صنعاء 19C امطار خفيفة

الكاكائية.. تجربة فوضوية تقف على الحافة

في جبال كرمنشاه على أطراف الحدود الإيرانية العراقية حيث الضباب يلتحف القمم كأنه يُخفي شيئاً، والحدود تُكتب بالدم لا بالحبر، ظهرت جماعة قررت أن تكتب عقيدتها على جلد الغزال لا في دفاتر الفقهاء. الكاكائية، أو أهل الحق، أو "اليارسانية" تشكلت في القرن الخامس عشر ضمن تداخل معقد مع التشيع. تركوا المساجد خلفهم ومضوا إلى الوادي يبحثون عن إله لا يسكن العرش. إله يسكن القلب حين ينخلع من الخوف.

ارتبط اسم هذه الفرقة بصورة رمزية تُحيل إلى لفظة "كاكا" في اللسان الكردي، بما تحمله من معنى الأُخوة أكثر مما تُحيل إلى شخصية تاريخية محددة. ومع ذلك تظهر في بعض الروايات بوصفها قناعاً لشاعر صوفي أو مرشد روحي، يحمل تأويلات تبدو للبعض جريئة، وربما تتجاوز مستويات الفكر المألوف.

الكاكائيون

سلطان سحاك، الشخصية المحورية في هذا النسق، تحوّل في مخيلتهم من واعظ إلى مركز روحي تتكثف فيه المعاني. ليس مؤسساً بالمعنى الصارم بقدر ما هو منظم للرؤية، أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمطلق. فيه من رمزية الحسين، ومن أصداء الأساطير الفارسية، ما يكفي لتأسيس أفق ديني خاص. لم يترك كتاباً منهجياً واضحاً ولا رسالة بالمعنى التقليدي، ترك فكرة أن الله لا يحتاج إلى عرش ولا إلى كرسي، لكنه يحتاج إلى قلب يهتز على إيقاع الدف.

قال لأتباعه إن المعرفة الروحية لا تنزل من السماء بقدر ما تنبع من الداخل، حيث يقف المريد. وإن الجنة ليست بعد الموت إنما هي لحظة تشعرون فيها أنكم أصبحتم بلا وزن. وإن علي بن أبي طالب كائن نوراني يتجسد في كل زمان في شخص يعرف كيف يحمل السر. هذا القول جعلهم في صدام عقدي مع من يؤمن بأن النبوة انتهت عند محمد، وبأن السماء أغلقت بوابتها إلى الأبد.

الكاكائيون في غالبيتهم أكراد يتحدثون الكورانية التي كتبوا بها كتبهم المقدسة، كأنهم يريدون أن يخبئوا أسرارهم بلغة لا يفهمها جيرانهم. ينتشرون على طرفي الحدود العراقية الإيرانية حيث يعيش الأكراد، ويتشاركون معهم الزي نفسه والذاكرة نفسها. بعض الباحثين يقول إن الكاكائية تسبح فوق القوميات، لكن السواد الأعظم من أتباعها أكراد. في المجالس السياسية والاجتماعية لا يسألهم أحد عن عقيدتهم يكفيهم أنهم "كورد".

كاكائي يحمل  علم كردستان ـ منصات

طقوسهم لا تشبه الصلاة ولا تشبه الرقص. إنها هجين غريب يتنفس. يجتمعون في ليالي الجمع في بيوت لا تعرفها الخرائط. يدورون حول لا شيء، ويرددون كلمات لا معنى لها إلا لمن بلغ الدرجة السابعة من المعرفة. الخمر عندهم نعمة، لأن السكر لديهم قد يكون أقصر طريق إلى الله.

الأنثى تحضر المجلس كالرجل من دون القيود المعتادة، وكأن المجتمع الإسلامي برمّته كان مجرد كابوس طويل استيقظوا منه في تلك الغرفة المغلقة. الرقصة التي يرقصونها في ليالي الجمع تشبه إلى حد كبير رقصة من سئم الانتظار فقرر أن يكون هو الموعد.

العقيدة الكاكائية أشبه بفسيفساء جمعت قطعاً متنافرة. من التشيّع أخذوا حب آل البيت، ومن التصوف أخذوا الحضرة والوجد، ومن الزرادشتية أخذوا النور والظلمة، ومن الأساطير الكردية أخذوا القدرة على رواية كل شيء وكأنه حدث البارحة. لا أحد يعرف أين تنتهي العبادة عندهم وأين تبدأ الأسطورة.

كتبهم المقدسة ليست كالكتب. "سرانجام" يُقرأ كقصيدة طويلة فقدت قافيتها، و"دفتري دل" يشبه مذكرات مجنون حاول أن يكتب ما رآه في المنام. في هذه النصوص يختلط آدم بعلي، ويصافح الحسين ملكاً يسمى باوة ياد، وترتفع أرواح الموتى إلى سماء لا تعرف الجنة ولا النار. لا أحد يستطيع أن يقول بثقة أين ينتهي التاريخ وأين تبدأ الأسطورة، وهذا بالضبط ما يريدونه: أن تظل الحقيقة معلّقة كغيمة لا تمسكها الأيدي.

