ترانزيت أبدي..
• لا أدري، هل أنا مشرّد من وطني أم الناجي الذي أخطأته القذيفة؟ هل سأكون بطلاً لو ظللت مشرّداً بين خيام الداخل، أو جباناً محظوظاً في مطارات الشتات ومخيمات اللجوء؟ كيف تُقاس البطولة والوطنية في زمن صار فيه البقاء على قيد الحياة أعظم الانتصارات؟ إن بقيتَ أنت نازحاً في الداخل وأنا لاجئاً في الخارج، وبيننا وطن يتمزق بصمت.. أنا وأنت يا رفيقي في الهم والعراء، نحن ترابُ الأرض لا ذهبُه، و"حنين المفارق" لا عودته، نحن أنين بلا صدى، وجواز تشرد بلا ختم وصول.
• شعرت بألم يعتصر قلبي وأنا أنظر إلى صديقي الذي كان يوماً حالماً، محباً، ساعياً لمنح العون للآخرين. كان يحمل مشروع حياة، وهو يعمل ساعياً للبريد في مدينة أوروبية باردة لا تعرف اسمه ولم تسمع حكايته. كانت عيناه ذابلتين وهو يقول: "تركنا المستقبل خلفنا... وتهنا هنا.. أصبح من السهل جداً تصنيفنا بمجرد النظر إلى جوازات سفرنا.. تشردنا جميعاً". لم أحتمل النظر إلى عينيه، فقد رأيت وجهي في ملامحه المنهكة.
• منذ متى كان التشرد حظاً ونجاة؟ وحده اليمني الذي فرّ بثيابه وعياله من جحيم الحرب يراه كذلك، ويجده حظاً لمجرد أنه وجد خيمة تقيه المطر في مأرب، أو "فيزة سفر" إلى الخارج مع أوجاع الاغتراب. فالنجاة لديه أصبحت تتلخص في ألّا يموت بصاروخ، وألّا تجوع زوجته، وألّا يُساق أولاده الصغار إلى الجبهات ليعودوا صوراً على الحائط.
• كان اليمني في السابق يغترب وعينه على باب بيته، ويستمع إلى أيوب طارش في "حنين المفارق" و"ارجع لحولك". واليوم أصبح قمة طموحه أن يهرب، أن يركب بحراً، أن يقطع صحراء، أن يحصل على "فيزا" إلى أي مكان، حتى ولو كان خلف الشمس أو في أعماق البحار. ولم يعد يسأل متى سيعود، بل أصبح يسأل إن كان سيجد مكاناً آمناً يصل إليه، إن وصل حياً.
• صار اليمني يحمل وطنه في ذاكرته فقط، في صورة قديمة لبيت تهدم، أو قطعة أرض كان يزرعها بدأت تذبل، أو طريق كان يعرف كل منعطفاته قد تدمر. كلما حاول أن يبدأ حياة جديدة اكتشف أن جذوره ما زالت عالقة هناك، تحت ركام منزل تم تفجيره، أو بين قبور الأحبة الذين لم يستطع حتى توديعهم والسير في جنازاتهم. وبات الحنين بالنسبة له وطناً مؤقتاً يسكنه كل ليلة، ثم يستيقظ على حقيبة التشرد من جديد.
• المؤلم ليس أن اليمني تفرقت به السبل في أصقاع الأرض، بل إن أبناء الجيل الجديد بدأوا يكبرون وهم لا يعرفون اليمن إلا من الحكايات. يسمعون عن صنعاء وعدن وتعز والمكلا والحديدة كما لو أنها مدن أسطورية في كتاب قديم، لا أماكن كانت يوماً بيتاً لأهلهم وأحلامهم. وكأن الحرب لم تكتفِ بسرقة الحاضر، بل تمد يدها خفية لتسرق منا الذاكرة والمستقبل معاً.
• تتصفح وجوه الناس في الداخل، فتجد صور الغبار، والطوابير، والخوف، والبحث عن أسطوانة غاز، وموجات الحر، والسيول، والفقر، والمرض. وكأنه قد كُتب عليهم أن يموتوا قبل الأوان. حتى وهم في منازلهم يشعرون بالتشرد والضياع، وجل أمنياتهم أن يحس بوجعهم الآخرون، وأن يراهم الحاكمون شعباً لهم، وأن يسمحوا لهم بالاحتفاظ بما تبقى من كرامتهم. فالإنسان الذي فقد بيته ورزقه وأمانه لم يعد يطلب المستحيل، بل يطلب فقط حقه: أن يعيش كإنسان.
• في كل مطار ومنفذ حدود تجد يمنياً يحمل حقيبته ويغادر، وفي كل مخيم نزوح أو لجوء تجده أيضاً يحمل وجعه وينتظر، وفي كل مدينة بعيدة تراه يحاول أن يقنع نفسه أن الغربة محطة وليست مصيراً. لكن السنوات تمضي، والانتظار يطول، ويتحول التشرد المؤقت إلى عمر كامل يذوب بين المنافي والشتات.
ويبقى السؤال معلقاً في قلوب جميع المشردين: متى يعود الإنسان إلى وطنه قبل أن يصبح الوطن مجرد ذكرى بعيدة؟
