الخميس 4 يونيو 2026

الإعلام والقضية الفلسـ ـ ـطينية

يشكل الإعلام أحد أبرز أدوات التأثير في المجتمعات الحديثة، إذ لا يقتصر دوره على نقل الأخبار والمعلومات، بل يتعدى ذلك إلى صناعة الوعي العام وتوجيه الرأي العام وصياغة التصورات السياسية والثقافية. ومن ثمّ، فقد ارتبط الإعلام بمختلف أشكال السلطة والنفوذ، بوصفه وسيلة للتعبير عن السياسات والترويج للأفكار والدفاع عن المصالح والاستراتيجيات.

وفي هذا السياق، لم تكن القضية الفلسطينية بمنأى عن التأثير الإعلامي، بل شكلت على الدوام إحدى أبرز القضايا التي تنازعتها الخطابات الإعلامية المختلفة، تبعاً لاختلاف المرجعيات السياسية والفكرية والأيديولوجية. وقد أفرز ذلك أنماطاً متعددة من التناول الإعلامي للقضية الفلسطينية، يمكن تصنيفها – بصورة عامة – ضمن ثلاثة اتجاهات رئيسية: الإعلام الصهيوني، والإعلام العربي المهادن أو المطبع، والإعلام العربي المقاوم بمختلف توجهاته الفكرية والسياسية.

ويسعى هذا المقال إلى استعراض أبرز ملامح هذه الاتجاهات الإعلامية، وتحليل طبيعة خطابها تجاه القضية الفلسطينية، ومدى تأثيرها في تشكيل الرأي العام المحلي والدولي.

أولاً: الإعلام الصهيوني

تناول الإعلام الصهيوني القضية الفلسطينية من منظور يعكس الرؤية السياسية والفكرية للحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية، حيث سعى منذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني إلى بناء سردية إعلامية تبرر قيام إسرائيل وتدافع عن سياساتها، بالتوازي مع تقديم الرواية الفلسطينية بصورة تتوافق مع الأهداف السياسية الإسرائيلية.

وقد رافق نشوء المشروع الصهيوني نشاط دعائي وإعلامي واسع النطاق استهدف الرأي العام الغربي بصورة خاصة، مستفيداً من الإمكانات التنظيمية والمالية التي امتلكتها المؤسسات الصهيونية. وتمحورت هذه الجهود حول إبراز فكرة "الوطن القومي اليهودي" وتسويقها باعتبارها حلاً تاريخياً لمعاناة اليهود في أوروبا، مع التركيز على الجوانب الدينية والتاريخية المرتبطة بفكرة "أرض الميعاد" في التراث اليهودي.

كما استثمر الخطاب الإعلامي الصهيوني تداعيات الحرب العالمية الثانية وما تعرض له اليهود في أوروبا من اضطهاد ومجازر، في بناء حالة واسعة من التعاطف الدولي مع المشروع الصهيوني، الأمر الذي انعكس على مواقف العديد من الدول الغربية تجاه القضية الفلسطينية.

وبعد قيام إسرائيل عام 1948م، تطور الخطاب الإعلامي الصهيوني تبعاً للتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة. فكلما حققت إسرائيل مكاسب سياسية أو عسكرية، أعاد الإعلام الإسرائيلي إنتاج خطابه بما يخدم تلك المتغيرات ويعزز شرعية الدولة ومشاريعها. كما عمل على تقديم إسرائيل بوصفها دولة تواجه بيئة إقليمية معادية، مع التركيز على مفاهيم الأمن والتهديد الوجودي، وهي مفاهيم ظلت حاضرة بقوة في مختلف مراحل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي.

وفي السنوات الأخيرة، ورغم ظهور بعض الأصوات الإعلامية الناقدة لبعض السياسات الحكومية داخل إسرائيل، فإن الخطاب الإعلامي العام ظل منخرطاً في الدفاع عن السياسات الإسرائيلية وتبرير العمليات العسكرية وتقديم الرواية الرسمية أمام الرأي العام العالمي.

ثانياً: الإعلام العربي المهادن أو المطبع

اتسم الموقف الإعلامي العربي تجاه القضية الفلسطينية بالتباين، تبعاً لاختلاف التوجهات السياسية للدول والمؤسسات الإعلامية. ومن بين هذه الاتجاهات برز ما يمكن وصفه بالإعلام المهادن أو المطبع، وهو ذلك الخطاب الذي اتجه تدريجياً نحو تبني مقاربات أقل صدامية مع إسرائيل، انطلاقاً من اعتبارات سياسية أو براغماتية فرضتها التحولات الإقليمية والدولية.

