صنعاء 19C امطار خفيفة

أزمة السلام في اليمن

لأن اليمن أصبح ملف مصالح متشابكة تتقاطع فيه أجندات دولية، وإقليمية، ومحلية تلتقي كلها في غير صالح اليمنيين؛ فهو عبارة عن ملف نهب دولي وإقليمي ومحلي، والنهابة لا يرغبون في إنهاء الحرب وحالة اللاسلم واللاحرب وتحقيق سلام دائم، لأن هذا في غير صالحهم، والمواطن اليمني البسيط في كل هذا وذاك هو الخاسر الوحيد.

ومأساة السلام في اليمن أنه أصبح له تجار، ومواسم، ومبعوثون دوليون برواتب بالدولار، وقطع رواتب الموظفين، وتجويع، وتهجير شعب، وفوق هذا وذاك أن كل طرف من الاطراف اليمنية يرفع راية سلامه الخاص المغدق عليه بأموال السحت التي يحشد من أجلها أبناء الفقراء ليقاتلوا ويُقتلوا باسمه، ولحساب سلامه المزعوم، والنتيجة مقبرة كبيرة اسمها اليمن.
فلا تضحكوا علينا ولا نضحك على أنفسنا، فليس هناك نية دولية ولا إقليمية ولا محلية صادقة لوقف المأساة اليمنية، وإلا لما كنا جالسين 10 سنوات ونحن عالقون في هدنة عرجاء عوراء عوجاء مكسورة.
برأيي أنه يجب علينا نحن اليمنيين الموجوعين من هذه الحالة أن نثق بعدم وجود إرادة دولية حقيقية أو إقليمية جادة تضغط على وكلائها المحليين لإنهاء حالة الحرب والاتجاه لتحقيق سلام دائم ينهي المأساة في هذا الجزء من الكرة الأرضية، وإنما يجب علينا أن نعي جيدًا دلالة وعمق معنى المثل الشعبي الشهير القائل: "من ركن على الناس أكلها يابسة"، والمثل القائل: "ما حك جلدك مثل ظفرك".
ولا أظن أن هناك على كوكب الأرض كله -من غير حكامنا طبعًا- من يجهل أن المواطنين اليمنيين منهكون إن كانوا في وطنهم، وموجوعون إن كانوا في المهجر، فأينما وجدوا فهم المتميزون بالقهر، والأوجاع؛ ولا أظن كذلك أن هناك من يجهل أن المجتمع اليمني ممزق بين عدة جبهات، وأنه لا يعيش في ظل دوله، وإنما يعيش في ظل سلطة مشتتة، ومليشيات متعددة، واقتصاد منهار، وتجويع متعمد، وتجهيل ممنهج وفساد لاحدود له.
قليل هم اليمنيون المنتفعون من هذه الأوضاع الأليمة ولا يرغبون في تغييرها؛ لأنهم يقتاتون عبرها من دماء ودموع الشعب وأوجاعه، وهؤلاء تعرفونهم بضخامة كروشهم، وانتفاخ أوداجهم واحمرارها!
أما أغلب اليمنيين فهم موجوعون من استمرار هذه الأوضاع ويريدون السلام، ومفجوعون في نفس الوقت؛ لأن سلاح المليشيات فوق رؤوسهم، ومعتقلاتها الموحشة إن حملوا علم وطنهم، أوشكوا أوجاعهم ستكون مآلهم ليقفوا أمام محكمة ظالمة تقرر عليهم العقوبات الجسيمة بما يُملى عليها بعيدًا عن أحكام شرع الله والقانون ودون وازع من ضمير، ولهذا فأية مبادرة سلام في مثل هذه الظروف فإنها تخنق قبل أن تولد.
أنا لا أهول، ولا أهون، ولا أتفاءل ولا أتشاءم، وإنما أرى أن هذا نتيجة طبيعية لـ10 سنوات حربًا، وبعدها "هدنة" عوجاء عرجاء، فالنتيجة إذن اقتصاد متدهور، وظلم مستفحل، ومجاعة يتسع نطاقها من يوم الى آخر، وبطالة في ازدياد، وأسواق سلاح في كل زغط، وسلب ونهب وجبايات مجحفة، والهويات الصغيرة تأكل الهوية الأم.
المنتفعون من كل هذا هم قلة من كل طرف من أطراف العبث بالبلاد، ولديهم من القدرة والمرونة ما يجعلهم يتأقلمون بسرعة البرق مع الفوضى ويغذونها، حتى تصبح أمرًا طبيعيًا في رؤوس الناس الضحايا، وتصير أمرًا مألوفًا في حياتهم، وهؤلاء المترفون يرتاحون مع هذه الأوضاع ويغذونها؛ لأنها أصلًا من صناعتهم، ومنها يجنون ثرواتهم، فهم إذن طباخوها لا من الله عليهم ببركة في حال ولا مال ولا ولد.
