الحرب وضعفاء النفوس
الحروب لا تكتفي بتدمير المدن والطرقات والمنشآت، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تعبث بوعي المجتمعات، وتستهدف هويتها وتاريخها وذاكرتها الجمعية. وفي خضم هذه المآسي، يبرز دور أولئك الذين تضعف نفوسهم أمام إغراء السلطة أو المال أو النفوذ، فيتحولون إلى أدوات طيعة في أيدي صناع الصراعات ومهندسي الأزمات.
هؤلاء لا تحكمهم المبادئ ولا تردعهم القيم، بل تحدد مواقفهم مصالحهم الآنية وحساباتهم الضيقة. فهم يصطفون دائمًا إلى جانب من يظنون أنه الأقرب إلى السلطة والأقدر على منحهم الامتيازات، غير عابئين بإرادة الشعوب أو بمصالح الأوطان. وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ، كان لهذه الفئة دور في إعاقة التغيير وإطالة أمد الاستبداد، لأنها توفر له الغطاء الذي يحتاجه للاستمرار.
لقد عرف اليمن تجربة سياسية تعددية أتاحت للناس فرصة التعبير عن إرادتهم عبر الوسائل الديمقراطية، وكان بالإمكان أن تشكل هذه التجربة أساسًا لبناء دولة حديثة قائمة على الشراكة والمواطنة. غير أن ضعف الوعي لدى البعض، وانسياق آخرين وراء المصالح الشخصية، أسهما في إضعاف هذه التجربة وإفراغها من مضمونها الحقيقي.
إن اختلاف المواقف والآراء حق مشروع تكفله القوانين والأعراف الديمقراطية، والاحترام واجب لكل صاحب موقف ثابت وواضح، مهما اختلفنا معه. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في أولئك الذين يبدلون مواقعهم ومواقفهم وفق اتجاه الريح، ويجعلون من مصالحهم الخاصة معيارًا وحيدًا للحكم على القضايا الوطنية. فهذه الفئة كثيرًا ما تقف عقبة أمام تطلعات الشعوب نحو التغيير والإصلاح.
لقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية صعود مشاريع متعارضة، بعضها يستند إلى العصبية الطائفية، وبعضها يقوم على الانتماءات المناطقية الضيقة. ومع اشتداد الصراع، وجدت القوى الإقليمية والدولية في هذه الانقسامات فرصة لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها، مستفيدة من وجود قوى محلية مستعدة للارتهان للخارج وتقديم الولاء له على حساب الوطن.
وفي المقابل، تراجع مشروع الدولة الجامعة التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والشراكة الوطنية، رغم أنه كان الأقرب إلى تلبية تطلعات اليمنيين في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة. ومع تعدد الولاءات وتضارب الأجندات، وجد الوطن نفسه أسيرًا لصراعات لا تخدم أبناءه بقدر ما تخدم مصالح الآخرين.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة، يعلو صوت الناس مطالبًا بوقف نزيف الدم والخراب. فالشعوب أنهكتها الحروب، وأثقلتها الأزمات، ولم تعد تحتمل المزيد من الانقسامات والاستقطابات. إن ما خلفته هذه الصراعات من مآسٍ إنسانية وانتهاكات ودمار كفيل بأن يدفع الجميع إلى مراجعة مواقفهم وتغليب لغة العقل والحوار على منطق القوة والسلاح.
كما أن محاولات إعادة إنتاج الصراعات القديمة واستدعاء الانقسامات المذهبية أو المناطقية لن تقود إلا إلى مزيد من التمزق. فالأوطان لا تبنى بالكراهية، ولا تستقر بالإقصاء، بل تنهض بالتسامح والتوافق والاعتراف المتبادل بين جميع أبنائها.
سيبقى اليمن، رغم كل ما مر به، وطنًا عريقًا في تاريخه وحضارته، وأكبر من المشاريع الضيقة والأشخاص العابرين. وستظل إرادة أبنائه في بناء دولة عادلة وآمنة وقادرة على احتضان الجميع هي الأمل الحقيقي للخروج من دوامة الصراع واستعادة مسار الدولة والسلام.
