وداعاً أنيس
ليس من السهل على الإنسان أن يتماسك وأن يتجلد وأن يحبس دموعه، أمام فقد صديق عزيز، ورفيق درب طويل، لم تنقطع حبال الود والتواصل به، رغم بعد المسافات، ورغم الأحداث التي عصفت بنا جميعاً، وشردتنا في الداخل والخارج، وشغلت كل يمني بنفسه وأطفاله وقوت يومه. واقع مرير، يجعل الفراق الأبدي أشد مرارة، وأشد وطأة على النفس.

رسالة قصيرة لم تتجاوز بضع كلمات، تلقيتها صباح اليوم الأحد، الموافق 31 مايو 2026م، من العزيز عبدالكريم شمسان، يسألني فيها: هل وصلكم خبر بشأن أنيس حسن يحي؟ فشعرت بالدوار، وتيقنت أن أنيس قد رحل. ولا أعرف تفسيراً، لهذا اللغز العجيب، أن تتذكر شخصاً غاب عنك طويلاً، فإذا بك بعد فترة وجيزة تقابله. أما هذه المرة، فها أنا أتذكر أنيس، بعد أن انقطعت رسائله اليومية القصيرة، التي اعتاد ان يرسلها لي، وربما لغيري أيضاً من رفاقه وأصدقائه المقربين، فإذا بي أتلقى نبأ رحيله بعد لحظات من تذكره. وجع يضاعف أوجاعنا التي لم يعد لها حصر، ولا نلمح لها نهاية.
لا أتذكر تاريخاً محدداً لبدء علاقتي برفيقي وصديقي أنيس، الذي كان له من اسمه نصيب. فعلاقتي به تبدو لي وكأنها أزلية، لا يُعرف لها بدء. فإذا ما حانت لحظة نهايتها، بدت كعاصفة هوجاء، تكاد تقتلع المرء من جذوره.
جلست على مكتبي ساهماً، أحملق في اللاشيء. وبحركة غريزية جذبت اللابتوب على مكتبي، كعادتي كل صباح. وتحركت أصابعي، وكأنها مفصولة عن جسدي وعن دماغي، باحثة عن ملف محفوظ منذ سنوات، كتبت فيه عن أنيس، كما عرفته وعايشته، في ما يقارب عشرين صفحة. وبدأت أقرأ ما سبق أن كتبته. تتنقل عيناي بين سطوره وتتفحص كلماته، وترى أنيس بوجهه وابتسامته وقامته الفارعة، يطل من بين الحروف والسطور. قرأت وقرأت، وكأني أتحدث معه وأحاوره، كما اعتدت دائماً، كلما التقيت به. وساقتني الكلمات والعبارات إلى تذكر علاقتنا وهمومنا واهتماماتنا، بكل بتفاصيلها. وكأني أشاهدها عبر الكلمات بالصوت والصورة. وتبرز صور أخرى إلى جانب أنيس، رفيقة دربه ونضاله، زوجته أم باسل، وابنته غادة وابنه باسل، ومعهم أطفال من حولهم، لا أستطيع أن أميز ملامح وجوههم، إنهم الأحفاد، الذين لا أعرفهم.
