مرثية في وداع زميل: بين قسوة الداخل ووجع التحولات في زمن التطبيع
لم يكن الخبر عابرًا، ولا كان الحزن عاديًا.
كان صاعقًا كحقيقةٍ مؤجلة، موجعًا كغربةٍ لا تنتهي.
فقدتُ اليوم زميلًا عزيزًا…
الأخ المهندس خالد عبد الستار طالب، رفيق الدراسة في حلب الشهباء.

كان إنسانًا بسيطًا في حضوره، عميقًا في أثره، خفيف الروح، نقي السريرة، يحمل قلبًا أكبر من الجغرافيا، وعاطفةً تتجاوز حدود الخرائط.
رحل بعيدًا…
ليس فقط عن الحياة، بل عن المكان الذي كان ينبغي أن يحتويه.
رحل في أرضٍ اختارها مضطرًا، لا عاشقًا…
رحل إلى أرض الصومال.
ذهب إليها هروبًا من ضيقٍ صنعه الاستبداد، ومن واقعٍ لم يعد يحتمل كرامة إنسان.
اختارها لأنها بعيدة عن صخب الدول، وعن صراعات الاعترافات والتحالفات، ظنًّا منه أنه سيجد فيها فسحة انتظار… إلى أن تُستعاد دولته المخطوفة.
كان مهندسًا، يحمل مهنته في يده، وكبرياءه في قلبه،
فاختار الرحيل… لأن البقاء تحت سلطةٍ تصادر الحياة ليس حياة.
لكن المفارقة القاسية…
أن المنافي لم تعد كما كانت.
لم تعد مجرد جغرافيا بديلة،
بل تحوّلت—في كثير من الأحيان—إلى امتدادٍ للألم نفسه، بصيغٍ مختلفة.
وفي المكان الذي ظنّه بعيدًا عن صدمات السياسة،
جاءته الصدمة من حيث لا يحتسب…
تبدلاتٌ متسارعة، ووقائع جديدة، وعلاقات تُفتح في اتجاهاتٍ تصطدم مع قناعاته العميقة. فتح سفارة لتل ابيب ربما في الحي الذي كان يسكن فيه في هرجيسا بأرض الصومال.
وما كان يظنه بعيدًا عن تناقضات السياسة، تسلّل إليه فجأة… بصورةٍ أربكت روحه وأثقلت قلبه.

لم يحتمل هذا التحوّل، فمضى إلى ربه مُقبِلًا غير مُدبر.
ولمن يعرف خالد… يدرك أنه لم يكن يحتمل هذا النوع من التناقضات.
كان قوميًّا عربيًا، يحمل في قلبه فلسطين كقضية لا تقبل المساومة.
يؤمن بها كما يؤمن بالحق، ويشعر بها كما يشعر بالانتماء.
لكنّه وجد نفسه في عالمٍ يعيد ترتيب أولوياته بمعزلٍ عن ضمير الإنسان،
حيث تُدار القضايا الكبرى بمنطق المصالح الباردة، لا بوصلة القيم.
لا أحد يستطيع الجزم بما حدث في داخله في لحظاته الأخيرة…
لكن المؤكد أن الأرواح الحساسة، حين تتراكم عليها الخيبات،
لا تحتاج إلى ضربةٍ كبيرة لتنهار… يكفيها ثقلُ التناقض.
بين تضييقٍ في الوطن، وغربةٍ في المنفى، وتبدلاتٍ في القضايا…
كان يسير على حافة التعب.
وهنا، لا يعود الموت مجرد حدثٍ بيولوجي…
بل يتحوّل إلى نتيجةٍ لمسارٍ طويل من الاستنزاف الصامت.
إنها ليست قصة فردية…
إنها حكاية جيلٍ كامل.
جيلٌ يُدفع دفعًا إلى المنافي، لا بحثًا عن الرفاه، بل هروبًا من الانسداد.
جيلٌ يُرهق مرتين:
مرةً في الوطن حين يُحاصر،
ومرةً في الخارج حين لا يجد ما كان يظنه ملاذًا.
في اليمن، تُغلق الأبواب أمام الكفاءة، وتُفتح أمام الولاء.
تُختنق الحياة تحت ثقل السيطرة، ويُدفع الناس إلى خياراتٍ قاسية، لا يختارونها بقدر ما يُجبرون عليها.
وفي الإقليم، تتغير الخرائط السياسية بسرعة،
وتُعاد صياغة العلاقات بمعزلٍ عن وجدان الشعوب،
فتنشأ فجوةٌ عميقة بين ما يؤمن به الإنسان، وما يراه يحدث أمامه.
رحل صديقنا…
لكن السؤال الذي تركه خلفه أكبر من الفقد ذاته:
كم من إنسانٍ يجب أن نخسره،
حتى ندرك أن الأوطان لا تُدار بالقهر؟
وأن الكرامة ليست ترفًا، بل شرط بقاء؟
وأن الإنسان، حين يُسلب حقه في العيش الكريم،
قد ينجو جسده… لكن روحه تظل مهددة في كل مكان؟
يا صديقي…
لم تكن مجرد اسمٍ عابر في سجل الحياة،
بل كنت حكايةً من الصدق، ونموذجًا لإنسانٍ حاول أن يعيش بشرف في زمنٍ يُساوم على كل شيء.
رحلتَ غريبًا…
لكنك لست وحدك.
فهناك آلاف يشبهونك، يحملون حقائبهم ويمضون،
وفي قلوبهم أوطانٌ لم تعد تتسع لهم.
ولم يكن خالد وجعًا خاصًا بي وحدي…
بل كان أثرًا ممتدًا في قلوب كل من عرفه.
وقد عبّر الصديق أحمد سعيد عن ذلك بصدقٍ لافت حين قال إن بعض اللحظات لا تُقاس بالوقت، بل بما تقتطعه من القلب دفعة واحدة، وأن الراحلين لا يداوي وجعهم إلا ما تركوه من ذكرياتٍ طيبة.
كما استعاد الصديق عبد الجبار الجنيد—بروحٍ مثقلة بالفقد—صورة الغريب الذي يمضي باحثًا عن لقمة عيشه، فإذا به يرحل تاركًا خلفه ذاكرةً مثقلة بالحنين، ووجوهًا لا تنسى، وأحلامًا معلّقة على أرصفة الانتظار.
وهكذا كان خالد…
حضورًا دافئًا لا يُنسى، وأثرًا طيبًا لا يُمحى.
رحمك الله رحمةً واسعة يا خالد،
وخفف عنك ثقل ما حملت،
وجعل غربتك الأخيرة… وطنًا من طمأنينة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
