الأربعاء 10 يونيو 2026

الحاضر بوصفه تاريخاً يتكرر

كثافة من الجهل، وكومة من الغباء..
فلا تُجهد نفسك كثيراً بتتبع تراشقهم وخصوماتهم، ودعهم لمكرهم الذي لن يحيق إلا بأهله. فما من مجرم يُرجى منه خير، ولا من حاقد يُنتظر منه إنصاف.

﴿سيُهزم الجمع﴾، ويبقى النصر حليف المؤمنين الصادقين، والكادحين الشرفاء، وكل من حمل قضية عادلة بإخلاص ونزاهة.

وكما أنه لا وجود لمقدسات مطلقة في التاريخ، ولا ليقينيات نهائية في سردياته، بقدر ما هو فضاء واسع لوجهات النظر المتعددة، وانعكاس للأيديولوجيات المختلفة، بل وتعبير عن أهواء من يكتبه ويدونه؛ حيث الرواية ونقيضها، والمعيارية وما يضادها، والقيمية وما يكتنفها من ادعاءات؛ فقد غدت كثير من حقائقه نسبية، وأحكامه غير يقينية، ومدوناته منحازة بدرجات متفاوتة.

إنه، في مجمله، حصيلة مقولات بشرية، وحكايات مجتمعية، وتدوينات انطباعية، لا أكثر.

ولأن التاريخ يتسم بهذه السيولة والمرونة، فإن الحاضر، وربما المستقبل أيضاً، لا يختلفان عنه كثيراً في السيرورة والصيرورة، وفي المعيارية والقيمية، وفي كل ما هو مشترك ومتشابه على المستوى المعيشي والمصيري. فالحاضر صورة ممتدة للماضي، ونسخة متجددة منه، بحكم وحدة الإنسان والزمان والمكان، واستمرارية الثقافة، وتجذر الأيديولوجيا، والترابط العضوي بين حلقات الأحداث دون انقطاع حقيقي.

وإذا كان التاريخ الإسلامي، وفقاً لما ترويه كثير من الحوليات والمصادر، قد اتسم بالصراعات وتغذى من روح الثأرية بدرجة أو بأخرى، فإن الواقع العربي الراهن لا يبدو مختلفاً كثيراً. فالأحداث تؤكد أننا ما زلنا نستهلك الثقافة ذاتها، ونكرر المواقف نفسها، ونعيد إنتاج الأزمات عينها.

كما أن المدونات التاريخية المعاصرة، ومعها الآلة الإعلامية المصاحبة، ما برحت تؤدي الدور نفسه في الرصد والتحليل والتبرير، وتعيد إنتاج الخطاب ذاته والتوصيف نفسه، كلٌّ بحسب انتمائه ومرجعيته ومصالح الجهة التي يدافع عنها أو يتحدث باسمها.

ومن هنا يبدو المشهد العربي عموماً، واليمني على وجه الخصوص، أقرب إلى فسيفساء من الآراء المتناقضة، والمواقف المتعارضة، والرؤى المتشاحنة والمتصارعة. ولا تلوح في الأفق مؤشرات كافية على حلول عقلانية أو معالجات جادة، سواء في مقاربة الأحداث ومساراتها، أو في تحليل القضايا وتشخيصها، أو في استشراف المستقبل ومآلاته.

فحين يطالع المرء وسائل الإعلام المختلفة، ويستمع إلى المحللين والمفكرين والمؤرخين وهم يتناولون الأحداث الجارية، يلحظ أن كثيراً منهم يقرأ الوقائع من زاوية مصالحه الخاصة أو مصالح جماعته السياسية، وكأنه أسير إطار ذهني لا يستطيع الفكاك منه، أو محكوم بسردية جاهزة لا يملك مغادرتها.

يلتزم خطاباً موجهاً سلفاً، ويردد ما يُراد له أن يردده، حتى تبدو عقدته الأساسية في إقصاء خصمه السياسي، ويتجسد أقصى طموحه في الانتصار على مخالفه الفكري، بل ويغدو خلاصه المتوهم مرهوناً بسحق مغايره المذهبي.

وعلى هذا النحو، يتحول إلى كتلة من التوتر والانفعال، ومخزون من الأحقاد والضغائن، لا يكاد يحمل في قاموسه معنى حقيقياً للسلم والتعايش، أو للوفاق والحوار، أو للبناء والإعمار.

إنه لا يلتفت إلى المشتركات الإنسانية الجامعة، ولا إلى الثوابت الوطنية الرابطة، ولا يبحث عن فرص الوئام وممكنات الحلول والمصلحة العامة، بل يظل يدور في حلقة مفرغة، عاجزاً عن إدراك حجم التحديات التي تحيط به.

وما أحوجنا اليوم إلى نخبة سياسية وثقافية راشدة، تمتلك وعياً عميقاً بالواقع، وتقرأ المشهد بعين بصيرة وحصيفة، بعيداً عن الراديكالية المتشنجة والعصبيات الضيقة، وتؤمن بأن بناء الأوطان لا يكون بالثأر والإقصاء، بل بالشراكة والتوافق واحترام التنوع.