وقد مرّ هذا الاتجاه الإعلامي بمراحل متعددة؛ ففي بداياته حافظ على قدر من الالتزام بالخطاب العربي التقليدي الداعم للقضية الفلسطينية، غير أن التحولات السياسية التي أعقبت هزيمة عام 1967م، ثم اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، وما تبعها من مسارات تسوية سياسية، أسهمت في إعادة تشكيل الكثير من مضامينه وخطابه.

ومع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993م، اتجهت بعض الوسائل الإعلامية العربية إلى تبني خطاب يركز على مفاهيم التسوية والسلام والتعايش، باعتبارها خيارات واقعية لمعالجة الصراع. ومع مرور الوقت، تطور هذا الخطاب لدى بعض المنابر الإعلامية ليقترب بدرجات متفاوتة من خطاب التطبيع السياسي والثقافي، سواء عبر تغيير المصطلحات المستخدمة أو من خلال تقديم إسرائيل بوصفها دولة طبيعية ضمن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

وقد تجلت هذه التحولات في طبيعة اللغة الإعلامية المستخدمة، حيث شهدت بعض الوسائل انتقالاً تدريجياً من توصيفات مثل "العدو الصهيوني" و"الكيان الإسرائيلي" إلى مصطلحات أكثر حيادية أو انسجاماً مع الخطاب السياسي الرسمي للدول التي تنتمي إليها.

ويرى منتقدو هذا الاتجاه أن مثل هذه التحولات أسهمت في ترسيخ حالة من التكيف مع الواقع القائم، وأضعفت من حضور الرواية الفلسطينية في بعض المنابر الإعلامية العربية، في حين يرى مؤيدوه أنه يعكس تحولات سياسية فرضتها موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية.

ثالثاً: الإعلام العربي المقاوم

يمثل الإعلام المقاوم اتجاهاً آخر في تناول القضية الفلسطينية، يقوم على تبني خطاب رافض للمشروع الصهيوني ومناصر للحقوق الفلسطينية، مع التركيز على مفاهيم المقاومة والتحرير ورفض الاحتلال.

وقد تنوعت المرجعيات الفكرية والسياسية لهذا الإعلام بين التيارات القومية واليسارية والإسلامية، إلا أنها التقت في اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية تستحق الحضور الدائم في الخطاب الإعلامي العربي.

وخلال فترة الحرب الباردة، ارتبط جزء من هذا الإعلام بخطابات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار، حيث جرى تقديم القضية الفلسطينية بوصفها نموذجاً لقضايا التحرر في العالم الثالث. كما ركزت بعض وسائل الإعلام اليسارية على الأبعاد الوطنية والاجتماعية للصراع، وربطته بالسياقات الدولية المتعلقة بالهيمنة والاستعمار.

وفي العقود اللاحقة، شهد الإعلام المقاوم تحولات متعددة تبعاً للمتغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة. ومع تراجع بعض الخطابات القومية واليسارية التقليدية، برزت وسائل إعلام جديدة ذات مرجعيات إسلامية أو حركات مقاومة مسلحة، تبنت القضية الفلسطينية باعتبارها محوراً أساسياً في خطابها السياسي والإعلامي.

وقد استطاع هذا الإعلام، رغم محدودية إمكاناته مقارنة بالمؤسسات الإعلامية الكبرى، أن يحقق حضوراً ملحوظاً لدى قطاعات واسعة من الجمهور العربي والإسلامي، مستفيداً من التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة، ومن تصاعد الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية في ظل استمرار الصراع.

كما نجح في إعادة طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية في الوعي العربي والإسلامي، في وقت اتجهت فيه بعض الخطابات الإعلامية الأخرى نحو التركيز على أولويات وقضايا مختلفة فرضتها التحولات الإقليمية المتسارعة.

تكشف دراسة الخطابات الإعلامية المختلفة تجاه القضية الفلسطينية عن حجم التباين في الرؤى والمواقف التي تحكم عملية التناول الإعلامي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالإعلام الصهيوني سعى إلى ترسيخ الرواية الإسرائيلية والدفاع عن سياسات الدولة، بينما اتجه الإعلام العربي المهادن إلى تبني مقاربات أكثر توافقاً مع مسارات التسوية والتطبيع، في حين حافظ الإعلام المقاوم على خطاب يقوم على مركزية القضية الفلسطينية ورفض الاحتلال.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل الخطاب الإعلامي العربي تجاه فلسطين: هل نحن أمام ولادة مشروع إعلامي جديد قادر على استعادة حضور القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وصياغة خطاب مهني ومؤثر يجمع بين المصداقية والالتزام بالقضية؟ أم أن المشهد الإعلامي سيظل أسير الاستقطابات السياسية والتحولات الإقليمية التي حكمته خلال العقود الماضية؟

وهو سؤال لا تزال الإجابة عنه مرهونة بما ستفرزه المرحلة المقبلة من تحولات سياسية وإعلامية وثقافية في المنطقة.