الإثنين 15 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • القعقاع.. حين اكتشفناه بعد فوات الأوان: من فوهة بركان دمت إلى فوهة الإهمال اليمني

القعقاع.. حين اكتشفناه بعد فوات الأوان: من فوهة بركان دمت إلى فوهة الإهمال اليمني

في اليمن لا توجد لدينا مشكلة في اكتشاف الأبطال.
المشكلة فقط أننا نكتشفهم بعد موتهم.
أما وهم أحياء، فنتركهم يتدبرون أمورهم وحدهم، ويصارعون الحياة وحدهم، ويواجهون المخاطر وحدهم، ثم عندما تقع الكارثة نخرج جميعاً من مخابئنا الفكرية لنعلن أننا كنا نعرف قيمتهم منذ البداية.

القعقاع
القعقاع

هكذا حدث مع القعقاع.

الشاب الذي تحوّل خلال سنوات إلى ظاهرة شعبية في دمت، والذي كان يتنقل فوق الحواف والفوهات البركانية بطريقة جعلت البعض يراه بطلاً، وآخرين يصفونه بالمغامر، فيما اكتفت الدولة والجماعة والمجتمع بممارسة دور المتفرج.

ثم سقط.

وفجأة اكتشف الجميع أنه كان مهماً.

وفجأة أصبح الجميع خبراء في تفسير حياته وموته.

وفجأة تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى مراكز أبحاث عالمية في علوم الجاذبية والمغامرات البشرية.

وكأن اليمن تمتلك وكالة فضاء، لكنها كانت تنتظر فقط وفاة القعقاع لتبدأ نشاطها العلمي.

كيف نصنع الأبطال ثم نتخلى عنهم؟

الحقيقة أن القعقاع لم يولد بطلاً أسطورياً.

ولم ينزل من السماء.

بل خرج من البيئة اليمنية نفسها.

من الجبال نفسها.

ومن القرى نفسها.

ومن الظروف نفسها التي تدفع آلاف الشباب يومياً للبحث عن فرصة وسط الخراب الكبير.

لكن الفرق أن القعقاع وجد طريقته الخاصة للنجاة.

حوّل الجبل إلى مساحة عمل.

وحوّل الخطر إلى مصدر جذب.

وحوّل الجرأة إلى هوية.

بينما عجزت مؤسسات كاملة عن تحويل منطقة سياحية مثل دمت إلى مشروع اقتصادي منظم يوفر فرص عمل آمنة لأبنائها.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الجمهورية التي يحكمها شعار "الله يستر"

في الدول الطبيعية توجد خطط طوارئ.

وفي الدول المتقدمة توجد إجراءات سلامة.

وفي الدول المحترمة توجد مسؤوليات واضحة.

أما في جمهوريتنا العجيبة، فما زال الشعار الوطني غير المعلن هو:

"الله يستر."

إذا انهار طريق قلنا الله يستر.

إذا غرقت مدينة قلنا الله يستر.

إذا مات شاب فوق فوهة بركان قلنا الله يستر.

حتى أصبح الستر الإلهي بديلاً عن التخطيط البشري.

وأصبحت الدعوات الصالحة بديلاً عن الإدارة الصالحة.

وأصبح الإهمال نفسه جزءاً من الثقافة العامة.

هل كان القعقاع مشروعاً علمياً ضائعاً؟

قد يبدو السؤال غريباً.

لكن لماذا لا؟

العالم يدرس الأشخاص الاستثنائيين.

يدرس الرياضيين.

والمتسلقين.

وخبراء البقاء في البيئات القاسية.

وكل من يمتلك مهارات غير اعتيادية.

أما نحن فما زلنا مختلفين حول سؤال أكثر أهمية:

هل كان مجنوناً أم عاقلاً؟

وكأن المجتمعات المتقدمة تتقدم لأنها تمتلك عباقرة أكثر منا.

بينما الحقيقة أنها تتقدم لأنها تدرس ما نمر نحن عليه مرور الكرام.

القعقاع لم يكن يقهر الفيزياء.

لكنه امتلك مهارات نادرة في التوازن وقراءة المخاطر والتكيف مع البيئة الجبلية.

وكان يمكن أن يكون مادة علمية ودراسة ميدانية ومشروعاً سياحياً وإنسانياً.

لكن في بلد يهرب فيه العلماء أنفسهم من الإهمال، يصبح الحديث عن دراسة القعقاع نوعاً من الخيال العلمي.

وزارة الرثاء الوطنية

لدينا مؤسسة تعمل بكفاءة عالية جداً.

لا تتأثر بالحرب.

ولا بالأزمات.

ولا بانهيار الاقتصاد.

اسمها وزارة الرثاء الوطنية.

هذه الوزارة غير موجودة رسمياً، لكنها تعمل في كل بيت وكل هاتف وكل منصة تواصل.

وظيفتها تبدأ فور وقوع أي مأساة.

خلال دقائق تظهر القصائد.

وخلال ساعات تبدأ البطولات.

وخلال أيام يتحول الجميع إلى أصدقاء مقربين للراحل.

ثم بعد أسبوع ينتهي الموسم.

ويعود الجميع للبحث عن قصة جديدة وضحية جديدة.

أما الدروس الحقيقية فتدفن مع صاحبها.

دمت.. البركان الذي فضح الجميع

ربما لم يكن البركان أخطر ما في دمت.

بل ما كشفه البركان.

كشف هشاشة الواقع.

وكشف غياب التنظيم.

وكشف أن كثيراً من الشباب يواجهون المخاطر وحدهم.

وكشف أن المجتمع بارع في التصوير والتعليق أكثر من براعته في الوقاية والحماية.

وكشف أن الدولة ما زالت بعيدة عن أبسط وظائفها في كثير من المناطق.

وكشف أننا نمتلك مواهب وطاقات كبيرة، لكننا نفتقر إلى المؤسسات القادرة على احتضانها.

كم قعقاعاً آخر ينتظر دوره؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى بعد انتهاء الضجيج.

لأن القعقاع ليس حالة فردية.

في اليمن آلاف الشباب الذين يقفون يومياً على حواف مختلفة.

ليس فوق البراكين فقط.

بل فوق حواف الفقر.

وحواف البطالة.

وحواف الهجرة.

وحواف اليأس.

بعضهم يسقط بصمت.

وبعضهم ينجو مؤقتاً.

لكن المشكلة واحدة.

مجتمع يستهلك أبناءه أسرع مما يستثمر فيهم.

الخاتمة

رحل القعقاع.

لكن القضية لم ترحل.

فالرجل لم يسقط وحده في فوهة بركان دمت.

بل سقطت معه أوهام كثيرة.

سقط وهم أن المجتمع يكتشف مواهبه.

وسقط وهم أن الدولة حاضرة حيث يجب أن تكون.

وسقط وهم أن الإنسان اليمني ما زال يحتل المرتبة الأولى في سلم الأولويات.

لقد مات القعقاع.

لكن السؤال الذي تركه خلفه ما زال أكثر حياة من كثيرين:

كم موهبة أخرى سنهملها؟

وكم بطلاً آخر سنصفق له بعد موته؟

وكم مرة سنكرر المأساة قبل أن نفهم أن أخطر البراكين في اليمن ليست تلك التي تقذف الحمم...

بل تلك التي تلتهم الإنسان بصمت؟