والغريب أنهم على هذا الغموض الشديد، شديدو التمسك بأسرارهم. الكاكائي الحقيقي لا يشرح دينه لأجنبي، ولا يتزوج من خارج الطائفة. التقية عند الكاكائي ممارسة يومية للحفاظ على البقاء. يصلّون خلف الأئمة في المساجد، ويصومون رمضان مع الجيران، ويسمّون أبناءهم بأسماء إسلامية تقليدية. في الظاهر هم سنة أو شيعة، لا فرق كبير. لكن في الباطن، في تلك الغرفة التي لا يعرف مدخلها إلا من ولد فيها، يخلعون كل الأقنعة ويتركون لوجوههم أن تتنفس.

إحياء عيد "قولتاس" ـ منصات

هذا الازدواج جعلهم ينجون من قرون من الاضطهاد. كلما جاء جيش جديد يبحث عنهم، كانوا قد اختفوا في الجسد السني أو الشيعي، يبتسمون في وجه السلطان ويحتفظون بأسرارهم لليلة أخرى. وعلى مر القرون تعلموا أن البقاء ليس لمن هو على حق بل لمن يعرف كيف يُخفي حقه.

في العهد العثماني أفتى الفقهاء بقتلهم لأنهم يشربون الخمر جهراً ولا يصلّون في المساجد. وفي إيران الصفوية تعرضوا للاضطهاد لأنهم يقدسون سلطان سحاك بصورة تتجاوز المألوف الإسلامي.

في العراق الحديث صار الكاكائيون هدفاً للميليشيات والتنظيمات على السواء. السنّة كفروهم لأنهم يقدسون علياً كإله، والشيعة كفّروهم لأنهم يخلطون الدين بالأساطير الفارسية.

قُتلوا بقنابل تنظيم داعش، ثم قُتلوا بصمت المجتمع الذي يخاف من يختلف. ومع كل هذا لا يزال الكاكائي يخرج صباح كل يوم من بيته، يهمس بدعائه الذي لا يفهمه جاره، ويمضي إلى عمله كأنه لم يُقتل أمس ولم يولد اليوم، وكأن الجبل الذي يختبئ فيه ما زال يحفظ أسراره.

هرب الآلاف إلى أوروبا حاملين في حقائبهم نسخاً من "سرانجام" مترجمة إلى الألمانية والسويدية. وفي مدن مثل برلين وهامبورغ، يحاول الكاكائي الجديد أن يشرح لابنه لماذا لا يصلّي كما يصلّي زملاؤه في المدرسة، ولماذا يحتفلون بأعياد لا تعرفها التقاويم.

للكاكائية نظام روحي فريد، سبع طبقات من المعرفة تبدأ بالحقيقة وتنتهي بالولاية. كل طبقة تتطلب من السالك أن يموت ثم يُبعث، أن يفقد ثم يجد، أن يكفر بما كان يؤمن به ليؤمن بما لم يكن يعرفه.

في قمة السلم يقف قطب لا يراه إلا من بلغ النهاية. وعند القطب، تتداخل كل الأديان وتتلاشى كل الحدود، ويصبح الكاكائي وجهاً لوجه مع إلهه دون وسائط. إله ليس له شكل لكنه يحب سماع الشعر، إله ليس له يد لكنه يمسح على رأس من يبكي في العزلة.

الكاكائية تجربة فوضوية في أن تكون على حافة كل شيء. على حافة الإسلام والكفر، على حافة الشريعة والحقيقة، على حافة الجنون والعقل. كأنهم أدركوا مبكراً أن اليقين قبر، وأن الإيمان الحقيقي يبدأ حيث ينتهي التعريف. في عالم يتقاتل على صيغة "لا إله إلا الله"، هم جالسون في زاويتهم يتساءلون: من قال إن الإله يجب أن يكون واحداً فقط؟ من قال إن الطريق إلى السماء يمر بالمسجد؟ من قال إن الجنة تحتاج إلى كل هذه الضجة؟

ربما يكون الطريق قصيراً، كأس نبيذ وأغنية قديمة، ودوران لا ينتهي حتى تشعر أن الأرض تهتز تحتك. عندها فقط قد تدرك أنك كنت كاكائياً طوال الوقت ولم تكن تعلم. أو قد تدرك أنك كنت ثمِلاً طوال الوقت ولم تكن تعلم. والفرق بين الحالتين عند الكاكائي ليس كبيراً، لأن السكر هو السكر، سواء كان بالخمر أو بالإيمان.

الكلمات الدلالية