الخميس 30 أبريل 2026

يوميات (1)

هبطت الطائرة في مطار عدن عند الفجر.. لكن الفجر يكذب.. في المنافي له لون باهت كالحليب، أما في اليمن فله رائحة وحدها.. رائحة بارود شاخ في الذاكرة، ممزوجة بملوحة بحر متعب، وبرائحة خبز يابس لم يعد في جيب أحد ثمنه.

صورة رمزية انشأت بالذكاء الإصطناعي
نزلت من سلم الطائرة لا كمسافر بل كميت ينزل إلى لحده.. الأرض ثابتة تحت قدمي لكني أنا الذي أميل.. لا زوجة تستقبلني بزغرودة تشق كبد الغياب، ولا صغير يركض إلي صارخا.. يابه جيت؟..
في يدي كيس أسود يليق بالجنائز.. فيه قميصان غسلا حتى شابا، وعلب ادوية تحتضر فيها ثلاث حبات يتيمة، وتقرير طبي يكتب نعيي بالحبر الأزرق.. جسدك متعب مثل بلادك.. وفي جيبي 43 دولارا.. عددتها في الطائرة إحدى عشرة مرة.. وفي كل مرة كانت تنقص ولا تزيد، كأن العمر هو الذي يعد.
مد ضابط الجوازات يده ليختم، وسألني وهو لا ينظر إلي: عودة نهائية؟
ابتلعت موتي وقلت: نعم.. فقد أوقفت الشركة التي عملت فيها المشروع، فأرسلت أسرتي قبلي بنصف عام للبحث عن عمل اخر في منفى آخر.. فلم اجد إلا الريح.. فصارت عودتي قدري..
ضحك الضابط.. وختم الجواز كأنه يختم شاهدة قبر.. قال: أعانك الرب.. أهل اليمن لا يقولون الحمد لله على السلامة للعائد من الغربة.. يقولونها فقط للهارب منها.
سائق التاكسي في المطار سألني : معك فلوس تدفع؟.. ابتلعت السؤال مع ريقي، ومعه كرامتي..
لم أخبره أنني بالتأكيد لست ضمن كشف الإعاشة.. لم أخبره أنني لم يسبق لي أن التقيت بواحد منهم، ولا رأيت وجوههم التي شبعت، ولا شممت رائحة الدولار في جيوبهم التي ما عرفت الجوع.
أنا جئت من بلاد أخرى.. بلاد لا كشف إعاشة فيها، ولا مخصصات ولا دولار يتقاضاه الغائب عن وطنه وهو يتكئ على أريكة في الرياض أو القاهرة او تركيا او يساهم في اشباع جوعى اليمن من منظمة تصرف الدولارات للعاملين فيها.. ويحصي ثروته.
أنا جئت من بلاد الكدح.. من بلاد عملت فيها ليل نهار، بعت فيها عمري بالساعة وعرقي بالقطارة لأرجع بجيب مثقوب وقلب مثقوب.
ليتني كنت منهم.. ليتني كنت اسما في كشف أو رقما في حوالة تنزل كلّ أول شهر دون أن أرفع إصبعا.. ليتني كنت مسؤولا.. لا مغتربا.
أوضح السائق سؤاله حين رأى وجهي يشحب، وقال: أقصد معك فلوس يمني؟ أو نصرف بالطريق.. كما أنتم العائدين من الخارج، ما معكم إلا دولارات!
كأنّه طعنني مرتين.. مرة حين ظنّ أني منهم.. ومرة حين اكتشف أني لست منهم.!
عدن.. يا الله يا عدن.. مدينة من جراح مفتوحة.. وجوه الناس أرغفة يابسة، والأمن حكاية ترويها الجدات للأطفال قبل النوم.. الغلاء هو الحاكم الفعلي والقات هو رئيس الوزراء..
