يوميات البحث عن الحرية
غنيمة السلطة وشرعية اتخاذ قرار السلم والحرب!
يخلط الكثيرون في نقاشاتهم اليومية سواء في مجالس القات أو أي مجالس بين واجبات وظيفة الرؤساء ورؤساء الوزارات والموظفين العموميين من الدرجات العليا وغيرها كل في حدود صلاحياته ومسؤولياته، وبين حقوقهم الخاصة.
وطبعًا تحتدم مثل هذه النقاشات في البلدان التي تحولت فيه السلطة إلى غنيمة بيد من يستولي عليها بأية وسيلة من الوسائل المشروعة أو غير المشروعة، والاستيلاء على السلطة بالقوة أو الاحتيال أبرز الوسائل غير المشروعة!
ومن يستولي على السلطة بالقوة أو الاحتيال لا يردعهم قانون ولا يصدهم ضمير ولا إحساس بالمسؤولية عن أي تصرف غير مشروع وغير دستوري أو قانوني، وتسيرهم اللامبالاة بكل كائن يقع تحت نفوذهم!
ويعزز بقاء هيمنة هؤلاء الثقافة والوعي المتدني الذي يبسط سلطانه على المجتمع اليمني وكل مجتمع بمستوى وعيه! وتدني الوعي من غنائم المستبدين!
وفي هذا الاتجاه ينظر الموظف العام للوظيفة التي يضع يده عليها ولو بقرار ممن لا شرعية له ينظر للوظيفة كغنيمة ضمت إلى ذمته المالية، ولهذا نجد أنه يتصرف بها وفيها تصرف المالك وليس تصرف الموظف المقيد بالصلاحيات القانونية المخولة له في تسيير وأداء وظيفته العامة.
هذه حقيقة معاشة وليس توصيفًا متخيلًا؛ حقيقة أقرأها من كل النقاشات التي تتناول العلاقة بين السلطة ومن يتولاها ذكورًا وإناثًا إن وجدوا.
وآخر هذه القراءات ما لمسته خلال سماعي لحديث صديق عزيز في مجلس أخوي من خلال إشارته إلى اندفاع رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الوزراء نحو التفاوض مع الكيان الصهيوني، وهو اندفاع صاحبه اعتداءات إسرائيلية عنيفة كالمعتاد على مساحات تشمل كل لبنان.
وأشاد الصديق بهذا الاندفاع الرسمي للتفاوض، معللًا ذلك بأنه ناتج عن رؤية حكيمة للرئيس ورئيس الوزراء، تهدف إلى البحث عن مخرج للبنان من دوامة العنف والصراع مع هذا الكيان المستمر منذ احتلال فلسطين عبر سلسلة من حروب الإبادة الجماعية لأبنائها منذ بداية تنفيذ المشروع الصهيوني الذي أتحدى أي مشجع للتفاوض مع هذا الكيان أن يخبرنا عن الحدود التي يمكن لإسرائيل أن تقف عندها في كل عملياتها العسكرية الإرهابية، وعلى كل الجبهات أي منذ مؤتمر بازل عام 1948 وحتى يوم الناس هذا.
ولم تسلم أية دولة من دول الطوق لبنان سوريا مصر بل ولا حتى العراق واليمن، من العنف الذي توزعه إسرائيل على الجميع بالعدل وباستخدام عدة أدوات وأساليب!
مع أن اليمن يفترض أنها بعيدة عن الطوق، ولكن هناك من يدفع بهذا البلد رغم ظروفه الاقتصادية القاسية، وعدم امتلاكه منظومة دفاعية تؤهله للدفاع عن بنيته التحتية الضعيفة جدًا التي استهدفت أولًا من التحالف السعودي الإماراتي تحت عنوان دعم الشرعية وإشراف أمريكي إسرائيلي، وكذلك بعمليات أمريكية وإسرائيلية مباشرة مجتمعين وعلى انفراد، دون حاجة لتعداد ما تم استهدافه، فهو معروف!
إن اليمنيين يسيرون دون بصيرة باتجاه دفعهم نحو هاوية المعارك الخاسرة، ما يجعلهم بعيدين عن أي مستوى من الحكمة اليمانية التي يفاخر بها البعض بين حين وآخر!.
إنها معارك غير متكافئة هدفها استمرار بقائها تحت الحصار وتطويقها وإعاقة نموها.
وهذا الحصار وإعاقة النمو لا يعود عليها بالتأكيد بأي أثر إيجابي قد يفيدها في أية مشاركة إيجابية في أية معركة جادة تعيد التوازن إلى المنطقة الواقعة حقيقة وحكمًا في قبضة السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل، أو في تشكيل ضغط لصنع سلام حقيقي في هذه المنطقة يوقف انسحاقها تحت المشروع الصهيوني؛ وهذه مهمة لا تتحقق بالضجيج الإعلامي ولا بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة!
