جنّ سليمان يعلن إفلاسه السياسي في اليمن!
بلدٌ يملك كل شيء... وينتظر كل شيء
في خبر عاجل لم تنشره وكالات الأنباء بعد، أعلن جنّ سليمان استقالته من مهامه التاريخية ورفضه القاطع زيارة اليمن.
وعندما سأله الصحفيون عن السبب، أجاب وهو يلوّح بعصاه السحرية:
"أنا مختص ببناء القصور ونقل العروش وإحضار الكنوز... أما حل مشاكل شعب كامل ينتظر الآخرين ليبنوا له وطنه، فهذه ليست من اختصاصي."
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تختصر مأساة اليمن كلها.
فالجنوب ينتظر الإمارات لتحل قضيته.
والشرعية تنتظر السعودية لتحسم معركتها.
والحوثي ينتظر إيران لتغيير موازين القوى.
والمواطن ينتظر راتبه.
والشباب ينتظرون الوظائف.
والتجار ينتظرون الاستقرار.
والدولة تنتظر المانحين.
والمانحون ينتظرون الدولة.
أما اليمن نفسه، فيقف وسط هذا السيرك الكبير كطفل ضائع يبحث عن والديه بين الحشود.
جمهورية الانتظار المتحدة
في دول العالم توجد وزارات للنفط والزراعة والتعليم والتخطيط.
أما في اليمن، فيبدو أننا اخترعنا وزارة جديدة اسمها "وزارة الانتظار".
شعارها الرسمي:
"انتظروا... فالفرج قادم."
انتظروا الحل السياسي.
انتظروا الحسم العسكري.
انتظروا المفاوضات.
انتظروا المبعوث.
انتظروا المانحين.
انتظروا المجتمع الدولي.
انتظروا المعجزة.
حتى أصبح الانتظار نفسه أكبر مشروع وطني مشترك بين جميع الأطراف.
الغريب أن اليمن ليس بلداً فقيراً كما يصور البعض.
بلد يمتلك النفط والغاز.
وثروة سمكية هائلة.
وسواحل تمتد لمئات الكيلومترات.
وجزراً تستطيع أن تصبح مقاصد سياحية عالمية.
وموانئ استراتيجية.
وموقعاً جغرافياً تحسدنا عليه دول كثيرة.
لكن كل هذه الثروات تتعامل معها النخب السياسية كما يتعامل الأطفال مع لعبة معطلة: يتشاجرون عليها دون أن يعرفوا كيف يشغلونها.
مأساة اسمها الوقت المقتول
المشكلة ليست فقط في السياسة.
المشكلة أن سنوات الحرب قتلت معها قيمة الوقت.
ففي الوقت الذي تبني فيه أمم أخرى مصانع ومختبرات ومراكز أبحاث، ما زال جزء كبير من مجتمعنا يستهلك ساعات طويلة في الجدل العقيم والانتظار والشكوى وتبادل اللعنات السياسية.
وأصبح لدينا خبراء في تفسير أسباب الفشل أكثر من عدد الناجحين أنفسهم.
لدينا محللون أكثر من المنتجين.
وخطباء أكثر من البنائين.
ومؤتمرات أكثر من المشاريع.
وبيانات أكثر من الإنجازات.
حتى صار الوطن أشبه بشركة عملاقة لا تنتج شيئاً سوى الاجتماعات.
هل الحل بإغلاق مجالس القات؟
سيقفز البعض فوراً إلى هذا السؤال.
والحقيقة أن القضية ليست نبتة ولا مجلساً بحد ذاته.
القضية أن أي نشاط يستهلك ساعات الناس وطاقاتهم دون أن ينتج معرفة أو عملاً أو قيمة مضافة يتحول إلى عبء على المجتمع.
فالأمم الفقيرة لا تملك ترف هدر الوقت.
والبلدان التي تعيش الحروب لا تستطيع أن تجعل ساعاتها الثمينة وقوداً للفراغ.
الحل ليس في المنع فقط.
بل في البديل.
مراكز تدريب.
برامج تشغيل.
مشاريع صغيرة.
حاضنات أعمال.
نوادٍ ثقافية ورياضية.
استثمارات إنتاجية.
تشجيع الشباب على الابتكار والعمل.
لأن الفراغ إذا لم يُملأ بالبناء سيملؤه الهدم.
كيف ينتهي زمن الانتظار؟
ينتهي عندما يتوقف الجميع عن البحث عن المنقذ.
عندما يفهم الجنوبي أن قضيته لن يحلها الخارج أكثر مما يحلها توافق أبناء الداخل.
وعندما تدرك الشرعية أن الدول لا تستعاد بالبيانات وحدها.
وعندما يقتنع الحوثي أن بناء الدولة أصعب من السيطرة عليها.
وعندما يفهم المواطن أن الوطن ليس شركة خدمات تقدم له كل شيء بينما يكتفي بالمشاهدة.
وينتهي زمن الانتظار عندما يتحول السؤال من:
"من سينقذنا؟"
إلى:
"ماذا سنفعل نحن؟"
الحقيقة التي يخاف الجميع سماعها
اليمن لا يعاني من نقص الثروات.
ولا من نقص الموقع الجغرافي.
ولا من نقص الرجال.
اليمن يعاني من فائض الانتظار.
وفائض الخطابات.
وفائض الأمنيات.
ونقص حاد في العمل المؤسسي والإدارة والإنتاج.
لقد تحولت السياسة إلى سوق كبير لبيع الأحلام.
والمواطن إلى مستهلك دائم لها.
وكلما فشل حلم ظهر حلم أكبر منه.
حتى أصبحت المعجزات بديلاً عن الخطط.
والأمنيات بديلاً عن المشاريع.
الخاتمة
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والفقر والوعود، ربما حان الوقت لإعلان وفاة أسطورة جنّ سليمان السياسية.
لن يأتي أحد ليبني اليمن نيابة عن اليمنيين.
لن تأتي معجزة من البحر.
ولا من السماء.
ولا من السفارات.
ولا من العواصم البعيدة.
المعجزة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ هذا البلد هي أن يستيقظ اليمنيون ذات صباح ويقرروا إغلاق أكبر مؤسسة تعمل منذ عقود...
مؤسسة الانتظار.
عندها فقط ستتحول الموانئ إلى حركة، والثروات إلى مشاريع، والشباب إلى قوة إنتاج، والسياسة إلى إدارة، والوطن من قصة حزينة يرويها الجميع إلى قصة نجاح يصنعها الجميع.
أما إذا استمر الحال كما هو اليوم، فحتى لو عاد جنّ سليمان نفسه بعصاه السحرية، فسوف ينظر إلى المشهد، ثم يعيد إغلاق القمقم من الداخل، ويكتب على بابه:
"عذراً... المشكلة أكبر من المعجزات."
