"مراكزنا البحثية… بين المختبر و«واتساب»"
في العالم، تُبنى الدول على "العقل قبل الإسفلت"، وعلى "المعلومة قبل القرار". أما عندنا، فالمعادلة مقلوبة: القرار جاهز، ثم نبحث له عن تبرير… وإن لم نجد، نخترع "خبيرًا" على عجل، أو نقتبس تقريرًا من دولة أخرى ونبدّل العنوان فقط.
يقال إن العالم العربي يفتقر إلى مراكز بحثية حقيقية. والحقيقة الأكثر إيلامًا: ليس فقط يفتقر، بل أحيانًا يتعامل مع البحث العلمي كديكور سياسي… مثل الورود البلاستيكية: جميلة في الصورة، ميتة في الجوهر.
مراكز بلا بحث… وبحث بلا أثر
لدينا مبانٍ تحمل أسماء "مراكز دراسات استراتيجية" و"مراكز أبحاث متقدمة"، لكن حين تفتح الباب تجد:
موظفًا ينتظر نهاية الدوام،
تقريرًا منسوخًا من الإنترنت،
وميزانية تُصرف على "ورش عمل" عنوانها كبير، ومحتواها شاي وقهوة وصور تذكارية.
أما القضايا الكبرى—الغذاء، الدواء، الاقتصاد، الأمن، التكنولوجيا—فتُدار بعقلية "رد الفعل"، لا "استباق الخطر".
البحث عند الطلب… حسب المزاج والتمويل
المشكلة ليست فقط في غياب التمويل، بل في طبيعة التمويل. حين يكون الممول خارجيًا، يصبح البحث "قابلًا للتعديل" مثل مقال رأي:
النتيجة تُكتب أولًا،
ثم تُصاغ البيانات لتناسبها،
أما الحقيقة؟ فتُحفظ في الأدراج… أو تُرسل للممول "نسخة خاصة".
وهكذا يتحول الباحث من مكتشف للحقيقة إلى "مترجم لرغبة الممول".
لماذا هذا الفراغ خطير؟
لأن الدول التي لا تملك مراكز بحثية مستقلة:
لا تفهم اقتصادها الحقيقي،
لا تتوقع أزماتها،
لا تبتكر حلولها،
وتبقى دائمًا في موقع "المفاجأة".
ببساطة: تعيش يومها… وتستورد غدها.
مفارقة مضحكة مبكية
نحن نناقش الذكاء الاصطناعي… بينما بعض مؤسساتنا لا تملك حتى "ذكاءً طبيعيًا" في اتخاذ القرار.
نتحدث عن الأمن الغذائي… ونحن نستورد حتى "التحليل" مع القمح.
نحلم بالاكتفاء الدوائي… بينما وصفة الدواء تأتي من الخارج، ومعها "التشخيص".
هل المشكلة في الإمكانيات؟
لا.
العقول موجودة… لكنها:
مهاجرة،
مهمشة،
أو محبطة داخل أنظمة لا تسمع إلا صدى نفسها.
المشكلة الحقيقية هي في غياب البيئة:
لا استقلالية،
لا حرية بحث،
لا ربط بين البحث وصناعة القرار.
الحل ليس مستحيلاً… لكنه غير مرغوب
لأن إنشاء مراكز بحثية حقيقية يعني:
قرارات مبنية على العلم، لا المزاج،
كشف أخطاء السياسات،
محاسبة غير مباشرة لصناع القرار.
وهذا "ترف" لا تتحمله بعض الأنظمة.
الخلاصة الساخرة
نحن لا نعيش أزمة مراكز بحثية…
نحن نعيش أزمة "إرادة معرفة".
نريد نتائج دون بحث،
ونريد تقدمًا دون تعب،
ونريد مستقبلًا… لكن دون أن نزعج الحاضر.
وفي النهاية، حين تسأل: لماذا نتأخر؟
يأتيك الجواب جاهزًا… من تقرير أجنبي.