الدم الذي لم يجد من يبكيه
وقف المطهر بن شرف الدين على بغلته. أمامه ألف أسير من أبناء رداع، سيقوا إليه أفواجاً. أمر بضرب أعناقهم واحداً واحداً وهو يراقب المشهد من علو سرجه. لم يتغير وجهه والسيف يهوي والرؤوس تتساقط والدم يثج حتى غمر حوافر البغلة. ثم أمر من بقي من الأسرى أن يحمل كل واحد رأساً من القتلى. ألف رأس في أيديهم ساروا بها إلى صنعاء ثم إلى صعدة. ألف أسير يحملون ألف رأس مقطوع. كل رجل يحمل موته القادم بين يديه. ملامح الضحايا في الأيدي تشبه ملامح الحاملين. الطريق الطويل يمتد تحت وطأة هذا الرعب الصامت. في صعدة تكتمل الدائرة، فتسقط الرؤوس المحمولة إلى جوار رؤوس حامليها. المطهر يعيد صياغة الجغرافيا اليمنية عبر تلال من الجماجم.
قبله بعام، أخذ ثمانين رهينة من خولان. كانوا أطفالاً في سن التكليف، قطع أيديهم وأرجلهم وتركهم ينزفون حتى ماتوا. لم يكونوا أسرى حرب، كانوا رهائن طمأنة. أرسلهم أهاليهم ضماناً للولاء، فجز المطهر أطرافهم ثم هدم بيوتهم وقطع أعنابهم، وترك القرية خاوية على عروشها. «كاسفة بقطع غروسها»، كما يوثق حفيده بفخر. القرى المحروقة في خولان واليمانية وجهران شواهد على سياسة الأرض المحروقة. كان يقطع الأعناب ليقطع سبل الحياة، فالجوع سلاح يوازي السيف في فتك الحشود.
القتل عند المطهر كان طقساً، عبادة يمجّدها الشعراء ويتبارون في وصفها. يقول شاعره المطهر الحمزي: «طحنتهم طحن الرحى بثقالها .. أو طحن طود هدَّ أرض من عل». ويقول آخر: «فاجز المطهر يا إله الخلق عن .. دين حماه بأجزل الحسنات». الله يجزيه الحسنات على ألف وثلاثمئة رأس، وعلى دم غمر حوافر بغلته. هكذا تتحول المجزرة إلى منقبة والقاتل إلى قديس.
الأيديولوجيا تمنح القاتل راحة الضمير. المطهر يعتقد يقيناً بكفر من يخالفه، صلاتهم باطلة ومقابر المسلمين محرمة عليهم. القتل يصير جهاداً مقدساً واستباحة الدماء والمنهوبات فعلاً إيمانياً في نظره. الشعراء يباركون هذه المجازر ويحولون المأساة إلى مأثرة بطولية.
دم الحسين سال منذ قرون. صارت ذكراه موسم بكاء سنوي. تقام له المآتم وتنظم القصائد وتقدس الدمعة. أما دم هؤلاء الألوف من اليمنيين فلا راوية له. لا مأتم لهم ولا شعراء يرثونهم. الشعراء مشغولون بمدح القاتل. الدماء اليمنية رخيصة لا تصنع هالات إعلامية ولا تبني طقوساً.
ويبقى من تلك الوقائع أثر يتجاوز السجلات.
بقعة دم على حجر في رداع. لم تمحها الأمطار بعد. طفل يمر بها كل يوم لا يعرف ما هي. أمه تسحبه بعيداً. لا أحد يخبره ولا أحد يسأل. الغبار خفيف يتحرك بهدوء كأنه يبحث عن جسد ليلتصق به.
الذاكرة اليمنية تحتفظ بهذه الندوب العميقة. الإمامة كما تجلت في عهد المطهر كانت آلة لإنتاج الموت الممنهج. المجتمع اليمني تشكل في ظل هذه الصدمات المتتالية. الخوف صار جزءاً من التكوين الاجتماعي، والسلطة استقرت في الوعي كوحش يتربص بالرؤوس. الهوية اليمنية صقلتها هذه المآسي المريرة.
الهواء في صعدة يحمل برودة قديمة، والغبار يستقر ببطء على أحجار الحصون العتيقة. صوت الريح يمر عبر الثقوب الصغيرة في الجدران المهجورة. تحت السطح الهادئ للحياة اليومية تتحرك أصداء بعيدة لخطوات ثقيلة. الظلال تتمدد عند الغروب فوق الأرض التي شربت كثيراً. السكون يسود المكان تماماً. الخضرة القليلة تنمو بصعوبة بين الصخور الصماء، والقوافل تمر صامتة كأنها تخشى إيقاظ شيء ما غافٍ تحت التراب.
