صنعاء 19C امطار خفيفة

صادقوا بناتكم!!

٠
نعم، صادقوا أولادكم، وبالذات البنات.
صادقوهم حتى تحموهم من الحفر والمطبات.
واحذروا أن تقولوا للأولاد:
أنتم أفضل من أخواتكم لأنكم رجال.
فهذا غير صحيح، ومن يقول إن هذا صحيح أن يأتيني بدليل صحيح من القرآن وما قاله رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
سيقول قائل، وله الحق:
وأنت ماذا فعلت مع ابنتك؟
سأقول لكم تجربتي المتواضعة:
أنا من ذهبت بها معي أمها إلى روضة الأطفال الكائنة وراء مبنى التعاونيات القديم في شارع الزبيري، وهناك وقفت على مشهد ظل في ذهني حتى اللحظة:
أب يبدو أنه ذهب ليلحق ابنه في الروضة، ولأن الصغير بدا مرعوبًا أن يدخل من الباب إلى مجتمع أكبر وجديد عليه، أمام تمنعه دفعه الأب نحو الداخل وأغلق الباب، فيما كان صوت الصغير يشق رأسي!!
قلت:
يا أخي، مش كذا.
أجاب بغضب:
مالكش دعوة.
فلم أعلق..
دخلت أمها مع تاج، وذهبت أنا لقضاء غرض سريع. دخلت إلى وسط الأطفال، وجدتها قد اندمجت معهم، فأمنت، فعدنا إلى البيت وتركناها..
عندما عدت ظهرًا لأعود بها، أقنعتها بالكاد أن تخرج!!
ومن الصباح التالي قامت مبكرة تريد أن تذهب إلى الأطفال..
لتدور السنوات وتلتحق بالمدرسة، وفي مدرسة "آزال" المختلطة والتابعة لجامعة صنعاء يومها..
أحرص كل صباح أن أذهب بها وأعيدها إلى البيت.
في الطريق ذهابًا وإيابًا ظللنا لسنوات نغني ونصرخ ونضحك، حتى بدأ النضج يبدو عليها، فقلت: يا تاج، أخبريني عن كل شيء يحصل تواجهينه في المدرسة، وهذا ما كان.
حتى أتت ذات مساء وسألتني:
إذا قال لي زميلي صباح الخير، أرد عليه؟
قلت: ردي وبس، ورحت أشرح لها لماذا، بس..
ومرت الأيام، وعلاقتنا تتطور وتكبر، وبالتوازي أرسل كل يوم رسائل مباشرة لإخوتها أنها تساويهم في كل شيء، إلا الدور الذي خلقها أرحم الراحمين من أجله، ولستم أفضل منها…
ذات ظهر عاد بها واحدًا من إخوتها، فقد انشغلت. وصلت، وإلى حيث أجلس تقدمت:
بجاش.
قلت: نعم.
عادك عند كلامك؟
قلت: نعم.
خذ.
مدت إلى يدي بورقة صغيرة، وراحت تراقب ملامح وجهي وكيف سيكون رد فعلي. ورقة صغيرة فككتها، بقلم رصاص مرسوم قلب وثمة سهم يخترقه، و:
يا تاج، أنا أحبك حب موت.
ابتسمت، قلت:
الصباح سيكون لي كلام.
ذهبت بها كالمعتاد، وإلى مكتب المديرة.
شرحت لها ما حصل.
استدعت مربية الفصل، هزت عصاها، قلت:
رجاء، ليترك لي الأمر، وأنتن الاثنتين راقبا ما سأفعل.
تاج تراقبني أنا.
جاء طفل صغير أنيق وسيم، أول ما رأيته علقت ضاحكًا:
ودنجوان يا…
وسألته: أنت ابن من؟
صادف أنه صديق عزيز.
قلت للصغير:
ما رأيك لو أكلمه؟
رد سريعًا: سيقتلني، لكن ما حصل ليس مني، بل من….
قلت للمديرة والمربية: أريد فلانًا.
طفل أتى وبدأ يتحدث، ولكن بثقة.
قلت: هذا لا علاقة له بالأمر.
وذهب.
حاصرت الصغير حتى بدأت دموعه تنحدر على خديه، قلت:
خلاص يا….. إلى هنا يكفي، وستكونون إخوة أنت وتاج.
هز رأسه موافقًا.
قلت للمديرة:
انتهينا.
مرت سنوات، وانتقل إلى مدرسة أخرى، وهي كذلك بعد الثاني إعدادي، ولأن اليمني مسكين ويستحي إذا واجهته وجهًا لوجه، وفيما كنا في الشارع، قالت تاج:
يا أبتي، ذلك هو فلان.
أصبح طويلًا وشعره كذلك.
فذهبت بالسيارة نحوه وناديته: يا محمد، هذه تاج. خجل وتوارى..
ما حصل عزز علاقتي بابنتي.
حاول إخوتها الهيمنة عليها:
ادخلي.
اخرجي.
اتحجبي.
لا تظهري.
تلثمي.
لكنهم، أمام إصراري ولسلوكها المستقيم، اقتنعوا أخيرًا، وساد البيت الوئام.
أتى موعد الجامعة، واللبنانية تحديدًا، وذهبنا سويًا، فكررت عليها أننا أصدقاء ومنحتها ثقتي. قلت لها: الأمر يخصك أنتِ قبلي.
نجحت في دراستها.
حتى أتت ذات نهار قالت:
بجاش.
قلت: نعم.
قالت: زميلي ووالده يرغبان في زيارتك.
قلت: أهلاً بهم، لكن لا زواج إلا بعد الجامعة، وهو ما حصل.
أتى مع أبيه، وبعد أول لقاء قلت للأب:
خلاص، اتركني من الآن مع صاحب الشأن.
وأيضًا سألتها:
هل تعلمين ما هو الزواج؟
قالت: نعم.
وافقت أنا.
خلاصة الأمر أنها تزوجت من شاب رائع يستحقها وتستحقه، وقد رزقت بالجميلة جوان.
أحسست ليلتها، وأنا قد سلمت يدها إلى يده، أنني أنجزت واجبي، وسط دموعي التي انسكبت على خدي.
هذا الصباح، وأنا أفتح عيني يوميًا لأتصل بها، صديقتي ابنتي، قلت لها:
الآن نصيحة مني، انقلي ما فعلناه إلى ابنتك، والأمر بالطبع كله عائد لوالدها العزيز…
من وحي ما حدث لتلك الفتاة المسكينة في حجة، أقول:
صادقوا بناتكم.

الكلمات الدلالية