السريان.. أن تكون ظلاً لشمس الآخرين
في دير مار متي على جبل قريب من الموصل، راهب سرياني عجوز يعيش وحيداً منذ ثلاثين عاماً، سأله زائر عن سبب بقائه بعد أن طرد داعش كل مسيحي من المنطقة. قال هذا قبر مار متي وأنا حارسه. سأله إلى متى، قال قطعت عهداً. سأله ألا تخاف، قال الموت ليس أسوأ ما حدث لي. سأله عن سر بقائهم، قال الحيوانات التي انقرضت هي الأكبر حجماً، والأصغر تعيش. نحن صغار جداً في هذه المنطقة لننقرض.

السرياني يمر كالظل لا يريد أن يزعج أحداً. الحجر يتذكر كل شيء. بدأت القصة قبل ألفي عام حين كان المسيح يمشي على الماء، كان السريان يمشون على حواف الجبال. المفارقة تجمعهم بالآشوريين ضمن أصل واحد، فالآشوريون أصحاب إمبراطورية سقطت في حين أن السريان لغة انتصرت ثم انحنت، حيث يحفر الآشوري اسمه على الطين بينما يكتب السرياني اسمه على هامش كتب الآخرين كمن يعرف أن النص الأساسي ليس نصه.
لم يكن السريان أمة بالمعنى العسكري، ولم يمتلكوا جيوشاً ولا خزائن ذهب. كل ما كان لديهم لغة، واللغة جدار يحتمون به من الرياح المتغيرة. بينما بنى الآشوري نينوى وآشور وكالخو، بنى السرياني ديراً على قمة جبل لا يراه إلا من صعد إليه. الفرق في الحجم لكن المصير واحد، فالإمبراطورية تتداعى والحجر يظل صامداً.
طور عبدين في جنوب شرق تركيا اليوم، اختاروه مكاناً للاختفاء، ليس لأنهم جبناء بل لأن السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة. بنوا فيه أديرتهم كحصون، والراهب هناك أكثر من متعبد. جندي في جيش لا يحمل سلاحاً. دير الزعفران الذي بني قبل الإسلام بقرنين، جدرانه تحمل كتابات بسبع لغات، كأن كل من مر من هناك ترك وصيته عليه.
دخل السريان المسيحية مبكرين حين كان الرومان يقتلون المؤمنين في المدرج. لم ينتظروا مجد قسطنطين ولا مراسيم ميلانو. اختاروا طريق الضعف بوعي، كمن يقرر أن يسبح عكس التيار لأنه يعرف شطاً لا يراه الآخرون. التيار كان قوياً، أقوى من أن يسبح فيه أحد لألفي عام. يقول المؤرخون إن الآشوري دخل المسيحية على مهل، أما السرياني فلم يتحول قط، كان هناك حين جاء المسيح يمر من عندهم.

