الاصطفافات المغلوطة في قلب الصراع
في إطار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد المعركة محصورة في ساحات السياسة والعسكر، بل امتدت إلى وعي الشارع، حيث تشكلت اصطفافات حادة يغلب عليها الانحياز العاطفي المخل، أكثر من استنادها إلى مبادئ أو قراءة موضوعية.
اللافت أن كثيرًا من هذه الاصطفافات تجاهلت بشكل شبه كامل منظومة القانون الدولي ومرتكزاته، وكذلك الأعراف التي طالما شكلت الإطار الناظم للعلاقات بين الدول. فبدلًا من الاحتكام إلى مفاهيم مثل السيادة، وعدم الاعتداء، وحماية المدنيين، جرى استبدالها بسرديات أيديولوجية أو طائفية، تُعيد تعريف الصراع وفق هوية الخصم لا وفق طبيعة الفعل.
في هذا السياق، انقسم الشارع الإسلامي إلى اتجاهين رئيسيين. الأول، اصطف خلف خطاب طائفي صريح، يرى في المواجهة فرصة لتصفية حسابات مذهبية، معتبرًا أن استهداف إيران مبرر بكونها تمثل "الشيعة"، دون اكتراث بكلفة هذا المنطق أو تداعياته الأخلاقية والسياسية. وقد انضم إلى هذا الاتجاه شريحة أخرى، لا تنطلق بالضرورة من دوافع طائفية، بل من تجارب مريرة مع قوى أو ميليشيات مرتبطة بإيران في دول مثل اليمن أو العراق أو سوريا، مما جعل موقفها مشحونًا بردود فعل انتقامية.
في المقابل، برز اتجاه آخر تمسّك برفض الانجرار إلى هذا الاستقطاب الحاد واعتمد العقلانية في موقفه. إن موقف الرافضين للحرب ضد إيران لا ينبع من محاباة لها أو تأييد لسياساتها، ولا يتجاهل الخلافات الجوهرية معها، بل يستند أساسًا إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي والأعراف الدولية -بعيدًا عن أي اعتبارات عاطفية أو خلافات سياسية قائمة - التي تنص على احترام سيادة الدول ورفض استخدام القوة خارج إطار الشرعية.
ومع ذلك، واجه هذا التيار حملة تخوين واتهامات وصولا الى "التخوين الديني" والوقوف في الصف الايراني الشيعي والولاء له ، في تجسيد واضح لإشكالية أعمق تتمثل في تحويل الموقف السياسي إلى اختبار عقائدي او انتمائي .
الحقيقة التي يجري القفز عليها عمدًا هي أن رفض ضرب إيران لا يعني بالضرورة تأييد نظامها، تمامًا كما أن انتقاد سياساتها لا يبرر التغاضي عن خرق واضح لقواعد النظام الدولي. فالمعيار يجب أن يكون الفعل ذاته: هل نحن أمام انتهاك لمبدأ سيادة الدول؟ هل تم استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية؟ هل هناك ازدواجية في تطبيق المعايير؟
وفي هذا السياق، يبرز مثال صارخ على هذه الازدواجية في طريقة تحميل المسؤوليات. فقد جرى توجيه اتهامات متكررة إلى إيران بتأجيج الصراع، رغم أن مراحل سابقة تشير إلى انخراط ايران فعليا في مسارات تفاوضية، بالاضافة الى عدم مبادرتها بضربات عسكرية مباشرة. غير أن المشهد انقلب جذريًا عندما ردّت عسكريًا كرد فعل دفاعي، مستهدفة مواقع داخل إسرائيل، إضافة إلى قواعد عسكرية أمريكية في الخليج.
المفارقة أن هذا الرد قوبل بصدمة واستنكار واسع، بل وتحول سريعًا إلى إدانة، متجاهلين الفعل الأصلي الذي استدعى هذا الرد. وعليه، فإن تجاهل هذا السياق، والتركيز فقط على نتائج رد الفعل يعكس خللًا بنيويًا في قراءة الصراع.
هذا النمط من التعاطي لا يعكس فقط انحيازًا سياسيًا، بل يكشف عن ازدواجية معايير قاتلة.
ما يحدث اليوم يعكس تحولًا خطيرًا في بنية النظام العالمي، حيث يتم تقويض فكرة العدالة الدولية لصالح منطق القوة المجردة، فحين تُضرب القوانين الدولية عرض الحائط، ويُعاد تعريف الشرعية وفق موازين القوة العسكرية، فهذا يشير بالضرورة إلى أن العالم ينزلق تدريجيًا نحو نموذج "البقاء للأقوى"، وهو نموذج لا يهدد الدول الضعيفة فحسب، بل يقوض الاستقرار العالمي برمته. فإما أن يُعاد الاعتبار لمنظومة القانون الدولي كمرجعية ضابطة، أو أن يُترك المجال مفتوحًا أمام فوضى دولية تُدار بمنطق الغلبة. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة القدرة على التفكير خارج ثنائية "مع أو ضد"، والتمسك بموقف مبدئي يرفض الظلم، أيًا كان مصدره، دون الوقوع في فخ الاصطفافات المغلوطة.