وواصلت القراءة. وعندما وصلت إلى عنوان (بعض اللمحات الإنسانية في شخصية أنيس)، تسمرت عيناي لبعض الوقت على هذا العنوان، وحلقت روحي في عالم من الذكريات، التي تجاوزت ما كتبته سابقاً، ويصعب علي في هذه اللحظة الحزينة لملمتها في بضع صفحات. فمشوارنا معاً كان طويلاً، وشاقاً في بعض مراحله. ومؤلماً في مرحلته الأخيرة، مرحلة الشيخوخة والمرض والشتات، ومعاناة مجتمعنا الذي أحببناه وأخلصنا له وحلمنا بنهضته ورخائه، وتمزُّق جغرافية وطننا الذي قدمنا أعمارنا قرباناً له. ولأني لا أستطيع في الحالة النفسية المرهقة والذهنية المربكة، أن انسج من الذكريات حروفاً وكلمات متماسكة، عدت لأقرأ ما سبق أن كتبته، عن بعض اللمحات الإنسانية في شخصية العزيز أنيس، واستوقفتني لمحات بعينها، تعبر عن طبيعته وعن صفاته الإنسانية التي تميز بها:
اللمحة الأولى: مقابلتي له، بناءً على طلبه، في بيته بشارع بن بلا، بمدينة المنصورة، بعد عودتي من سوريا، عام 1966م. كنت حينها قد ابتعدت تنظيمياً عن حزب البعث العربي الاشتراكي. استقبلني ببشاشة ولطف ورقة، استقبال صديق مشتاق إلى لقاء صديق قديم. ثم تحدثنا حديثاً هادئاً، كان هدفه اقناعي بالعودة إلى الحزب، من خلال إعطاء الصورة الإيجابية، التي في ذهنه، عن منظمة الحزب. وهذا جانب لعل كثيرين لا يعرفونه في أنيس. ولكن قربي منه وعملنا المشترك الطويل، جعلاني أدرك هذا الجانب في شخصيته. فهو من النوع الذي يرى الجوانب الإيجابية في كل شيء، ولا يكاد يرى الجوانب السلبية المحبطة، أو يأبه بها. طبيعته الإيجابية هذه تولد لديه، ولدى من حوله، شعوراً دائماً بالتفاؤل وعدم الإحباط. ولأني لم أكن أعرف هذا الجانب الإيجابي فيه، فقد اقتنعت بما عرضه عن أوضاع المنظمة الحزبية، كما اقتنعت بالعودة إلى الحزب وتقبلت التكليف الحزبي بتشكيل المكتب العسكري وترؤسه. ولا شك عندي في أن هذه الطبيعة المتفائلة كانت عاملاً مساعداً لنا في مواصلة عملنا الحزبي بنجاح، في أحلك الظروف التي مررنا بها.
اللمحة الثانية: طبيعة أنيس المتفائلة، اقترنت بكرم تفرد به. فنظراً لاعتذاري عن عدم حضور المؤتمر التأسيسي للحزب الاشتراكي اليمني، اتصل بي أنيس، أثناء زيارة له إلى باريس، اتصل بي إلى مدينة بون الألمانية، حيث كنت أواصل دراساتي العليا، ليبلغني برغبته ورغبة الرفاق بأن أزور عدن، لأطلع على ما تم، بالنسبة لتوحيد فصائل العمل الوطني. وقدمت إلى عدن، عبر باريس، وتواصلت معه من مكتب قيادة مطار عدن، لتسهيل بعض إجراءات الدخول. فطلب مني أن أتوجه إليه مباشرة. وما أن وصلت إلى شقته، حتى وجدت أن زوجته الفاضلة أم باسل، قد جهزت كل شيء: طعام العشاء، وغرفة النوم ومجموعة من الصحف المحلية والعربية، حتى لا يتركا لي مجالاً للتفكير في الذهاب إلى الفندق. فحللت ضيفاً عنده، حتى أخذني بعض الرفاق دون علمه إلى التواهي لأمضي ما تبقى من زيارتي القصيرة، في شقة الرفيق حسن شكري.
وكما تصرف أنيس معي، تصرف من قبل مع زميلي السوري، ابن دفعتي في الكلية الحربية السورية، الملازم أول في ذلك الحين، مصطفى حسين البلخي، الذي جاء من دمشق، مكلفاً من قبل القيادة القومية للحزب، لمساعدتنا في إنشاء منظمة (طلائع حرب التحرير الشعبية). فقد فوجئت به، أثناء زيارتي لأنيس، يقف أمامي ويقهقه، عندما رأى في وجهي أمارات الدهشة والاستغراب لوجوده المفاجئ في بيت أنيس، ثم يعانقني ويهمس في أذني: ما رح تهربوا مني. كان قد وصل عدن، وحل ضيفاً على أنيس، الذي لم يكن قد عرفه من قبل. وبقي ضيفاً لديه مدة ليست قصيرة، حتى تم ترتيب سكن خاص به، في عمارة قصر المنصورة، المطلة على سوق المنصورة المركزي (الزريبة). وقد اعتاد أنيس أن يستضيف رفاقه في بيته، ويتكفل بموجبات الضيافة من جيبه الخاص.