المسلمون أتوا بجيوشهم وفرضوا الجزية، والصليبيون أتوا بصلبانهم فتلقتهم الكنائس السريانية كضيوف غير مرحب بهم، والعثمانيون أتوا بسيوفهم فدفع السريان الجزية مرة أخرى، هذه المرة بالدم. كل عصر له جبايته الخاصة، والسريان يدفعون باستمرار، كأن بقاءهم فاتورة لا تنتهي.
عام 1915 قرر العثمانيون أن يصنعوا بلاداً خالية من كل من لا يشبههم، فكان السريان في القائمة إلى جوار الأرمن والآشوريين. الفرق أن الآشوري قاتل حتى النهاية، كان له سيفه وقراه التي صارت مقابر جماعية، أما السرياني فاختبأ في ديره وانتظر. كلاهما قُتل، لكن أحدهما قُتل وهو يحمل سيفاً والآخر وهو يحمل صليباً.
مذابح في طور عبدين، وأديرة حولت إلى ثكنات، ورهبان ذبحوا وهم يصلون. بعض العائلات ما زالت تحتفظ بمفاتيح بيوت في قرى لم يعد لها وجود. المفتاح يزن أكثر من خمسمائة غرام، ثقيل بما يكفي ليذكرك أنك لا تملك حقاً سوى الذاكرة.
البعض هرب إلى جبل سنجار حيث الأيزيديون يجاورونهم في العزلة، والبعض الآخر عبر إلى سوريا حيث الفرنسيون مدوا أيديهم كحماة مستعمرين. في وادي الخابور زرعوا قرى جديدة، ونسخوا نموذج طور عبدين لكن بدون الجبل. كأنهم أرادوا أن يزرعوا الذاكرة في أرض جديدة لكن الذاكرة كانت أقوى، لم تنبت كما أرادوا.
في عام 1936 حين أراد الفرنسيون أن يمنحوا السريان أرضاً في الجزيرة السورية، سألوا زعماءهم: كم تريدون؟ قالوا ثلاثين قرية ليستوعبوا كل النازحين. حصلوا على أقل من ذلك، لكنهم شكروا كمن اعتاد القليل ولم يعد يتوقع الكثير.
السريان وسوريا علاقة مؤلمة، معقدة مثل كل العلاقات الطويلة. في البداية كان النظام السوري يراهم حلفاء مسيحيين في مواجهة الإخوان المسلمين، فمنحهم امتيازات واعترف بأحزابهم. لكن حين انهارت سوريا عام 2011 سقط السريان بين فكي كماشة. النظام يتهمهم بالخيانة والمعارضة تتهمهم بالولاء. بين المِدَقَّين سُحق الكثيرون. قُتل منهم المئات واختُطف العشرات ودُمرت قراهم على يد كل الأطراف، كأنهم أرادوا تأكيد مقولة قديمة: في الحرب الأهلية لا أحد يظل محايداً إلا الضحايا.
في العراق قيل عنهم إنهم عملاء للغرب. في تركيا قيل عنهم إنهم خونة وأرمن متنكرين. في كل مكان تهمة لا تناسب أحداً، لكنها كانت كافية دائماً لتبرير عنف جديد. السريان ظلوا كجدار شهد كل الحروب ولم يعد له طاقة على الوقوع، فقط يتكئ على نفسه بصعوبة. الآشوري في العراق حمل السلاح عام 1933 ضد الجيش العراقي، فعرفه التاريخ كمتمرد. السرياني اختار أن يصمت فعرفه التاريخ كضحية طيعة. كلاهما خسر.
بعض المسيحيين في الشرق عموماً لم يتعلموا الرد على العنف بالعنف. هكذا ربتهم كنائسهم منذ البداية، لكن هذا النهج لم ينجح دائماً. عندما يأتي الرجل بالسكين لا يكفي أن تقول له أنا سامحتك. في لحظة العنف يسقط الكلام وتصعد الدماء. السريان تعلموا هذا الدرس متأخرين فتفرقوا في العالم كأجزاء من جسد واحد صار لكل جزء دولة مختلفة.
ثقافتهم تقوم على شيء واحد: الترجمة. في القرن الخامس حين كانت أوروبا تغط في ظلامها، ترجم السريان من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية. فلسفة أرسطو وطب جالينوس ورياضيات إقليدس عبرت إلى العالم الإسلامي على أيديهم. كانوا كجسر لم يلاحظ أحد أنه يصل بين ضفتين، والمارة مشغولون بالقتال على الجسر نفسه. الآشوري ترك مكتبة آشور بانيبال كإرث للحضارة، والسرياني ترك كنيسة ومذبحاً وقنديلاً. الأول ترك ألف لوح طيني، والثاني ترك أغنية.
يعتقد كثير من السريان أن لغتهم هي اللهجة التي تكلم بها المسيح، هذا ما يردده كل سرياني في العالم. ربما صحيح وربما لا، لكن التذكير بهذا الامتياز يحول اللغة من مجرد أداة تواصل إلى شهادة ميلاد لا تنتهي صلاحيتها. في كنائسهم، لا تزال الصلوات تقام بالسريانية كما كانت قبل ألف سنة. الكلمات هناك لم تتغير، لكن من ينطقها يتغيرون. جيل جديد في السويد وكاليفورنيا يحفظ الصلوات عن ظهر قلب ولا يفهم معناها، لكنه يرددها كمن يمسك بجواز سفر لا يستخدمه أبداً.

سؤال الهوية يطاردهم أينما ذهبوا. هل هم سريان أم آشوريون أم كلدان، أم مجرد مسيحيين شرقيين لا يعرفون ماذا يسمون أنفسهم؟ هذا السؤال في المهجر يتحول إلى معارك طائفية صغيرة، كمن يتقاتل على الاسم الأخير في سفينة تغرق. الآشوري يقول إن السرياني آشوري نسى أصله، والسرياني يقول إن الآشوري وثني تنصر، لكن أحداً لم يعد يملك خريطة يثبت بها ذلك.
ما تبقى منهم اليوم ما بين نصف مليون ومليونين. لا أحد يعرف العدد تحديداً لأنهم يجيدون فن الاختفاء أينما حلوا. ينتشرون من السويد إلى أستراليا ومن ألمانيا إلى الولايات المتحدة. في بقعة مضيئة كانت اسمها بلاد الرافدين لا يزال بعضهم باقياً في العراق وسوريا وتركيا وإيران، لكن أعدادهم تذوب كالثلج في الصحراء. الآشوري يحصي نفسه بخمسة ملايين في العالم، والسرياني لا يحصي أحداً، ولا أحد يحصيه.
ربما سر بقائهم أنهم تعلموا ألا يكونوا أقوياء، بل ظلاً لشمس الآخرين. لم يبنوا إمبراطوريات ولا يبكون على قبورهم بصوت مرتفع. حين تشرق الشمس لا ينتبه أحد إليهم، وحين تغرب يتمددون ليملأوا الفراغ. بين الشروق والغروب، يعرفون متى ينكمشون.
