الخميس 30 أبريل 2026

سفر الكتابة

حتى نكتب، ذلك يعني أن نشتق الحرف من قلب الصخرة، أو ننتشله من أعماق جوف الأرض، حتى نحادثه حديث الأصدقاء، حتى نخلق مناخًا للتلاقي مع روح الحرف. نختار الوقت المناسب كي يفتح أسرار كنوزه لنا. الحروف لا تنطق إن وجدت روحها أثناء معركة كتابة المقالة. الموضوع معلق بين الشك واليقين، بين الصدق وضده. صمتها يطول، عزوفها عن أن تخوض معركة من معارك واقع ينزف دمًا، واقع تقتله تناقضات الاغتراب بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ما يقال وما يجري على الأرض وما يمارس من أفعال.

حتى يكون لها صدى، ويكون لها التأثير المنشود، تستكثر على نفسها الدخول في مهرجانات السداح مداح، واستعراض عضلات الحروف من مخزونات موروث قيم لم يتم تمثله في حياة البشر، حتى لا يستخدم كميكاج ومجرد رتوش يحسن الصورة ويضفي نوعًا من الألمعية على السارد، دون إيمان وقناعة ومواقف تلتزم شرف نضالات حروف قدمت للبشر حين كتبت بالعقل الواعي المقاوم، الصانع لمعالم كلمات وحروف ومواقف. تاريخ مشرف رسم للقادمين بعد أجيال كيف كان الأمر، مركزه القول الملتزم.
في البدء كانت الكلمة، جوهرها حروف بالحق نطقت، صنعت للتاريخ والأجيال القادمة، كانت نبراسًا يضيء طريقًا وظروفًا مختلفة. وعلى أصحاب العقول النيرة الاهتداء بما قالته وأنجزته وتركته الحروف، لكن بمعايير جديدة تبتعد عن التكرار والتقليد. يظل جوهر وروح الكلمة صدق الحروف وصياغة مضامين وإيقاعات لما ترومه الحروف والكلمات ومن يكتبونها من تطلعات وصياغة أهداف يصنعونها. جوهر وروح حروف يتم اختيارها بعناية كي تشكل معاني وأهدافًا تواجه واقعًا آخر تزيفه حروف منمقة وكلمات تراقص وتناجي من بيدهم مادة وقوة غاشمة، تحذر وتخاف وتخشى قوة الحرف والكلمة. ترى أن الإطاحة المبكرة بكلمة "لا" الرافضة، وكلمة "لا" المقاومة، وكلمة "لا" الدالة على بديل جوهره طريق الحقيقة، ولو كان صعبًا أو شاقًا.
الكتابة أحد علامات البقاء الحي خارج مدافن التزييف واللعب على الدقون. ثمنها كان وما زال باهظًا. فلاسفة ومفكرون دفعوا حياتهم ثمنًا لبقاء نور الحرف وإشراق الكلمة هاديًا لمن يريد أن يرى ويكتشف الحقيقة. كما أن الحروف الصادقة التي تصوغ الكلمة الموقف ثمنها غالٍ لا يقدر بثمن، يخلدها الفكر والتاريخ، لأنها بموقعها ما استبخست قيمتها بأسواق الجاه والسلطان، وسلكت سبيل سقراط وحكماء دهر جعلوا من الحروف التي تشيد قصور الكلمات الغاليات، تتعالى على العسس وتجار الأسواق ومدح من يفتح للحروف والكلمات المنافقة دخول حرملك السلطان أو دخول أسواق المبايعات.
حرفنا الحالي في وطن محاط بكل ما يجعل من مكانة الحرف وقاموس الكلمات حالة تعيش حالة السؤال المسؤول: ماذا بعد؟ وإلى أين الاتجاه؟ بوطن مؤشرات كل من بيدهم الخروج من الأزمة الهيكلية التي تحيط بعنق وطن مخنوق، توحي بأنهم الجزء الأساسي للأشكال التاريخي الحابس أنفاس وطن يريد الخروج من أزماته الوطنية المركبة تاريخيًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وها نحن بين شقي الرحى نسأل: ماذا بعد؟ وإلى أين سترمي بنا المقادير لوطن متشظٍ وشعب ممزق وسلطات عددها كما تشاء، مجيرة طاعتها وسلطاتها وجوهر سياساتها الوطنية بأيادي الغير؟
هنا تقف الحروف والكلمات والسطور والصياغات التحليلية أمام مسؤولية ضمير الحرف ومسؤولية الكلمة. وفي البدء كانت الكلمة، لكن ليست أي كلمة تقال، ولكنها تلك الكلمة التي تشتق روحها من رحم وطن يبحث عمن باسمه ينطق. هنا تكون الكتابة مسؤولية ونحتًا بضمير، وليس غرفًا لسيل كلمات تجرف الحقيقة لتعوم ببحيرة من يسمح لها بالعوم، والنوم والاستجمام في حرملك ومسابح مولانا السلطان.