الجمعة 19 يونيو 2026

أنيس الذي علّمنا التواضع والثبات

أثناء أحداث يونيو 1978م، كنتُ مع مجموعة من الشباب في المليشيا الشعبية، ونحن في الثاني الثانوي، نتناوب على حراسة الرفيق أنيس حسن يحيى والرفيق صالح حسن محمد، عضو المكتب السياسي المرشح للتنظيم السياسي الموحد – الجبهة القومية، مدير المدرسة الحزبية العليا.

أنيس حسن يحيى
أنيس حسن يحيى

منذ تلك الأيام تأثرتُ ببساطة الرفيقين في حياتهما، وبما تحلّيا به من تواضعٍ جمّ ونُبلٍ إنساني رفيع. وظللت أتابع باهتمام حضور الرفيق أنيس، بحكم موقعه القيادي في الحزب والدولة، كرجل اقتصاد ومفكر ارتبط فكره بقضايا مجتمعه وهموم شعبه، وبفضل حضوره المؤثر في الساحات السياسية والاقتصادية والفكرية.

عندما كان يتحدث أو يكتب القائد الفذ، الحكيم الصلب أنيس حسن يحيى، كنت أشعر أن في كلماته درراً من الحكمة والتجربة والمعرفة. وقد أصبحت هذه قناعة راسخة لدي منذ عرفته في تلك المرحلة المبكرة من حياتي.

اتسم أنيس بمواقفه الصلبة التي لا تعرف المهادنة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن قضايا الوطن والأمة والإنسانية جمعاء. وكان يرى أن الانحياز للحق واجب لا يقبل المساومة، وأن الكرامة الوطنية لا تُقاس بالمكاسب الآنية، بل بسلامة الموقف ونبل الغاية.

وقد ظل صادقاً مع مبادئه، وفياً للطريق الذي اختاره حتى آخر أيام حياته في جمع الناس وتوحيد مواقفهم للغايات النبيلة.

عندما قال الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)، معلقاً على الحوار بين فصائل العمل الوطني قبيل قيام التنظيم السياسي الموحد – الجبهة القومية: «أطول حوار في العالم في أصغر بلد في العالم»، لم نكن ندرك آنذاك حجم القدرات الفكرية والسياسية التي كانت تمتلكها القوى المتحاورة مع الجبهة القومية، حتى أدركنا لاحقاً القيمة الفكرية والسياسية لشخصيات بحجم عبدالله باذيب وأنيس حسن يحيى ورفاقهما.

كنا نرى من هو خارج الجبهة القومية وينتقد إجراءاتها طابور خامس، ولم نكترث لكلام الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل عندما كان ينتقد شعار "كل الشعب قومية" حتى من بعض أقرب الرفاق إليه.

وكنا، في كثير من الأحيان، نزقين في أحكامنا. كانت الجبهة القومية، كأي تجربة تاريخية كبرى، لها إيجابياتها وسلبياتها، رغم الانضباط الحديدي الذي حكم مسار عملها. وحين توحدنا مع حزب الطليعة الشعبية واتحاد الشعب الديمقراطي، اكتشفنا قيمة إضافية للعمل الوطني، وأدركنا أن كثيرين ممن كنا نتوهم أنهم يقفون في صف مناهض لتوجهنا كانوا شركاء حقيقيين في مشروع البناء الوطني، لا معرقلين له كما كنا نعتقد.

كان حضور أنيس حسن يحيى قوياً، لا تنال منه العواصف، راسخاً في المبادئ، لا تزعزعه التقلبات، وعصياً على الإغراءات والمكاسب العابرة.

كانت جلسة قصيرة مع أنيس حسن يحيى كافية لتقنعك بأنك أمام أبٍ حكيم، ورفيق عزيز، يزرع الثقة والحماس في نفوس من يستمعون إليه، ويمنحهم يقيناً بأن الغد الأفضل ممكن، بل وآتٍ لا محالة إذا اقترن الإيمان بالعمل والإرادة بالفعل.

رأى فيه الشباب صديقاً قريباً منهم، حتى وهو في ثمانينيات عمره، لما امتلكه من روح متجددة وقدرة نادرة على الإصغاء والحوار والتفاعل مع الأجيال الجديدة. فكان بالنسبة لهم نموذجاً للقائد الذي لا تفصله عن الناس الحواجز ولا المناصب.

وكان من فرط محبة الناس له وتقديرهم لسيرته ومسيرته أن أطلقوا اسمه على أحد شوارع المنصورة وهو لا يزال على قيد الحياة، في دلالة نادرة على المكانة التي احتلها في وجدان الناس، رغم أنه عاش في شقة متواضعة ولم يعرف الترف أو التباهي.

ورغم نشأته في أسرة معدمة، شق طريقه بعصامية نادرة، فجمع بين النجاح الشخصي والالتزام الوطني، وظل غيوراً على بلاده، مؤمناً باليمن الديمقراطي الموحد، وسار مع رفاقه من رواد الفكر والنضال منذ انخراطه المبكر في مقاومة الاستعمار البريطاني، وفي مقدمتهم عبدالفتاح إسماعيل وعبدالله باذيب، في ترسيخ قيم الاشتراكية العلمية بوصفها منهجاً لتحقيق العدالة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي الوقت ذاته، كان أممياً رحب الأفق، تمتد اهتماماته إلى آفاق الإنسانية الواسعة، مؤمناً بحق الشعوب في الحرية والعدالة والتقدم.

وبرحيل الرفيق أنيس حسن يحيى، فقد الحزب الاشتراكي اليمني واحداً من أبرز مؤسسيه، ومن الذين أسهموا في ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر. كما فقد الوطن واحداً من رجاله الأوفياء الذين عاشوا للمبدأ ولم يساوموا عليه، وتركوا في الذاكرة الوطنية سيرةً ناصعةً من الصدق والنزاهة والثبات. وستظل سيرته حاضرةً في وجدان محبيه ورفاقه، ونموذجاً يُحتذى به للأجيال القادمة، وشاهداً على أن الرجال الكبار يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون بإرثهم ومواقفهم.

العزاء لأسرته، ولرفاق دربه في الحزب، وللوطن الذي فقد أحد أبنائه المخلصين والمدافعين عن حريته ووحدته وسيادته.

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.