الجمعة 31 يوليو 2026

اليمن... مكانه شريكٌ لا تابع

ليست استقالة معالي الوزير المهندس محمد بدر باسلمة، مجرد موقف شخصي يمكن أن يمر دون تأمل، بل رسالة سياسية وأخلاقية تستحق التوقف عندها. وتعكس إحساسًا وطنيًا صادقًا، واستشعارًا للمسؤولية تجاه وطن يزداد غرقًا في أزماته عامًا بعد آخر، وكأنها محاولة أخيرة لدق ناقوس الخطر.

باسلمة
باسلمة

لقد بات من الصعب إنكار حقيقة يراها الجميع، وهي أن القرار السياسي اليمني لم يعد يتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال، وأن التأثير السعودي في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أصبح حاضرًا في معظم الملفات، وإن اختلفت درجاته من مسؤول إلى آخر. وهذه ليست قضية اتهام أو خصومة، بقدر ما هي توصيف لواقع تفرضه الأحداث والنتائج، فالوقائع لا تُجادَل، وإنما يُنظر إلى آثارها على الدولة ومستقبلها.

غير أن المشكلة ليست في وجود دور للمملكة العربية السعودية، فهي دولة كبيرة، ولها مصالح مشروعة واعتبارات أمنية لا يمكن تجاهلها، كما أن أمن اليمن وأمن السعودية متداخلان بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح بشجاعة ومسؤولية هو: ما طبيعة هذه العلاقة؟ هل هي علاقة شراكة بين بلدين شقيقين تجمعهما المصالح والاحترام المتبادل، أم علاقة يغيب فيها التوازن، فيصبح أحد الطرفين صاحب القرار، بينما يكتفي الآخر بتنفيذ ما يُملى عليه؟

إن اليمن لا يبحث عن خصومة مع أحد، ولا يسعى إلى منافسة أشقائه، لكنه يرفض أن يكون مجرد ساحة لإدارة الحسابات الإقليمية، أو ورقة تُستخدم في موازين القوى. فمكانة اليمن الطبيعية ليست موقع التابع، وإنما موقع الشريك الكامل، شريكٍ يمنح أكثر مما يأخذ، ويحمي أكثر مما يطالب بالحماية، ويصون العهود أكثر مما يطالب بضماناتها.

وعبر تاريخه الطويل، لم يكن شعب اليمن عبئًا على جواره، بل كان سندًا له. عُرف أهله بالأمانة والوفاء، واحترام الكلمة، والالتزام بالعهد، وهي قيم صنعت مكانته بين الأمم قبل أن تصنعها السياسة. ولهذا فإن أي مشروع إقليمي يطمح إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في الجزيرة العربية لن يكتب له النجاح إذا نظر إلى اليمن باعتباره هامشًا أو منطقة نفوذ، لا شريكًا كامل الحقوق والواجبات.

وإذا كانت المملكة تمتلك رؤية لمستقبل المنطقة، وتسعى إلى بناء فضاء أكثر استقرارًا وازدهارًا، فإن نجاح هذه الرؤية مرهون بقدرتها على استيعاب اليمن بوصفه شريكًا لا تابعًا، لأن الدول لا تُبنى بعلاقات الهيمنة، وإنما بعلاقات الثقة والمصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: من شكّل مجلس القيادة الرئاسي؟ ومن رسم ملامح الحكومة؟ ومن اختار الوزراء ورشحهم؟ فإذا كان هناك خلل في الأداء أو ضعف في القرار أو عجز عن مواجهة التحديات، فإن الرسالة يجب أن تُوجَّه أولًا إلى الجهات التي تمتلك تأثيرًا حقيقيًا في صناعة القرار، بأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة اليمن، لا حجم القبول الخارجي أو درجة الولاء لهذا الطرف أو ذاك.

إن بناء الدول لا يتحقق بالطاعة العمياء، ولا بإلغاء استقلالية القرار الوطني. فالقيادات التي تُسلب إرادتها لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية وطن، ولا أن تُحسن تقدير مصالحه، لأن الحرية هي أساس الكرامة، والاستقلال هو أساس الحكمة في اتخاذ القرار.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس أن يكون اليمن والسعودية في مواجهة، ولا أن تكون العلاقة بينهما علاقة غالب ومغلوب، وإنما أن يُنظر إليهما كجناحين لأمن الجزيرة العربية واستقرارها، وأن تُبنى العلاقة على قاعدة الشراكة الصادقة، حيث تكون مصلحة اليمن جزءًا من مصلحة السعودية، كما تكون مصلحة السعودية جزءًا من مصلحة اليمن.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إدارة الأزمات لا تصنع استقرارًا، وأن إطالة الصراع لا تنتج إلا مزيدًا من الإنهاك للجميع. أما المستقبل، فلن يكون إلا ببناء دولة يمنية قوية، ذات قرار وطني مستقل، تتعاون مع أشقائها من موقع الندية والاحترام المتبادل، لا من موقع التبعية أو الإملاء.

فاليمن، بتاريخ حضارته، وعمق انتمائه العربي، وموقعه الاستراتيجي، وثروته الطبيعية والبشرية، ليس بلدًا يطلب لنفسه امتيازًا على أحد، وإنما يطالب بحقه الطبيعي في أن يكون شريكًا محترمًا. فهو بلدٌ إذا ائتُمن حفظ الأمانة، وإذا عاهد وفى، وإذا شارك قدّم أكثر مما أخذ. وهذه هي المكانة التي تليق باليمن، وهي وحدها القادرة على أن تصنع مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا للمنطقة بأسرها.