والأخطر من هذا كله أولادنا. ذلك أن النشء اليوم يرضع المذهبية، ويحفظ دروس العنف وكراهية الآخر قبل أن يحفظ الفاتحة وجدول الضرب، ويكبر وهو يشاهد البندقية والأثوار التي تحل مشاكل الناس، ليس الدولة والقانون، ويتعلم أن الوساطة المسلحة أقوى من النظام والقانون، ويتطبع مع ديوان الشيخ، ويراه أجدى وأصوب من منصة محكمة القاضي.
بالله عليكم: أي سلام يطلع من جيل تربى على هذا النحو وفي مثل هذه الظروف؟
بالتأكيد سيكون سلامًا قشًا وهشًا، أية هبة ريح تطيره إلى سابع أرض، لاستحالة التعايش بعيدًا عن الدولة المدنية ووجود الأمن والأمان والعدل.. مما يعني أن التعايش سيظل بلا عافية ينقصه الأمان والعدل، وإذا ما قيل لنا بسلام ما، فسيكون سلامًا مبنيًا على توازنات سلاح واستقواء وترتيبات مؤقتة تخدم مصالح الأطراف العابثة بالوطن لا أقل ولا أكثر.
وعلى هذا الكلام، فالكل كذابون، فبدون ضغط شعبي موحّد ومنظم يتبناه المجتمع ومنظمات المجتمع المدني، وبغير مسار سياسي يسانده الأكاديميون والأحزاب والاتحادات والنقابات، يحمي المدنيين أولًا، والمعارضة والنقاد ثانيًا، سيبقى السلام في اليمن مجرد أمنية لا خطة ولا خارطة طريق له.
وربما لن يُولَد سلام اليمن عبر مؤتمر فخم يعقد في فنادق الخمس النجوم، كما يرى البعض، وكما يجري منذ لقاء الكويت، وهو أول لقاء بعد انقلاب 21 سبتمبر 2014.
وحتى يقيض الله لنا قادة محترمين يختارون لنا مفاوضين محترمين من أبناء جلدتنا يتفاوضون مع أنفسهم ومع الأطراف الإقليمية والدولية لإحلال سلام دائم في اليمن، ويكون لديهم ولو القليل والقليل جدًا من وطنية أولئك الرجال الفيتناميين الذين ذهبوا إلى فرنسا للتفاوض مع الأميركيين على استقلال بلادهم، ورفضوا النزول في فندق الخمس النجوم الذي حجز لهم الأمريكيون فيه لإقامتهم خلال فترة التفاوض، وفضلوا السكن في شقة متواضعة مع طلبة من أبناء جلدتهم الذين كانوا يدرسون في فرنسا.
أقول: إلى حينذاك فقد يتحقق السلام من هدنة صغيرة تتبعها هدنة أكبر، ثم هدنة أكبر وأكبر... وهكذا تتوالى الهُدن، وتتحسن في كل هدنة خدمة من الخدمات العامة، وتختفي صورة من صور الفوضى بما يكفل مثلًا أن يصل الماء إلى منازل الناس بانتظام، ويحظى المواطن بخدمات أمنية وقضائية بلا رسوم غير قانونية، وتختفي مظاهر البلطجة في الشوارع، ولا نرى ولا نسمع عن ابتزاز التجار والباعة على خلاف القانون، ويشهد الواقع انتظامًا مستمرًا في خطوط سير المركبات كلها بما فيها الدراجات النارية، ويرى الناس مدرسة تُفتح، ومفردات العبث بالمناهج الدراسية تتلاشى، وتمنع مظاهر حمل الأسلحة النارية في المدن، وتعاد خدمة التطبيب، والتعليم المجاني، وترفع نقاط التفتيش، من داخل المدن، ويفرج عن الأسرى والمعتقلين، وتلغى المحاكم الجزائية المتخصصة غير الدستورية الظالم قضاؤها، ويكتب الصحفي دون أن يلتفت وراءه.
إن تحققت هذه اليوميات، فسيتسع الطريق لخريطةٍ أكبر؛ وإن خُنقت سيبقى اللاحرب واللاسلم هو العنوان للحالة اليمنية، ويبقى اليمني يفتّش عن وطنه بين نقاط التقاء المصالح، أو يقضي عمره في محطات الاغتراب موجوعًا مبتذلًا مقهورًا!
والله غالب على أمره.

الكلمات الدلالية