السفر بالحافلات يستغرق وقتا حتى يجمع السائق ركابه .. بحثت عن سيارة جازعة .. استأجرت هايلوكس عجوزا تشكو مثلها مثلي.. السائق كان غارقا في أغاني الزمن الجميل.. يا لوقاحته.. كل أغنية كانت تدخل سكينا في خاصرة الذاكرة وتديرها.
إلى أين يا خبير؟
إلى الرضمة.. هل تعرفها؟
أيوة، جنب دمت.. المناطق الوسطى..
نعم.. إلى هناك.. إلى قريتي.. إلى منفاي الحقيقي.. إلى حيث سبقتني أسرتي.. حولت الـ 43 دولارا إلى ورق محلي هزيل.. قلت لنفسي.. حتما ستكفيني للطريق.
وعند أول نقطة قام لنا جندي نحيل كالرمح المكسور بعينين صفراوين من القات والقلة..
إلى أين؟  .. القرية.. البطاقة.. ناولته الجواز.. قلبه كأنه ينبش في كفن عن ذهب.. لم يجد سوى وشم خروج نهائي على جلدة عمري..
قال وهو يبتسم ابتسامة الذئب: أوه.. طردوك؟
تجرعت الملح وقلت: فضلت ان أعود.. بصق على الأرض وقال: كلهم يقولون كذا..
دفعت له 2000 ريال حق القات.. كانت هذه أول جزية أدفعها!
نظرت في بقية عمري.. تبقى من الـ 43 دولارا ما يعادل 23.. قلت: حتما ستكفي صاحب الهايلوكس.. الرضمة ليست بعيدة عن عدن.. ثلاث ساعات فقط.. أليست محسوبة على المناطق الوسطى؟!
مررنا على أسواق القات.. كانت تعج بالحياة والموت.. الناس يشترون التخديرة بآخر ما تبقى من أعمارهم.. تذكرت أنني طلقت القات في الغربة لأن راتبي عجز عن مهره.. الآن عدت.. ولا راتب ولا قات.. عدت إلى الصحو الكامل.. أبشع أنواع التعذيب.. أن ترى كل شيء بوضوح.
كان الطريق إلى القرية معبدا بالذكريات المصلوبة.. سنوات قضيتها في المنفى أبيع ليلي ونهاري.. وها أنا الآن أرى الطريق اليها يقترب.. قلبي يركض أمامي كطفل لم يتعلم الحذر بعد.
عائد.. مريض متعب مفلس.. لا أمل سواها.. لا أمل سوى القرية أن تقبلني عظاما.. شعرت لوهلة أن هواء باردا نظيفا تسلل إلى رئتي.. إلى قلبي.. إلى روحي.
قالوا لي إن الوطن قيد.. كذبوا.. القيود الحقيقية كانت هناك في المنافي أما قيود الوطن.. فهي مصطنعة.. صنعها مجموعة خبثاء..
تذكرت خبز امي .. انهارت ركبتاي.. ركعت أرضا، كما يركع المذنب أمام قبر أمه.. ألقيت بالكيس الأسود أمامي.. ألقيت بالتقرير الطبي فوقه.. شهادة مرضي وشهادة افتقاري.. صارا كومة واحدة من الخزي أمام وطن كان يوما جنتي.
وبكيت.. بكاء رجل لم يبك منذ سنين..
بكاء الغريب الذي عاد فلم يجد غربته، ولم يجد وطنه!
التقرير الطبي اغتسل بدمعي فزال حبره.. وقميصي المتسخ من غبار الغربة صار انظف..
كنت واثقا بكل ما تبقى في من سذاجة العائدين بأن اليمن ستغسلني.. نعم، ستغسلني من ذل الغربة وعرقها وديونها.. ستغسلني ولو بالدمع.. ولو بالألم.
رفعت رأسي عن التراب لأمسح دمعي بكمي.. ها أنا الآن، أرى أمامي.. قيد كبير بحجم بلاد ينتظرني فاتحا ذراعيه..
وأي قيد هذا الذي أرتمي في حضنه باكيا؟!

للبقية تتمة....