الجمعة 31 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • مومياوات اليمن.. قراءة تاريخية في الإرث الجنائزي وتحديات الحفظ والصون

مومياوات اليمن.. قراءة تاريخية في الإرث الجنائزي وتحديات الحفظ والصون

تُعد المومياوات اليمنية من أهم الشواهد الأثرية التي تكشف جانبًا من تطور الممارسات الجنائزية في جنوب الجزيرة العربية، وتمثل دليلًا على ما بلغته مجتمعات جنوب الجزيرة القديمة من معرفة في حفظ الجثث وتهيئتها للدفن وفق معتقدات دينية واجتماعية ارتبطت بالإيمان باستمرار الحياة بعد الموت. وعلى الرغم من أن ظاهرة التحنيط ارتبطت في الوعي العام بالحضارة المصرية، فإن الاكتشافات الأثرية أثبتت أن جنوب الجزيرة القديم عرف تقاليد محلية للتحنيط، اتسمت بخصائص مستقلة اعتمدت على البيئة المحلية والمواد الطبيعية المتوافرة، وهو ما يمنحها قيمة حضارية وعلمية تستحق مزيدًا من الدراسة.

وترتبط هذه الممارسة بتاريخ ممالك اليمن القديم، وفي مقدمتها سبأ، وقتبان، وأوسان، وحضرموت، وحِمير، التي أولت اهتمامًا بالغًا بطقوس الدفن، فشيدت المقابر الصخرية والمدافن العائلية، واستخدمت الجلود والأقمشة الكتانية والمواد النباتية والراتنجات العطرية في تجهيز الموتى. وتشير الشواهد الأثرية إلى أن تقنيات التحنيط في ممالك جنوب الجزيرة العربية لم تكن محاكاة مباشرة للتجربة المصرية، وإنما تطورت في إطار محلي يتلاءم مع البيئة الجغرافية والموارد المتاحة، مع احتمال وجود تواصل حضاري محدود مع مناطق الشرق الأدنى القديم.

ولسنوات طويلة بقيت المومياوات اليمنية بعيدة عن دائرة الاهتمام العلمي، واقتصر الاعتقاد على أن التحنيط كان يمارس داخل المقابر المنحوتة أو المبنية هندسيًا. إلا أن الاكتشافات المتتابعة غيّرت هذا التصور، وأثبتت أن التحنيط كان يُمارس أيضًا داخل الكهوف الطبيعية والملاجئ الصخرية، وهو ما يدل على تنوع البيئات الجنائزية واتساع نطاق هذه الممارسة في ممالك جنوب الجزيرة العربية القديمة.

وتعود أول الاكتشافات العلمية البارزة إلى مومياوات شبام الغراس شمال صنعاء، التي كشفت عن استخدام الأكفان الكتانية والجلود والمواد النباتية في حفظ الجثث، وأسهمت في تغيير النظرة التقليدية التي كانت تحصر التحنيط في الحضارة المصرية. ثم توالت الاكتشافات في وادي ظهر، ووادي موث بمحافظة الضالع، وأخيرًا في حضرموت، مؤكدة أن التحنيط كان جزءًا أصيلًا من التراث الجنائزي في جنوب الجزيرة العربية قديمًا.

موميات شبام الغراس
موميات شبام الغراس

ومن أبرز هذه الاكتشافات ما أسفر عنه النزول الميداني الذي نفذته الهيئة العامة للآثار والمتاحف لفحص بقايا مومياوات عُثر عليها في مقبرة كهفية بوادي موث بمنطقة حجاج، مديرية جِبن بمحافظة الضالع، وذلك عقب تعرض الموقع للعبث والنهب عام 2011م. وقد شُكل فريق متخصص في الآثار والأنثروبولوجيا لمعاينة الموقع ودراسة البقايا التي كانت محفوظة في ظروف غير ملائمة، حيث أظهرت المعاينة وجود بقايا عظام بشرية، وأجزاء جلدية، وأكفان مصنوعة من جلود حيوانية، وأقمشة كتانية سميكة ورقيقة، بعضها مزخرف وملون، إضافة إلى أحزمة جلدية ومواد يُعتقد أنها استُخدمت في عملية التحنيط، إلى جانب قطعة خشبية مجوفة وجزء من إناء فخاري. كما كشف توثيق الموقع عن وجود منشآت مائية ودفاعية وآثار استيطان بشري قديم في الوادي، بما يرجح أن المقبرة كانت جزءًا من مشهد عمراني وجنائي متكامل. وتشير النتائج الأولية إلى وجود دفن جماعي وفق طقوس التحنيط، مع تشابه واضح بين مومياوات وادي موث ومومياوات حضرموت ووادي ظهر، وهو ما يؤكد اتساع نطاق ممارسة التحنيط في ممالك جنوب الجزيرة.