الوعي وتحقيق العدالة واتباع المنهج العلمي القائم على الدراسة ومعرفة قوة الذات والآخر، هذا هو السلاح الذي به تبنى اليمن، ويتحقق لكل أبنائه، ودون أي شكل من أشكال العنصرية والتمييز، الأمن والسلام والاستقرار، وتبنى الدولة القادرة على حماية كل مقدرات الشعب.
إن على كل من يُدفع للمشاركة في الصراع المسلح ألا يورط نفسه ووطنه في ما هو غير مؤهل له، وأن يفرق جيدًا بين المقاومة والانتحار، ومعلوم أن الانتحار لا يستفيد منه إلا الكيان الصهيوني لو كنا نسمع أو نعقل.
هذه ليست دعوة للاستسلام، لكنها دعوة لإعمال قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" إلى آخر الآية.
ومن يفسرون القرآن تفسيرًا حرفيًا يساوون بين الخيل وبين إف 16 و17، و37، بل وبين أكثر من مائتين وخمسين قنبلة نووية، بما يتبعها من إمكانيات وآليات تجعل نملة إسرائيل قادرة على تهديد فيل العرب المريض، وكما يقال: كله عند العرب صابون (مقولة لأحد الجنود العثمانيين الذين رأوا بعض النساء في مناطق يمنية معينة يغسلن الثياب باستخدام نوع من التراب يطلق عليه "تراب روس").
ومن أبسط موجبات الحكمة أخذ العبرة من التجارب السابقة!
إنني مع الاحترام والتقدير لصديقي العزيز الذي أعزه ويعزه كل من يعرفه ويعرف مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية، أستسمحه عذرًا بأن أضع بين يديه ويد كل مهتم بقضية الصراع مع الكيان الصهيوني منذ بدء حرب الإبادة التي تدار من طرف واحد وعبر مراحل المجازر المفتوحة التي يرتكبها هذا الكيان بحق الفلسطينيين واللبنانيين وكل الأقطار العربية القريبة والبعيدة عن فلسطين التي تحتلها عن طريق هذه الإبادة لأهلها من إسرائيل وداعميها بريطانيا وأمريكا وفرنسا وكثير من دول العالم.
عمليات على بشاعتها تحولت بنظر آلة الإعلام المضلل المصاحبة لآلة الحرب المادية المدمرة، وعلى مدى كل هذه العقود، حوَّلها هذا التضليل الإعلامي إلى عملية دفاع عن النفس، وحول المقاومة إلى عمل إرهابي، هكذا بفجاجة وبشكل مطلق، ودون حتى تمييز بين مدني وطفل وامرأة ومقاوم حامل لسلاح شخصي بسيط لا مجال لمقارنته بما يمتلكه المستوطنون، وليس الجيش الصهيوني!
أي أن المعتدي على أرض فلسطين الذي يمتلك ترسانة من أحدث الأسلحة الجوية والبرية والبحرية وأكثر من 200 رأس نووي، يدافع عن نفسه، وصاحب الأرض الذي يباد معتدٍ!
يا لها من مسخرة..!
ربما الحديث معاد ومكرر، ولكن كل هذه الجرائم الوحشية مستمرة ومكررة أيضًا، بل تتصاعد وحشيتها بصورة لا يستوعبها أي تصور!
ألا نرى ما يجري؟!
لقد أبيدت غزة، ومن يبررون لإسرائيل هذه الإبادة لا شك أنهم بلا عقل ولا ضمير إنساني، ولا يمتلكون أية درجة من الإحساس الإنساني بالمسؤولية!
ألم تستمعوا تصريحات الرئيس الأمريكي الأعجوبة التي قال فيها بأن غزة مجرد مشروع سياحي واستثماري ضخم، متغزلًا بأرضها بعد أن يتم مسح الركام الممتزج بدماء وعظام الأطفال الفلسطينيين الغزاويين.
إن هذا الرئيس البطل الراقص بلا فن ولا ذوق سيكون رئيس مجلس إدارة هذا المشروع الذي أطلق عليه مجلس السلام العالمي، وعين نفسه رئيسًا له مدى الحياة، هذا الكائن مجرد من كل خلق إنساني يسخر علنًا من الإنسانية كلها حين أدار وأشرف على إبادة غزة وبتمويل جله إن لم يكن كله عربيًا، وقد سويت المدينة بالأرض فعلًا.
لم يجد من المجتمع المسمى بالدولي من يعترض اعتراضًا مسنودًا بفعل قانوني ومادي واضح ومؤثر، ما يعني أن السلام العالمي دخل في منحنى خطيرًا يحتاج من كل أحرار العالم إلى يقظة ما!
أعود لإشادة صديقي بما أقدم عليه الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة بالتفاوض مع الكيان الصهيوني (حمامة السلام في المنطقة)! فأطرح بعض الأسئلة أوجهها عبره للمندفعين نحو التفاوض مع هذه الحمامة أو الحمل الوديع والتي تدافع عن نفسها باستهداف الأطفال والنساء والمدنيين ودك المدن والقرى على رؤوس سكانها.
