صنعاء 19C امطار خفيفة

مصر… ثبات الدولة وقوة الموقف

في زمنٍ تعصف فيه التحولات الكبرى والمخاطر المتسارعة بالمنطقة، تبقى مصر صامدةً ثابتة، واضحةً في رؤيتها، لا تهتز ولا تتزعزع. تقف بثقلها التاريخي والسياسي والإنساني كدولة تعرف طريقها جيدًا، وتحسب خطواتها بحكمة، بعيدًا عن التهور والانفعال، وقريبةً دائمًا من منطق الدولة المسؤولة التي تحمل همّ شعوب أمتها قبل أي اعتبار آخر.

لقد كانت مصر، وما زالت، مصدر قوة لكل عربي، وسندًا لكل من احتاج إليها. فتحت أبوابها للإقامة والعيش الكريم أمام من دفعتهم الظروف القاسية والمخاطر من أوطانهم، كما حدث مع كثير من الأشقاء من العراق وسوريا واليمن والسودان وغيرهم. وعلى أرضها وجد المقيم العربي مساحةً من الأمان، وفرصةً للحياة، وكرمًا أصيلًا يشعره بأنه ليس غريبًا، بل ضيفٌ عزيزٌ مكرّم.

ومصر ليست فقط أرض أمن وأمان، بل هي أيضًا أرض خيرٍ وعلمٍ وعطاء. فمن جامعاتها ومعاهدها تخرّج على مدى عقود طويلة ملايين من أبناء العرب، يحملون من مصر العلم والمعرفة والخبرة. ومن مستشفياتها ومؤسساتها الطبية نال العلاج والطبابة كثير من المحتاجين من مختلف الأقطار العربية، فكانت مصر دومًا بيتًا مفتوحًا للعلم، وملاذًا للدواء، وحاضنةً للإنسان.

وفي خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، برز موقف مصر بوضوح كدولةٍ مسؤولة تقف إلى جانب أشقائها في الخليج العربي والأردن، في مواجهة أي تهديد يستهدف أمنهم واستقرارهم. فقد أكدت مصر أن أمن الخليج جزءٌ لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي اعتداء على دوله هو اعتداء على الأمة بأسرها، رافضةً كل أشكال العدوان والتدخلات التي تهدد استقرار المنطقة.

ولم يقتصر الدور المصري على الموقف السياسي فحسب، بل امتد ليشمل تحركًا عمليًا ومتوازنًا؛ حيث ساهمت مصر في دعم الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد ووقف الحرب، بالتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا بالحكمة وتغليب صوت الحوار.

كما جسّدت مصر عمق تضامنها العربي من خلال فتح أراضيها ومجالها الحيوي وإمكاناتها، لتكون سندًا استراتيجيًا للأشقاء في أوقات الأزمات، وهو موقف يعكس جوهر الدور المصري التاريخي، الذي لا يتأخر عن نصرة أشقائه، ولا يتردد في تحمّل مسؤولياته تجاه أمن واستقرار المنطقة.

ولم يكن موقف مصر يومًا منفصلًا عن قضية فلسطين، بل ظل ثابتًا راسخًا بوصفها القضية المركزية للأمة العربية، وجرحًا حيًّا في وجدان كل عربي حر. فقد وقفت مصر، قيادةً وشعبًا، إلى جانب الشعب الفلسطيني في كل فلسطين، تؤكد حقه المشروع في أرضه، وكرامته، ودولته المستقلة، وترفض كل محاولات التهجير والتصفية والعدوان.

وفي أحداث غزة الأخيرة، تجلّى هذا الموقف المصري الأصيل بصورة واضحة لا لبس فيها؛ إذ كانت مصر في مقدمة الدول التي تحركت سياسيًا وإنسانيًا لوقف العدوان على أهلنا في غزة، ورفضت بكل وضوح استهداف المدنيين، ومحاولات فرض واقع ظالم بالقوة والحصار والتدمير. كما حملت على عاتقها مسؤولية كبيرة في إدخال المساعدات، وإسناد الجرحى والمصابين، والدفع بكل قوة نحو وقف إطلاق النار، وحماية الشعب الفلسطيني من آلة القتل والخراب.

لقد أثبتت مصر، مرةً أخرى، أنها ليست مجرد دولة جوار، بل سندٌ تاريخي لفلسطين، وحائط صدٍّ سياسي وأخلاقي في وجه مشاريع الاقتلاع والتهجير وإنكار الحقوق. وستظل مصر، بما تمثله من ثقل وموقف ومكانة، صوتًا عربيًا صادقًا في الدفاع عن فلسطين، وعن حق شعبها في الحياة والحرية والكرامة، حتى ينال حقوقه المشروعة كاملة غير منقوصة.

وتمضي مصر في ترسيخ نموذجها الإنساني القائم على التعايش وقبول الآخر، فلم تكن يومًا أرضًا للتمييز الطائفي أو الديني أو المذهبي، ولن تكون. بل ظلت عبر تاريخها ترفض كل أشكال العنصرية والإقصاء والتطرف، وتتصدى بحزم لكل ما يهدد نسيجها الوطني أو يزرع الفرقة بين أبنائها. وفي مصر، يتجسد معنى المواطنة الحقيقية، حيث يعيش الإنسان بكرامته، بعيدًا عن التصنيفات الضيقة، في مجتمع يرى في التنوع قوة، وفي الوحدة أساسًا للاستقرار والبناء.

وهي أيضًا مصر البناء والتنمية، مصر التي تواجه العواصف والمؤامرات والإرهاب الفكري والحركات الإرهابية ومغامرات الأعداء بثبات الدولة الكبيرة، وعقل الأمة الحكيم. لا تنجرف إلى الفوضى، ولا تنكسر أمام التحديات، بل تواصل العمل، وتنجز كل يوم، وتثبت أن الدولة الراسخة تُبنى بالصبر والرؤية والوعي والمسؤولية.

مصر تمد يدها للسلام، وللبناء، ولرفع الظلم عن المظلومين، وتنحاز دائمًا للشعوب وحقها في الحياة والكرامة والاستقرار. ولهذا بقيت مصر في وجدان العرب والأفارقة وكل من لجأ إليها: وطنًا كبيرًا، وملاذًا آمنًا، وقيمةً حضاريةً وإنسانيةً لا يمكن تجاوزها.

هي مصر أم الدنيا، بقيادتها الحكيمة، وجيشها العظيم، وشعبها الأصيل، ستظل دائمًا حصنًا للأمن، وركيزةً للاستقرار، ونورًا يهتدي به كل من يبحث عن الأمان والكرامة والأمل.

الكلمات الدلالية