ويضاف إلى ذلك الاكتشاف الحديث في محافظة حضرموت، حيث عُثر على ثلاث مومياوات داخل كهف طبيعي في مديرية الريدة وقصيعر، وهو اكتشاف فتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين، وأعاد طرح تساؤلات حول وجود مواقع جنائزية أخرى ما تزال مخفية في جبال وأودية جنوب اليمن. كما يشير هذا الاكتشاف إلى أن الكهوف الطبيعية ربما أسهمت في حفظ الأجساد عبر قرون طويلة، سواء نتيجة تقنيات التحنيط المتعمد أو بفعل الظروف البيئية الملائمة.

مومياء حضرموت
مومياء حضرموت

ورغم القيمة التاريخية والعلمية لهذه الاكتشافات، فإن المومياوات اليمنية تواجه اليوم أخطارًا متزايدة تهدد بقاءها. ففي مقدمة هذه الأخطار أعمال النهب والعبث بالمقابر الأثرية، التي أدت إلى فقدان كثير من سياقات الدفن الأصلية، وهو ما يحرم الباحثين من معلومات لا تقل أهمية عن المومياوات نفسها. كما يؤدي سوء الحفظ والتخزين، والتعرض للرطوبة والحرارة والتلوث، إلى تلف المواد العضوية من جلود وأقمشة ومواد تحنيط، وهي عناصر تمثل مصدرًا أساسيًا لدراسة الطب القديم، والأمراض، والبيئة، والنظام الغذائي، والتقنيات الجنائزية.

وتكشف بعض الوقائع حجم الإهمال الذي تعرض له هذا الإرث الحضاري؛ إذ تداولت وسائل الإعلام صورًا لإحدى المومياوات اليمنية في صنعاء وقد وُضعت في ظروف حفظ متردية بالقرب من أكوام المخلفات، في مشهد صادم يعكس هشاشة منظومة حماية التراث الأثري في البلاد. وبغض النظر عن الملابسات التي أفضت إلى ذلك، فإن هذه الحادثة أصبحت رمزًا لما قد يواجهه التراث الأثري عندما تغيب سياسات الحفظ والصيانة، وتضعف الإمكانات الفنية والمؤسسية، خاصة في ظل سنوات الصراع التي أثرت بصورة مباشرة في المؤسسات المعنية بحماية الآثار.

كما تتجلى هذه الإشكالية في تقرير فحص مومياوات وادي موث، الذي أوضح أن البقايا الأثرية ظلت محفوظة في مقر أمني بظروف غير مناسبة قبل نقلها للفحص العلمي، وهو ما دفع الفريق المختص إلى التوصية بإعادة دفن البقايا العظمية بصورة علمية، وتوفير مكان ملائم لحفظ المومياوات، واستكمال أعمال المسح والاستكشاف الأثري، وتفعيل التشريعات الخاصة بحماية الآثار، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا التراث.

إن المومياوات اليمنية لا تمثل مجرد بقايا بشرية محفوظة، بل تعد وثائق تاريخية من الدرجة الأولى، تختزن معلومات عن الطب، والبيئة، والأنساب، والمعتقدات، والعلاقات الحضارية، ومستوى المعرفة التقنية في اليمن القديم. ومن ثم، فإن مستقبل دراسة هذا الإرث يتطلب الانتقال من مرحلة الاكتشافات المتفرقة إلى مشروع وطني متكامل للتوثيق والصون والبحث العلمي، يشمل إنشاء مختبرات متخصصة، وإجراء تحاليل الكربون المشع والحمض النووي، وتوثيق جميع مواقع الدفن، بما يعيد للمومياوات اليمنية مكانتها المستحقة ضمن التراث الإنساني العالمي، ويحفظ هذا الإرث للأجيال القادمة بوصفه شاهدًا حيًا على عراقة حضارة اليمن.

*استاذة التاريخ القديم في جامعتي لحج وعدن