المحيط يتغير وأطراف الصراع اليمني في سبات عميق
خلال السنوات الثلاث الماضية حدثت حروب مدمرة في غزة ولبنان وإيران وشاركت في العدوان عليها قوى إقليمية ودولية، ورغم ذلك ظل هناك بصيص ضوء في نهاية النفق المظلم لتلك الحروب مع تفاوت الشعاع بينها، وحاليا، تكاد تلك الحروب تُخمد نيرانها والدخول في مفاوضات لإنهائها والبدء في مراحل واعدة للسلام والاستقرار، بينما في الحالة اليمنية، دخلت الحرب عقدها الثاني (منذ عام 2014)، لتتحول من صراع دموي إلى أزمة ممتدة ومجمدة محلياً، وفي الوقت الذي تعيد فيه المنطقة "الشرق الأوسط" تشكيل تحالفاتها وصراعاتها بناءً على متغيرات جيوسياسية كبرى، تبدو أطراف الصراع اليمني مستسلمة لـ "ميزان ضعف متخلف"، دون امتلاك أي طرف القدرة على الحسم، أو الشجاعة على صناعة سلام حقيقي.
فسلطة عدن تعيش حالة من التشتت والضعف البنيوي داخلها، وهناك غياب شبه دائم عن الداخل اليمني، والاعتماد الكلي على الدعم الخارجي، والعجز عن تقديم نموذج حكم جاذب أو تفعيل مؤسسات الدولة، مما جعلها في حالة شلل سياسي واقتصادي، وعجزها عن إدارة موارد الدولة وعدم الوفاء بالتزاماتها التنموية والخدمية، "الكهرباء، مثالاً"
بينما إستمرأت سلطة صنعاء وضعها "كحكومة أمر واقع" وأدخلت المناطق الخاضعة لها في حالة جمود سياسي وتنصل من الشراكة مع القوى الوطنية الأخرى، معتمدين على اقتصاد الحرب الجبائي، وعدم الإلتزام بواجباتها تجاه صرف المرتبات أو الإنفاق على المشروعات التنموية والخدمية.
وعلى المستوى الكلي، فإن ممارسات السلطتين في عدن وصنعاء عمقت الأزمات الإنسانية والاقتصادية، واتسعت رقعة الفقر والبطالة وأكتوى المواطنون بنيران التضخم وتدهور قيمة العملة، وأصبحت البلاد عامة بيئة طاردة للمستثمر الوطني والذي وجد ظالته في بيئة حاضنة بدول الجوار.
وللأسف هناك فجوة كبرى بين ديناميكيات الإقليم وركود الداخل، فالقوى الإقليمية تتحرك بوتيرة عالية لتعظيم مصالحها، فدول الخليج، رغم تبعات الحرب الأخيرة على إيران، تعلن استعدادها للتقارب معها بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، والتي قد تفظي إلى سلام مستدام بينهما، وفي نفس السياق، توقع السعودية إتفاقيات مع تركيا لتطوير خط سكة الحديد بينهما مرورا بسوريا والأردن، وليربط المنطقة بالقارة الأوروبية، والهند تطمح بخط تجاري عبر دول الإقليم لربطها بالأسواق الأوروبية، والصين من جهتها قد سبقت الجميع في تبني "مبادرة الحزام والطريق" وتطوير خط الملاحة التجاري البحري والذي تجاوزت به اليمن واتخذت من جيبوتي بديلا عن موانىء عدن لتسهيل تجارتها إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
كما أنه في ظل الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز برزت اليمن كمسار واعد لخطوط أنابيب النفط من دول الخليج، (وعلى رأسها السعودية) إلى السواحل اليمنية على البحر العربي متجاوزة تعقيدات مضيق هرمز، أضف إلى ذلك، ونتيجة للوضع السياسي والأمني غير المستقر، تم استبعاد اليمن من أن يكون نقطة عبور لكابلات الإنترنت والإتصالات الدولية، الذي يربط جنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا، وتم تجاوزه إلى دول أخرى، وهذا يمثل تجسيداً حياً وفجاً لحالة السبات والجمود لدى السلطات في اليمن والتبعات الكارثية التي فرضتها الحرب المستمرة لأكثر من عقد.
وفي الداخل اليمني تعيش البلاد أزمة إنسانية واقتصادية كارثية، تسببتها الحرب المدمرة بين أطراف الصراع المحلية وقوى إقليمية طامعة، وتسببت أيضا في انفصال الداخل عن الخارج، فالأطراف اليمنية لا تزال تخوض صراعاً بأدوات ومنطلقات عام 2014، وعاجزة عن استغلال الهوامش الإقليمية الدبلوماسية لتحقيق اختراق حقيقي، مما يجعلها "أدوات وظيفية" يتم تحريكها أو تجميدها وفقاً للحاجة الخارجية. وفوق ذلك كله، دخلت أطراف الصراع في سبات عميق وساهمت في إدخال اليمن في نفق طويل مظلم دون وجود بصيص ضوء للإنفراج، ويمكن إرجاع هذا السبات وظلمة النفق إلى عدد من الأسباب، أهمها:
- انتهاج اقتصاد الحرب، حيث تحول الصراع إلى مصدر ثراء للنخب السياسية والعسكرية من الطرفين "تهريب، جبايات، غسيل أموال" مما يفقدها الدافع لإنهاء الحرب.
- تآكل السيادة والقرار الوطني، فقد أصبح القرار اليمني مرتهنا بالكامل للخارج، بحيث لم يعد يملك أي طرف محلي القدرة الذاتية على إيقاف الحرب وإعلان السلام بشكل مستقل.
- غياب المشروع الجامع، فالهوية الوطنية أصبحت متشظية إلى هويات فرعية (مناطقية، مذهبية، قبلية) مما يجعل فكرة "اليمن الواحد" أو "الشراكة الوطنية" بعيدة المنال حاليا.
وخلاصة الأمر، فإن النظرة الموضوعية لواقع الحال اليمني تقود إلى ثلاثة سيناريوهات:
- سيناريو استمرار "الوضع الراهن": استمرار الهدنة الهشة، مع استمرار تدهور الوضع الإنساني والاقتصادي وتعميق الانقسام المؤسسي (عملتين، اقتصادين، تعليمين... إلخ).
- سيناريو التحلل الشامل: انهيار ما تبقى من مؤسسات خدمية، وتحول البلاد إلى كانتونات معزولة يديرها أمراء حرب ومجموعات مسلحة خارج إطار أي مفهوم للدولة.
- سيناريو إنتهاز الفرصة: أن يفيق متخذي القرار في سلطتي عدن وصنعاء من سباتهم ويرتفعوا بمستوى تفكيرهم وإدراكهم للتحديات الداخلية التي تواجه اليمن، واستيعابهم للتطورات والمتغيرات الإقليمية والدولية والدخول في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب وتحقيق السلام وإنقاذ اليمن من براثن الفوضى والإنقسام، وما لم يتحقق ذلك، فيمكن القول أن اليمن أبتلي بأسواء نخبة سياسية في تأريخه الحديث.
