مسؤول عندما يتحدث يعرف أن خلف كلماته دولة كاملة.

يعرف أن التصريح قد يؤثر على اقتصاد.

وقد يؤثر على علاقات دولية.

وقد يفتح أزمة.

وقد يغلق باب تفاوض.

وقد يضر بمواطنين.

وقد يغير حسابات أطراف أخرى.

لذلك يفكر قبل أن يتحدث.

ليس خوفاً من الخارج… بل احتراماً للدولة.

---

المشكلة ليست في قوة التصريح… بل في قوة الدولة

هناك من يعتقد أن الدولة القوية هي التي تصدر تصريحات قوية.

لا.

الدولة القوية هي التي لا تحتاج إلى الصراخ لإثبات وجودها.

قوتها في مؤسساتها.

في اقتصادها.

في قانونها.

في جيشها.

في دبلوماسيتها.

في قدرتها على حماية مواطنيها.

وفي قدرتها على اتخاذ قرار مستقل ثم تحمل نتائجه.

أما رفع الصوت فليس دليلاً على السيادة.

وإلا لكانت أكثر الدول سيادة هي التي تملك أعلى مكبر صوت!

---

الخاتمة: اليمن ليست حساباً شخصياً

المشكلة اليمنية اليوم ليست نقصاً في الكلمات.

لدينا كلمات تكفي لبناء عشر دول.

لدينا بيانات تكفي لإدارة قارة.

لدينا خطب تكفي لإعادة رسم حدود العالم.

لكن ما ينقصنا هو الشيء البسيط:

مؤسسات.

مؤسسات تقول للمسؤول:

تحدث باسم الدولة عندما تكون مخولاً.

ومؤسسات تقول له:

لا تستخدم السيادة لتغطية الفشل.

ومؤسسات تقول له:

لا تحول الولاء إلى مصدر دخل.

ومؤسسات تقول له:

المنصب ليس ملكية خاصة.

والأهم:

اليمن ليست حساباً جارياً لأحد.

لا لمن يدفع.

ولا لمن يوزع المناصب.

ولا لمن يشتري الولاءات.

ولا لمن يعتقد أن الوطنية تُقاس بعدد التصريحات التي يطلقها.

فالدولة التي تتحول فيها السيادة إلى «هبة»، والولاء إلى «مكافأة»، والمنصب إلى «استثمار شخصي»…

لن ينقذها ألف تصريح.

لأن المشكلة ببساطة ليست أن المسؤول قال شيئاً خاطئاً.

المشكلة أن هناك دولة سمحت له أن يعتقد أن اليمن ملكية خاصة يستطيع أن يتحدث باسمها متى شاء، ويبيع مواقفها لمن يشاء، ثم يعود ليحدثنا عن السيادة!

وهنا لا نحتاج إلى بيان جديد.

نحتاج إلى دولة.

دولة يتحدث باسمها الرجال عندما تكون مؤهلين… وتصمت أفواه الهواة عندما تكون مصلحة اليمن هي التي تتحدث.