القراءة والحساب مَفسَدة كبرى

مَرَّة كَانَ في إمام لأحد المساجد، معاه قميص يبلغ إلى مُنتَّصَف السَّاق، ولحية مُشَعَّثة حَمراء كَلِحية تَيس بَلَدي، وكان يُصَلِّي بالنَّاس، في الزَّمَان الغَابِر.. وكُلَّ أزمنتنا غَبرَا، والحمد لله. فَالليالي والأيام -عندنا- كلها مِن قَبيلة واحدة؛ وَكأنهن خَوَات، أو بنات عَم..
وَكَانَ هذا الشَّخص المُتزمِّت قَليلَ الحَظّ من المعرفة، ضَعيف القراءة، كثير الغلط وَالَّلحن والتَّحريف؛ وَمَعَ ذلك كَانَ متعصب، عنيد، لا يذعن لرأي، وَلا يَنقاد لبرُهَان؛ لا حَظَّ له من العلم إلا الصُّرَاخ الذي جالس يكَسِّر به رؤوس المصلين.
كيف طلع هذا إمام؟
لا يحتاج الجواب إلى فلسفة كثيرة؛ خَاصَّة في بلدان مثل بلداننا «المتقدمة»، «المتطورة»؛ فَالمَناصِب الدينية؛ مثلها مثل الوظائف والمناصب السياسية تقوم على مَعَايير مَعروفة؛ وأهمها: الولاء المطلق للسُّلطَة الحَاكِمَة؛ ثم لا يضرَّ أو لا بَأسَ أن يكون بَعدَ ذَلِكَ حِمَارًا أو حتى جَحشًا.
فَذاتَ مَرَّة، وهو في إحدى الصلوات: المغرب، أو العشاء؛ شَرعَ يقرأ بَعدَ الفاتحة، من «سورة الأعراف»، وقد أخذَ يُمَطِّط الآيات تمطيطًا خَارجًا عن الحَدِّ، والمصلين صَابرين، ومطولين بالهم عليه، وَهو مع ذلك يَقضِم حُرُوف الآيات قَضمًا؛ كَأنَّ في فمه لُبَّانة جالس يلعصها، أو كأنه في حالة مَخَاض مُتعَسِّر؛ هذا -طَبعًا- على أساس أنه خاشع في الصلاة؛ فقرأ قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثينَ ليلة، وأتممناها بعشر؛ فَتَمَّ ميقاتُ ربك) خَمسينَ ليلة.
وكانَ وراءه في الصَفّ الأول واحد من الشيوبة الكِبَار؛ فَتَنَهَّدَ تَنهيدةً طًويلة كَادَ أن يُفَارِق فيها الحياة، وَراجَعه مُصَحِّحًا: (أربعين ليلة).
وَظَلَّت زفرات هذا الشخص الشايب تتصاعد بِمسمع من المصلين الذين كانوا بقربه؛ حتى فَرغُوا من الصَّلاة؛ وكأنَّه كَانَ يَتَحسَّر على نفسه أنه بقى إلى مثل هذا الزَّمَان اللي شافْ فيه كُلّ هذي الغرايب والعجايب.
وبعد أن سَلَّمَ الإمام، وَأقبلَ على المُصلِّين بوجهه الذي يفيض «خُشُوعًا»، و«إيمَانًا»، و«تقوى»؛ لأجل يبدأ بَالتسبيح؛ التفتَ إليه الشيخ المُسنّ، وقال له:
يا ابني -الله يهديك- أنت لا تعرف تقرأ، ولا تعرف حتى تحسب!
وَارتجَّ المسجد بضحك المُصَلِّين.