ومن هذه الأسئلة:
1. هل من حق أي حاكم فرد رئيسًا كان أو رئيس وزراء أو جماعة أو حزبًا سياسيًا أو منظمة مقاومة أو أي كيان طبيعي أو معنوي... هل من حقهم جميعًا أن يقرروا مصير أي بلد به أحزاب متعددة وأفكار شتى ورؤى مختلفة ومؤسسات حكومية ومجتمعية تمثل الشرعية؟ هل من حقهم أن يقرروا نيابة عن الجميع إعلان الحرب أو المقاومة بصورة معلومة النتائج سلفًا؟ أو أن يتخذوا قرارًا بالتفاوض مع عدو كل الوقائع التاريخية والحالية تؤكد أنه لا يؤمن بالسلام ولا يأبه بأي اتفاقات أو معاهدات يعقدها مع من يتفاوض معه؟
إن الأمثلة على ذلك أوضح من الشمس، ويكفينا الإشارة إلى اتفاق أوسلو الذي وقعته السلطة الفلسطينية مع هذا الكيان، ومن البديهي أن من يعشق السلام حقًا لا بد أن يعرف مع من يتفاوض؟
2. أليس من أبسط الواجبات على من يشغل سلطة بحق أو بدون حق، التفريق بين الشرعية الشكلية المنطلقة من الدستور والقانون وبين الشرعية الواقعية والسياسية؟
وأنا هنا أحاول أن أجد للمندفعين نحو التفاوض مع من لا يؤمن بالمفاوضات أصلًا أحاول أن أجد لهم مبررًا ومخرجًا يشرعن لهم اندفاعهم الأخرق، فافترض كما أوحى إليَّ حديث الصديق أن غاية الرئيس ورئيس الوزراء ومن إليهم من المسؤولين اللبنانيين الأشاوس الذين يدور كل منهم في فلك، هو إنقاذ لبنان كما يرفعون من شعارات يضللون بها الشعب اللبناني، المستخدمة باستمرار، وأبرزها إنقاذ لبنان من الاستمرار في دوامة العنف والصراع مع إسرائيل، وكأن مقاومة لبنان تعتدي على إسرائيل، وتحتل أجزاء من أرضها وتستبيح سماءها ومياهها وكل المساحة الجغرافية التي تحتلها، وما يقوم به سلاح الجو اللبناني الباسل عدوان على إسرائيل منذ ما قبل 1948 وحتى اليوم، وأن هذه الحمامة واحة الديمقراطية في المنطقة قد جنحت للسلم، وما على لبنان ممثلًا في سلطته المبجلة سوى الاستجابة لهذا الجنوح تطبيقًا للمبدأ القرآني "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها". فهل يتوقع هؤلاء السياسيون اللبنانيون أن إسرائيل مستعدة للسلام؟!
3. هل أمريكا مؤهلة لأن تكون وسيطًا نزيهًا؟
4. كم مرة استخدمت أمريكا حق الفيتو خدمة لإسرائيل، ووقوفًا ضد حق الفلسطينيين في أرضهم، وحتى في تقسيم فلسطين بين المحتل وأصحاب الأرض، منذ احتلال إسرائيل لفلسطين، وما حجم الدعم الأمريكي المادي لإسرائيل من بداية احتلالها لفلسطين وأجزاء من سوريا ولبنان ومصر أيضًا، ومن يمد لها الجسور في كل عملياتها جوًا وبحرًا، ويحرك الأساطيل لدعمها والدفاع عنها منذ بداية مشروعها الذي لا يبدو أن له في الأفق نهاية، وإن ظهرت له بداية؟!
5. من كان الوسيط في أوسلو وفي كل المفاوضات التي لم تلتزم إسرائيل بإي من مضامينها؟!
6. أليس للبنان دستور ومجلس نواب ومن له دستوريًا حق اتخذ قرار السلم والحرب وتحديد نطاق المقاومة وآليتها وعلاقتها بالجيش اللبناني والمؤسسات الدستورية اللبنانية؟!
هذه بعض الأسئلة التي رأيت طرحها على اللبنانيين ومن يشبههم، وسبحان من ليس له شبيه.
وكل دولة تدعي أنها دولة قانونية ولها شرعية دستورية تحترمها، ومع ذلك تظل نخبها تهذي هنا وهناك خارج نطاق احترام القانون والمبادئ الدستورية، وتعطي للأفراد وتنظِّر لحق الجماعات المتسلطة في اتخاذ ما يحلو لها من قرارات، ولو تضمنت الارتماء في أحضان الشيطان، مادام الضحية هو الحق العام، وليس مصالحهم الشخصية التي ذاق الوطن الويلات في سبيل تحقيقها!
دمتم يا عتاة الأماني
ودامت أمانيكم
بيعوا ما تشاؤون
يومكم آتٍ بلا أي شكٍ
فقولوا لمن تحسبونهم رموزًا
بيعوا ضمائركم كيف شئتم ولكن...
هل تعلمون الثمن؟