اللمحة الثالثة: يتصف أنيس بالهدوء، وتحمل ما يصدر عن بعض رفاقه من تحامل عليه، بصبر، قلما رأيته في شخص آخر. فبعد أن أقنعني بالعودة إلى الحزب، بطريقته الخاصة التي أُعجبت بها دائماً، إلا في عملية الاقناع تلك، أخذت تتكشف لي شيئاً فشيئاً أوضاع الحزب المربكة، ولا سيما وضعه القيادي. فحاولت أن أساعد في معالجة الوضع وفي استعادة لحمة القيادة وعلاقات أعضائها الطبيعية، بعضهم ببعض. وصرت أقابلهم فرادى ومجتمعين، وبدأت الحظ حرص أنيس على تحسين علاقته بهم جميعاً، وتعمُّد البعض منهم الإساءة إليه، وتجنب اللقاء به. ولم أسمع منه كلمة نابية، أو تعبير قاس في حق أحد منهم، أو حتى شكوى من بعض المواقف الصادرة عنهم. وكان هذا ديدنه طوال علاقتي الحزبية والانسانية به. حتى أني أيقنت بأنه لا يعادي أحداً ولا يكره أحداً. يختلف مع الكثيرين في وجهات النظر، ومنهم أنا، ويناقش ويحاور بصبر ونفس طويل. ولكنه لا يحقد ولا يعمد إلى قطع خيوط التواصل مع أحد.
وقد لعب أنيس دوراً مهماً قبل استقلال الجنوب. إذ تمكن من الإبقاء على الحد الأدنى من التماسك الحزبي في منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي، رغم الخلافات الحادة في قيادة المنظمة وأجواء الكراهية السائدة في الشارع، لكل من ينتمي إلى حزب البعث، بفعل الشحن الإعلامي، الذي كانت تقوده بعض وسائل الإعلام العربية والمحلية. كما نجح في الإعداد لمؤتمر المنظمة، الذي عقد في مطلع عام 1967م في منزل أحد أعضاء الحزب بمدينة المنصورة، وتم فيه انتخاب قيادة جديدة، اختُير فيها أنيس حسن يحي (جابر) لأمانة سر المنظمة واختُرت أميناً مساعداً ورئيساً للمكتب العسكري. لتتمتَّن بذلك علاقتي به أكثر من ذي قبل، من خلال نضال يومي مشترك، وتستمر عبر السنين الطويلة. ورغم تباين خياراتنا، وانصرافي عن العمل الحزبي إلى العمل الأكاديمي، ورغم المسافات الجغرافية الفاصلة بيننا، ورغم المحن التي تكالبت علينا، فقد استمر تواصلنا، واستمرت رسائله القصيرة تصلني كل صباح، حتى انقطعت مؤخراً، وفجعت اليوم بنبأ رحيله الأبدي.
تغمد الله روحه الطاهرة بواسع الرحمة وأسكنه الفردوس الأعلى في جنات النعيم، مع الأنبياء والشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقا. وجميل العزاء لرفيقة دربه، زوجته أم باسل، وللعزيزين غادة وباسل وأولادهما، وكل الأقارب والأصدقاء والمحبين، ولليمن وشعبه، اللذين فقدا بفقده قامة وطنية لم تنحن لمخلوق، ولم تنحرف عن دربها أو تخون قضيتها أو تتخل عن شعبها، رغم التجاهل والإهمال والمعاناة المضنية والغربة القاسية. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
